« فهرست دروس
درس خارج فقه الأستاذ السيد رحيم التوکّل

1404/10/24

بسم الله الرحمن الرحیم

فی سقط الجنین/فی تحدید النسل /المسائل المستحدثه

 

موضوع: المسائل المستحدثه/فی تحدید النسل /فی سقط الجنین

 

وأما العقل: فنقول إن حكم العقل تارة يكون بالاستقلال، وهو ما إذا حكم بأمر مستقلاً من دون عناية إلى ما ورد في الشريعة، بحيث لو لم يكن بيان من الشارع لحكم بذلك الموضوع.

وأخرى يكون حكمه مع العناية إلى ما ورد في الشريعة، فيُقال حكم العقل بغير الاستقلال. ومن الواضح أن قباحة الظلم أمر بديهي، وقد يُعبِّر بعض بأن إسقاط الجنين من أفحش الظلم.

وقال بعض ممن عاصرناه في وجه كونه ظلماً: إنه اعتداء على من لا يقدر على الدفاع عن نفسه.

ولكن فيه أن هذا الدليل، بأنه اعتداء على ما لا يقدر على الدفاع عن نفسه، أمر يشمل الحشرات والأنعام والحيوانات التي تُذبح أو تُقتل بيد الإنسان، سواء كانت مُؤذية أو أهليّة، ولكن لا يكون ظلماً، بل أمر شائع عند الناس، ولا يخطر ببال أحد هذا العنوان في أفعالهم وأعمالهم.

مضافاً إلى أن إسقاط الجنين في أي زمان كان من مصاديق الظلم أولُ الكلام.

مضافاً إلى أن حكم العقل يكون بعد تبيين الموضوع؛ فإذا ضرب زيد عمراً، وسُئل عن هذا الضرب بأنه صحيح أو قبيح، يُسأل العقل: ان هذا الضرب لأي جهة کانت؟ فإذا قيل له: للتأديب، حُكِم بالصحة والجواز، وإذا حُكِم أنه كان للإيذاء، حُكِم بالحرمة والقباحة، من دون أخذ نظر من الشارع المقدس.

ولذا ان حكم العقل في المقام يكون بعد تبیين الموضوع، فإذا لم يجد لذلك وجهاً شرعیاً عقلائياً، حَكَم بالقُبْح؛ لأن هذا انهدام في مورد يمكن أن يكون إنساناً بعد حين.

وأضف إلى ذلك أنه إذا شكَّ في كونه ظلماً أو قبيحاً، يكفي في الحكم بالصحة والجواز؛ لأن الحرمة من الشارع تحتاج إلى دليل، ومع عدمه فلا وجه للقول بالحرمة.

وأما الإجماع: فقد أجمع الأصحاب على إيجاب الدية جبراً للخسارة بسبب الجناية العمدية على الغير، وإن كان في مقدار الدية اختلاف بينهم، فقال الشيخ: دية الجنين التام إذا لم تلجه الروح مائة دينار.

ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك أيضاً.

ومفاد الأخبار في ذلك مختلف، وفي بعضها مائة دينار.

وقال جميع الفقهاء غرة عبد او امة و قال الشافعي: قيمتها نصف عُشر الدية، خمسون ديناراً أو خمس من الإبل.

والحاصل من جميع ما ذكرناه في الأدلة الأربعة:

أن الحكم في مورد الجناية على الجنين هو الحرمة، إلا أن يعرض على ذلك أمر آخر يُعبَّر عنه بالعنوان الثانوي من الجواز أو الكراهة أو الحرمة.

ولا بأس بذكر بعض الروايات الواردة لحرمة انْهِدام النُّطْفَة في الرحم:

فعن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن رفاعة قال: قلت لأبي عبد الله-علیه الصلوة و السلام-: أشتري الجارية فربما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح في الرحم، فتُسقى دواءً لذلك فتطمث من يومها، أفيجوز لي ذلك وأنا لا أدري من حبل هو أو غيره؟ فقال لي: “لا تفعل ذلك”. فقلت له: إنه إنما ارتفع طمثها منها شهراً، ولو كان ذلك من حبل انما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يَعْزِل. فقال لي: إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى ما شاء الله، وإن النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يُخلَق منها شيء، فلا تسقيها دواء إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه[1] .

تقريب الاستدلال: أن الجارية يُحتمل في حقها الحبل، ولذا لم تطمث كما يُحتمل في حقها فساد الدم أو ما يُشابه ذلك، ولكن إذا استُعمل الدواء فطمثت، فسأل السائل عن جواز استعمال الدواء، فنهى الإمام -علیه الصلوة و السلام- عن ذلك؛ لأنه إذا كان عدم الطمث لأجل الحبل لكان الاستعمال موجباً لإسقاطه، وذلك لا يجوز شرعاً. ولكن السائل زعم أنه مع استعمال الدواء يكون ذلك كالعزل، وكما أن في العزل إسقاط للنطفة، فالمقام أيضاً كذلك. ولكن الإمام -علیه الصلوة و السلام- قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم يصير علقة ثم مضغة ثم لحماً وعظماً، ثم يصير ولداً، ولذا استعمال الدواء يوجب إسقاطه وهلاكة النطفة التي يمكن أن تكون ولداً، و لکن هذا الأمر لا يتحقق في صورة العزل؛ لعدم وجود النطفة في الرحم حتى يصير بعد ذلك ولداً.

والحاصل: أنه إذا لا يجوز إسقاط النطفة المستقرة في الرحم لاحتمال كونها منشأً للولد، ففيما إذا عُلِم بالحمل كانت الحرمة بطريق أولى.

و لذا فرق واضح بین اسقاط النطفة المستقرة فی الرحم و بین العزل الذی لا شأن له فاذا کان اسقاط النطفة ممنوعاً فما فوقها بطریق اولی.

كما ورد ما عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن(مولانا الکاظم)-علیه الصلوة و السلام-: المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتُلْقي ما في بطنها؟ قال: “لا”. فقلت: إنما هو نطفة، فقال:إن أول ما يُخلَق نطفة[2] .

والدلالة واضحة؛ لأنه بعد استقرار النطفة في الرحم لا يجوز إسقاطه بأي طريق كان؛ لأن النطفة أول مبدأ لتكون الولد في الرحم، مع الفرق بين العزل وإلقاء النطفة خارج الرحم، وبين النطفة التي استقرت في الرحم ويمكن أن يُخلق منها ولد في الأشهر الآتية.

 


logo