1404/10/30
بسم الله الرحمن الرحیم
فی سقط الجنین/ فی تحدید النسل و تقلیل الموالید /المسائل المستحدثه
موضوع: المسائل المستحدثه/ فی تحدید النسل و تقلیل الموالید /فی سقط الجنین
وفي المقام قد وردت روايات مرتبطة بما نحن بصدده، فلزم النظر إليها، ومفادها حُرْمَة سقط الجنين عمداً بعد استقرارها في الرحم في أي مرحلة من مراحل الاستقرار.
منها: ما دل على حرمة سقط النطفة عند استقرارها في الرحم، فمع إثبات ذلك والحرمة، فاللازم هو حرمة سقط الجنين.
فعن ابن محبوب، عن علي بن رئاب (عن أبي عبيدة)، عن أبي عبد الله-علیه الصلوة و السلام- في امرأة شربت دواء وهي حامل لتطرح ولدها، فألقت ولدها، قال: “إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإن عليها دية تسلمها إلى أبيه، وإن كان جنيناً علقة أو مضغة فإن عليها أربعين ديناراً، أو غُرَّة تسلمها إلى أبيه”. قلت: فهي لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: لا؛ لأنها قتلته[1] .
والدلالة فيما نحن بصدده واضحة؛ لأن عدم جواز السقط هو المصرح به في الرواية، وإذا كانت الدية جبراً للخسارة وواجبة في مرحلة العلقة أو المضغة، فاللازم من وجوب الدية هو الحرمة، فلا يجوز الإقدام على إسقاط الجنين.
وقد يُقال بأن إسقاط الجنين قبل ولوج الروح لا يُطلق عليه القتل؛ لأن ذلك إنما يُطلق بعد ولوج الروح لا قبله.
وقد يُجاب عنه بأن الإمام-علیه الصلوة و السلام-قد أطلق على هذا السقط عنوان القتل، فالقول بأن تحقق عنوان القتل لزم أن يكون بعد الولوج غير صحيح.
ولذا حَكَم الإمام-علیه الصلوة و السلام-بوجوب الدية، فلو لم يكن العمل محرماً فلا معنى لوجوب الدية. وأضف إلى ذلك، فقد كان فرق واضح بين النطفة التي لم تستقر في الرحم (كالعزل) وبين النطفة التي كانت منشأ للإنسان، ولذا ليس في العزل خسارة ولا دية، ولكن في إسقاط النطفة أو الجنين وجوب الدية.
ومنها رواية عن عمار السَّابَاطِي، قال: سألت أبا عبد الله -علیه الصلوة و السلام-عن مُحصَنة زَنَت وهي حُبلى، قال: تُقَرُّ حتى تضع ما في بطنها، وتُرضِع ولدها، ثم تُرجم[2] .
والمُصرَّح فيها هو تأخير الرجم حتى تلد ولدها؛ لأنه لولا ذلك لهلك ما في بطنها، وهذا أمر مُحرَّم في الشريعة، فيُستفاد منها لزوم حفظ الولد مهما أمكن، فلا يجوز الرجم، ولا يجوز السقط، ولا يجوز القتل.
أما الكلام في مقدار الدية في صورة الجناية على الجنين، فهو موكول إلى محله في بحث الديات، ولا بأس بذكر رواية تَبَرُّكاً:
فالمشهور أن دية النُطْفَة قبلها عشرون ديناراً، والعَلَقَة أربعون، والمُضْغَة ستون، والعظام ثمانون، وفي تمام الخلقة من دون أن تلجها الروح مائة، وفي ولوج الروح دية كاملة، وإن كان الجنين ذكراً ففيه ألف دينار، وإن كان أنثى فـخمسمائة.
ولكن عليك بتذكُّر نُكْتَة مهمة، وهي أنه في صورة الجناية على الجنين وما في الرحم، فالمُستفاد من الروايات هو التعجيل في إجراء الحد أو التعزير أو الرجم، كما ورد أنه “ليس في الحدود نَظَر ساعة[3] ”.
وذلك لكان لأجل إيجاد الخوف في الخائنين والعِبرة في ترك المعاصي، ولكن إن ذلك لكان في صورة الاختيار وعدم المانع. ولكن إذا كان في البين مانع، كحفظ ما في البطن مثلاً، فلا يجوز التعجيل؛ لأنه عنوان ثانوي لزم مراعاته. فإذا ارتفع العذر، يرجع الأمر إلى العنوان الأولي، فلا إشكال في عدم جواز التأخير.
والمُستفاد من الروايات هو حرمة السقط ولزوم حفظ الولد مهما أمكن، وترتب العقاب على من لم يراعِ ما هو الحكم الشرعي حفظاً لما في البطن.
مضافاً إلى ما في بعض الروايات أن سقط الجنين بمنزلة القتل، ويُفهم من بعض الروايات أن السقط من الكبائر التي لا يرضى الشارع بتحققه.
كما في موثقة عمار السَّابَاطِي، قال: سألت أبا عبد الله -علیه الصلوة و السلام-عن مُحصَنة زَنَت وهي حُبلى، قال: تُقَرُّ حتى تضع ما في بطنها، وتُرضِع ولدها، ثم تُرجم[4] .
وفي مرسلة محمد بن محمد المفيد في (الإرشاد) عن أمير المؤمنين -علیه الصلوة و السلام-أنه قال لعمر، وقد أُتي بحامل قد زنت فأمر برجمها: فقال له علي-علیه الصلوة و السلام- : هَبْ لك سبيل عليها، أيَّ سبيل لك على ما في بطنها؟ والله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن -علیه الصلوة و السلام-. ثم قال: فما أصنع بها يا أبا الحسن -علیه الصلوة و السلام-؟قال: احتَط عليها حتى تلد، فإذا وَلَدَت وُجِدَ لولدها من يكفله فأقم الحد عليها[5] .
والدلالة على ما ذكرناه واضحة من لزوم حفظ الولد وتأخير الرجم.
والحاصل من الروايات هو حرمة سقط الجنين من أول زمان استقرار النطفة في الرحم إلى آخر زمان تكوُّن الولد إلى أن تَلِد، وفي صورة عدم المراعاة لزم الدية أو الحد أو التعزير أو الرجم. فإذا كان السقط في المراحل الأولية ممنوعاً، فالأمر في المراحل الآتية بطريق أولى وأشد.
فلا يجوز إسقاط نفس محترمة لأجل حفظ نفس محترمة أخرى.