« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/05/08

بسم الله الرحمن الرحيم

التنبيه الرابع/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الرابع

بعد أن فرغنا من بيان ما أفاده شيخنا الأستاذ الفيّاض (قدّس سرّه) في التفصيل في جريان الاستصحاب بين الحكم العقلي، والحكم الشرعي الثابت بالدليل العقلي وبين الحكم الشرعي الثابت بالدليل الشرعي، نكون بذلك قد أتممنا الكلام في التنبيه الثالث، وفق منهجية الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) وتقسيمه.

وقبل الانتقال إلى التنبيه الرابع، المتعلّق بالاستصحاب التعليقي أو التقديري، يحسن أن نلتفت إلى ما كشف عنه استعراض كلمات الأعلام في هذا التنبيه، ابتداءً من الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ومروراً بسائر الأعلام (قدّس الله أسرارهم)؛ فقد ظهر مقدار التباين والاختلاف بينهم في المباني والنتائج المتعلّقة بأصل المسألة محلّ البحث: هل للعقل أن يدرك بعض الأحكام؟ وعلى تقدير إدراكه لها، فهل تقوم ملازمة بين ما يدركه العقل وبين الحكم الشرعي.

ولعلّ منشأ هذا التباين يرجع إلى اختلاف ما ذكره الأعلام في بيان أدلّة الأحكام الشرعية؛ إذ لم نجدهم، عند مراجعة مصنّفاتهم الأصولية، قد جروا على وتيرة واحدة في تحديد تلك الأدلة وبيانها. فإذا رجعنا، مثلاً، إلى ما قرّره المتقدّمون من علماء الفقه والأصول في مصنّفاتهم، وجدنا أنّ ما ذكروه من الأدلة ينحصر في القرآن الكريم، والسنّة النبوية، وأقوال الأئمة (عليهم السلام). وهذا هو القدر المتيقّن الذي انطلق منه الأصوليون والفقهاء في مقام بيان مدارك الأحكام الشرعية.

ولعلّ ما في عبارة الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في التذكرة مما يفيد هذا المعنى، ([1] ) فلم يكن العقل عندهم دليلا من الأدلة، بل حتى الإجماع لم يكن يُعدّ دليلاً برأسه. وإنما أُضيف الإجماع، وكذلك العقل، مع تدرّج حركة التأليف وتطوّر علم الأصول، إلى أن استقرّ البناء الأصولي المتأخر على أنّ الأدلة أربعة.

والشاهد في ذلك ما تقدّم في تنقيح مسألة الإجماع من جهة الكبرى؛ إذ جرى تحقيق كبروية الإجماع على أساس معناه اللغوي، وهو مجرّد الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام).

وكذلك زحفت مسألة "دليل العقل"، وطُرح التساؤل في الأوساط الأصولية: هل يمكن أن يُعدّ العقل أحد مدارك الأحكام الشرعية، كما هو الشأن في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، التي أُدرجت فيها أحاديث الأئمة (عليهم السلام) مع أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) تحت عنوان "السنّة المطهّرة"؟ فهل يتأتّى لنا أن نستدلّ بالعقل ابتداءً على ثبوت حكمٍ شرعي؟

بل إنّ مسألة العقل ـ فيما نراه، والله العالم ـ لم تكن في بدايتها مسألةً اصولية

، وإنما كانت مسألةً كلاميةً محضة، نشأت من النزاع الواقع بين العدلية

والأشاعرة ([2] ) في مسألة التحسين والتقبيح.

ومفاد هذا النزاع: هل الحسن والقبح مما يستقلّ العقل بإدراكهما، أم ليس من شأن العقل إدراك شيءٍ من ذلك، وإنما الحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه؟ حتى جوّزوا على الله عز وجل أن يُدخل الأنبياء (عليهم السلام) النار، وأن يُدخل العصاة الجنة، بدعوى أنّه لو حسّن الشارع ذلك لكان حسناً؛ على خلاف ما ذهبت إليه العدلية من أنّ العقل يرى ذلك قبيحاً، وأنّ الله تعالى منزّه عن فعل القبيح.

والحاصل: أنّ المسألة في أصل وضعها لم تكن داخلةً في مدارك الأحكام الفقهية، وإنما عُدّت من أمهات مسائل علم الكلام؛ لما يترتب على القول بالتحسين والتقبيح الشرعيين من لوازم فاسدة، تبلغ حدّ سدّ باب إثبات النبوّات وإفحام الأنبياء في دعواهم. ولأجل ذلك تمحّض البحث في شأن

العقل وحدود مدركاته في هذا الجانب العقدي.

ثم تطوّر البحث بعد ذلك، وأُقحم البحث عن حكم العقل في أدلة الأحكام من علم الأصول ، مع أنّنا لم نظفر بمسألةٍ فقهيةٍ فرعيةٍ دليلها العقل وحده. وإنما المورد المسلّم هو مسألة حسن العدل وقبح الظلم، ولعلّ مباني هذه المسألة ترجع أيضاً إلى أصول العقيدة؛ باعتبار أنّ تعذيب المؤمن ظلم، وحاشا لله سبحانه أن يظلم. وأما حينما دخلنا في التطبيقات الفقهية، فلم نظفر بدليلٍ عقلي محض.

وأما قاعدة الملازمة المدّعاة بين حكم العقل وحكم الشرع، فالتحقيق فيها، هو ما قرّره شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه) من أنّ هذه الملازمة إما أن تُمنع كبرىً، وإما أن تُمنع صغرىً - وكلامه في المقام متين جدا -

وعليه، فلا تعدو المسألة أن تكون قضيةً علميةً ونظريةً زحفت من مباحث علم الكلام إلى علم الأصول.

وليس هذا الأمر بغريب بل له نظائر في باقي العلوم أيضا كما حصل في علم الفقه فإنّ البعض من المسائل الفقهية لم تكن محرّرةً سابقاً في الكتب الفقهية؛ ومن أمثلة ذلك مسألة النيّة، إذ لم تكن النيّة محرّرةً في الكتب الفقهية المتقدمة، بل كانوا يفتتحون مباحث الصلاة مثلا بـ"تكبيرة الإحرام". وإنما تسرّبت النيّة لاحقاً إلى الفقه عبر علم الكلام، تأسيساً على الأصل الروائي القاضي بأنّ الأعمال منوطة بالنيّات ومحكومة بها، كما ورد في النبوي المشهور: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". إذ طُرح حينئذٍ التساؤل الكلامي: ما حقيقة النيّة؟ ومن ثمّ دخلت في الأبحاث الفقهية ، وتكلّم الفقهاء في تحقيق ماهيتها وهل يشترط فيها الأخطار ، أم أنّ قوامها القصد إلى الفعل والانبعاث نحوه؟.

تنبيه: إنّ تتبّع هذا المسار يُعدّ بحثاً دقيقاً في معرفة بدايات انتقال المسألة من الفضاء الكلامي إلى المجال الأصولي، أو المجال الفقهي وما يترتّب على ذلك من آثار. ولعلّ من أوسع من بحث مطلب الحكم العقلي الشيخُ محمد رضا المظفّر (قدّس سرّه) في كتابه "أصول الفقه"؛ ([3] )ويمكن مراجعة ما سطّره في مبحث "المستقلات العقلية"، فقد بسط القول فيه، وبيّن حقيقة العقل، وكشف عن اضطراب كلمات الأصوليين في التفريق بين العقل النظري والعقل العملي.

والنتيجة: أنّ المسألة تحتاج إلى مزيد من التأمّل؛ ولذا لم نستقرّ على رأيٍ واحد يفضي بنا إلى موافقة الشيخ الأعظم أو مخالفته، وإن كان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) ـ بحسب نظرنا القاصر ـ جديراً بالقبول، ويمثّل تحقيقاً جيّداً.

وهذا تمام الكلام فيما يتعلّق بهذا التنبيه .

الانتقال إلى التنبيه الرابع: الفرق بين الاستصحاب التنجيزي والتعليقي:

ومن ثم ننتقل إلى التنبيهٍ الآخر، وهو التنبيه الرابع، الذي يُعبَّر عنه

بـ"الاستصحاب التعليقي"أو "الاستصحاب التقديري". والعبارتان

بمعنى واحد، في مقابل "الاستصحاب التنجيزي".

والاستصحاب التنجيزي هو النمط الذي كنّا نبحث فيه إلى الآن. ومثاله: أن يكون زيدٌ عادلاً في السابق، وتكون العدالة موضوعاً لأثرٍ شرعي، ثم نشكّ في بقائها بسبب بعض التصرفات الصادرة منه؛ فيمكن حينئذٍ استصحاب عدالته.

ومعنى التنجيز هنا أنّ جريان الاستصحاب لا يتوقف على أمرٍ آخر، بل يكفي فيه يقينٌ سابق بالحالة، يعقبه الشكّ في بقائها لسببٍ من الأسباب، على خلاف رأي المحقّق النراقي والسيد الخوئي (قدّس سرّهما) اللذين توقفا في استصحاب الاحكام الكلية فهذا هو الاستصحاب الذي نعبّر عنه بالتنجيزي؛ لعدم توقّف جريانه على أكثر من الشكّ الطارئ بعد اليقين.

وهناك ضربٌ آخر من الاستصحاب يُسمّى "الاستصحاب التعليقي" أو "التقديري". والظاهر أنّ أوّل من فتح هذا الباب وتمسّك به هو السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدّس سرّه)، على ما حكاه الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في "الفرائد" ـ وسيأتي تتبّع مبدئه تفصيلاً إن شاء الله تعالى ـ؛ إذ قرّر مطلباً وأجرى فيه الاستصحاب، فاعترض عليه السيد صاحب "المناهل"، ([4] )(رحمه الله)، وفاقاً لما حكاه عن والده المحقّق صاحب "الرياض" (قدّس سرّه) ([5] )في مجلس درسه، من إنكارهما جريان هذا الاستصحاب من أصله.

دعوى صاحب "المناهل" في منع جريان الاستصحاب التعليقي بنى صاحب "المناهل" اعتراضه على ركنين:

الركن الأول: انتفاء اليقين السابق؛ إذ يُشترط في حجية الاستصحاب ثبوت الحكم تنجيزاً في زمانٍ سابق، والمفروض هنا أنّ الحكم معلّق ومقدّر، فلا يقين بحكمٍ متحقّق.

الركن الثاني: أنّه، على فرض تسليم ثبوت اليقين السابق، يكون هذا الاستصحاب مبتلىً بالمعارضة باستصحابٍ آخر، وهو استصحاب الحلية أو الإباحة الثابتة لماء الزبيب قبل الغليان؛ وهذا الاستصحاب مقدَّم على استصحاب الحرمة التعليقية. وهذه خلاصة سريعة لتصوير المسألة.

ويقتضي تحقيق المطلب الإجابة عن سؤالين:

السؤال الأول: ما حقيقة الاستصحاب التعليقي؟

السؤال الثاني: على القول بحجية الاستصحاب التعليقي، كيف يمكن دفع إشكال صاحب "المناهل" ووالده (قدّس سرّهما)؟ إذ لا بدّ في مقام الجواب من إثبات تحقّق اليقين السابق ثم الشكّ في بقائه، ليتحقّق ركنا الاستصحاب، ثم إثبات أنّ الاستصحاب المقابل إمّا أضعف منه، أو أنّه لا يجري لورود الاستصحاب التعليقي عليه أو لحكومته عليه؛ ليبقى الاستصحاب التقديري وحده بلا مانع.

فهل استقرّ رأي الأعلام بعد الشيخ الأعظم على وفاقٍ في هذه المسألة؟

والجواب: كلا؛ فإنّ كثيراً من الفحول المتأخرين عن الشيخ لم يرتضوا الاستصحاب التعليقي. نعم، وافقه صاحب "الكفاية"([6] )، المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)، بتقريبٍ قريب من الدليل والوجه اللذين سنذكرهما لاحقاً، بينما دارت كلمات الباقين بين الموافقة والمخالفة.

تحرير محلّ النزاع وتصوير المسألة بمثال عصير العنب والزبيب

بيان حقيقة الاستصحاب التعليقي:

جرى ديدن الأصوليين على تقريب الاستصحاب التعليقي بمثالٍ مشهور كثر حوله القيل والقال، مع أنّ مدار البحث ليس خصوص المثال، بل أصل الفكرة والقاعدة الكلّية. ولذلك يمكن توضيحها بمثالٍ فرضي، كما يمكن تصويرها بمثالٍ شرعي فقهيّ وارد.

ومثال ذلك القضية القائلة: "العصير العنبي إذا غلى حَرُم". فإذا أردنا تحليل هذه الجملة الشرطية، فما الذي نستفيده منها؟

مفادها أنّ الحرمة معلّقة على الغليان؛ فقولنا: "العصير العنبي إذا غلى حَرُم" قضيةٌ شرطية توقّف فيها ثبوت الحكم الشرعي، وهو الحرمة، على تحقّق الغليان.

ولا ريب في أنّ للأصوليين بحثاً في الجمل الشرطية، وهو: هل ترجع قيودها إلى الحكم أم إلى الموضوع؟ ([7] ) وقد نحتاج إلى بيان ذلك جرياً على ما سلكه الأصحاب؛ لما لهذا البحث من أهميةٍ وفوائد أصولية جمّة. والشيخ الأعظم لم يُطِل الكلام فيه في هذا الموضع، وإن أطال فيه بعض الأعلام. غير أنّ هذا البحث لا يثير إشكالاً لنا في المقام إلى الآن.

والسؤال المطروح هو: إذا كان لدينا عصيرٌ مغليّ بالفعل، وكانت حرمته معلومةً قطعاً، فما الذي يثبت إذا شككنا في بقائها؟

والجواب: أنّنا نستصحب بقاء الحرمة. فهل هذا استصحابٌ تنجيزي أم تعليقي؟ أنّه استصحابٌ تنجيزي؛ [هامش](الاستصحاب التنجيزي: هو استصحاب الحكم الفعليّ الثابت لموضوعه في الخارج عند الشكّ في بقائه وارتفاعه، كحرمة العصير المغليّ بالفعل إذا شُكّ في ارتفاعها.) لأنّ الغليان قد تحقّق بالفعل، فصار لدينا موضوعٌ تعلّق به حكمٌ فعليّ، فإذا شككنا في بقاء ذلك الحكم استصحبنا الحرمة. وعليه، فليس هذا الفرض محطّ كلامنا؛ إذ إنّ مورد البحث هو الجملة الشرطية التي لم يتحقّق معلّقها بعد، مع كونها صادقةً في نفسها.

ومقتضى الفرض أنّ العنب قد جفّ حتى تحوّل إلى زبيب. فالقضية الأولى، وهي: "العصير العنبي إذا غلى حَرُم"، قضيةٌ متيقّنة وثابتة، والمفروض أنّ الزبيب ليس موضوعاً مبايناً للعنب على نحوٍ يوجب اختلاف الموضوع، بل هو من تبدّل الحالات والأوصاف؛ فهذا رطبٌ وذاك جافّ. وقد كنّا على يقينٍ سابق بثبوت تلك الملازمة الشرطية.

فالسؤال إذن: هل يسوغ لنا، بعد جفاف العنب وتحوّله إلى زبيب، أن نستصحب الحكم السابق، فنحكم بأنّ الزبيب إذا غلى حَرُم؟ وهذا هو جوهر البحث، وهو حقيقة الاستصحاب التعليقي.

والعرف، وإن أطلق على العنب اسماً آخر بعد جفافه، ويرى أنّ الزبيب والعنب من قبيل الحنطة والطحين والعجين والخبز؛ إذ تُعدّ هذه العناوين المتعددة حالاتٍ وأوصافاً طارئةً على ذاتٍ واحدة. فالنظر العرفي فيها متّجهٌ إلى حفظ الذات، لا إلى خصوص العناوين والأوصاف المتعاقبة؛ لأنّ العرف لا يرى بينها تبايناً في الذات. وعليه، فالمفروض في محلّ البحث بقاء الموضوع وعدم تبدّله، وليس من صغريات تبدّل الحقائق؛ فإنّ تبدّل الحقائق واستحالتها مطلبٌ آخر خارجٌ عن محلّ الكلام تخصّصاً. فالكلام متمحّضٌ في فرض بقاء الموضوع، وحينئذٍ ينبثق السؤال: هل يسوغ استصحاب بقاء الحرمة المعلّقة على الغليان، وإثباتها للزبيب إذا غلى، أم لا؟

وجه المسامحة في المثال

قيل بوجود مسامحةٍ في التمثيل بهذا المورد؛ لأنّ العنب رطبٌ يمكن عصره واستخراج مائه منه حقيقةً، فيدور الكلام حول غليان مائه وعدمه. أمّا الزبيب فهو جسمٌ جافّ قد استُهلك ماؤه وذهب باليبوسة، فلا يتأتّى عصره حقيقةً. وإذا أُريد صنع شرابٍ منه، أُضيف إليه ماءٌ خارجي، وهذا الماء المضاف لا يُعدّ عصير زبيبٍ بالدقة، وإنّما هو ماءٌ مضافٌ إلى الزبيب.

غير أنّ الخطب في ذلك يسير؛ إذ الغرض مجرّد تصوير المسألة وبيان كبراها. ويمكن التفتيش أو الفحص عن مثالٍ آخر يساعد على تصوير المطلب من دون هذه المسامحة، والمقصود الأهمّ هو تحرير أصل المسألة المعنونة بـ"الاستصحاب التعليقي"

محلّ الإشكال في المسألة:

إذا تقرّر ما تقدّم، فهل يجري الاستصحاب في المقام أم لا؟ ولأجل استجلاء وجه الإشكال، نرجع إلى ما تقرّر في محلّه من أنّ الاستصحاب يتقوّم بركنين أساسيين، هما: اليقين والشكّ.

فإذا نظرنا إلى القضية القائلة: "العنب إذا غلى حَرُم"، تساءلنا: ما المتيقّن سابقاً فيها؟ فإن فُرض أنّ الغليان قد تحقّق في الخارج، وصار عصير العنب مغليّاً، كانت الحرمة حينئذٍ فعليةً منجّزة، واستصحابها بعد ذلك استصحابٌ تنجيزيّ لا إشكال فيه، وليس من الاستصحاب التعليقيّ في شيء؛ إذ اليقين بالحرمة الفعلية ثابتٌ في الرتبة السابقة.

إيراد صاحب "المناهل":

أمّا إذا لم يتحقّق الغليان في الخارج أصلاً، فما المتيقّن الذي يُراد استصحابه؟ وهذا عين ما أثاره صاحب «المناهل»؛ إذ تساءل: بأيّ شيءٍ تعلّق اليقين هنا؟ فالقضية شرطية مؤلّفة من مقدّمٍ وتالٍ، والمفروض أنّ العنب موجود، لكنّ الغليان لم يتحقّق خارجاً. فهل ثبتت الحرمة بنحوٍ فعليّ حتى يصحّ استصحابها، أم أنّها غير فعلية؟

إنّ المستصحب يقتضي أن يقال فيه: "هذا حرام"؛ فما الحرام في المقام؟ وهل تحقّقت حرمةٌ فعلية؟ إنّما الثابت قضيةٌ شرطية معلّقة، والتعليق لا يوجب فعلية الحكم؛ فما الذي يُستصحب إذن؟

وقد انقسمت أنظار الأعلام في هذا المطلب؛ فذهب فريقٌ إلى إمكان جريان الاستصحاب، وذهب آخرون إلى المنع منه. ومن هنا، نطلب من الشيخ الأعظم ومَن تبعه من الأعلام بيان حقيقة مرادهم من الاستصحاب التعليقي، وتحقيق القول في جريانه وعدمه وسيأتي انه ( قدس سره) قال اننا نستصحب الملازمة المتيقنة

ونسأل الشيخ (قدّس سرّه): أين الحكم الثابت الذي يصحّ لنا استصحابه؟ وما الذي يُستصحب حين يقال باستصحاب الملازمة؟ فإن قيل: هل الملازمة حكمٌ شرعيّ أم حكمٌ عقليّ؟ فقد ذهب بعضهم إلى أنّ الملازمة التي استصحبها الشيخ الأعظم حكمٌ عقليّ، راجعٌ إلى توقّف شيءٍ على شيء، وليست حكماً شرعياً، مع أنّ المستصحب لا بدّ أن يكون حكماً شرعياً، لا حكماً عقلياً.

والجواب: أنّ الشيخ التزم بجريان الاستصحاب في الملازمة، كما قبله صاحب "الكفاية" والتزم بجريانه، وخالفهما في ذلك غيرهما. والبحث في هذه المسألة شيّقٌ ومهمٌّ جداً، وتترتّب عليه فوائد فقهية كثيرة.

ولذلك لا بدّ من بيان ما أفاده الشيخ الأعظم في "فرائده"؛ تمهيداً لإيضاح المطلب.

قال (رضوان الله تعالى عليه): "قَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَعْضِ الِاسْتِصْحَابَاتِ: الِاسْتِصْحَابُ التَّقْدِيرِيُّ تَارَةً، وَالتَّعْلِيقِيُّ أُخْرَى"([8] )، وهما تعبيران عن مسمّى واحد.

ووجه هذه التسمية ليس ناشئاً من كون نفس الاستصحاب تعليقيّاً؛ إذ الاستصحاب في ذاته تنجيزيّ، وإنّما التعبير عنه بذلك مجازاً "باعتبار كون القضيّة المستصحَبة ذاتها قضيّةً تعليقيّةً؛ لكونها مقدّرة، فسُمّي بها، حيث حُكم فيها بثبوت حُكمٍ على تقدير وجود أمرٍ آخَر".

ومثال ذلك قولنا: "العصير العنبيّ إذا غلى حَرُم"؛ فقد حُكم بثبوت الحرمة للعصير العنبي على تقدير تحقّق أمرٍ آخر، وهو الغليان. فإذا كان لدينا عصيرٌ عنبيّ لم يغلِ، وشُرب قبل غليانه، كان حلالاً بلا إشكال.

وتحقيق المطلب يبتني على التمييز الدقيق بين مرتبتين في مثال العصير العنبي قبل غليانه:

المرتبة الأولى: الحكم الفعلي القائم بالفعل، وهو الحِلّية؛ إذ يجوز شربه بلا إشكال.

المرتبة الثانية: الحكم المعلّق التقديري، وهو الحرمة على تقدير الغليان. فالمستصحَب ليس الحكم بلحاظه الفعلي، بل القضية المقدّرة؛ أي الحكم بثبوت الحرمة للعصير متى ما غلى. وهذا هو معنى القضية المستصحبة.

ثم ذكر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) الإشكال في ذلك بقوله: "فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ" ـ والمراد به سيّد "المناهل" تبعاً لوالده ـ "لِأَجْلِ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ فِي اعْتِبَارِهِ، بَلْ مَنْعُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى اسْتِصْحَابٍ مُخَالِفٍ لَهُ" ([9] )وحاصل مرامه أنّه لم يقتصر على الخدشة في الاستصحاب التعليقي، بل جزم بمنعه وبطلانه.

وبيان الإشكال: أنّه لا بدّ أولاً من إحراز القضية المتيقّنة، وهي أنّ العصير العنبي إذا غلى حَرُم؛ وهذه هي القضية الأولى. أمّا القضية المشكوكة، فهي ما إذا تحوّل العنب إلى زبيب وشككنا في بقاء تلك الملازمة: فهل نستطيع استصحابها، فنقول: إنّ عصير الزبيب إذا غلى حَرُم؟ وهنا يقع محلّ الشكّ.

ويرى صاحب "المناهل" أنّ القضية الأولى ليست ثابتةً بيقين؛ إذ يُشترط في الاستصحاب ثبوت حكمٍ منجّز في الزمان السابق، ولا يقين بحرمةٍ فعلية ما دام الغليان لم يقع، وإنّما الثابت مجرّد جملةٍ شرطية معلّقة.

والنتيجة عنده منع جريان الاستصحاب التعليقي، والرجوع إلى استصحابٍ آخر مخالفٍ له، وهو استصحاب الحِلّية؛ لأنّ ماء الزبيب كان حلالاً قبل الغليان، فتُستصحب تلك الحِلّية عند الشكّ بعد الغليان، لعدم قيام يقينٍ سابق بالحرمة المعلّقة. فهذا هو أصل القضية، وتتفرّع عليه مباحث ستأتينا إن شاء الله تعالى.

 


[1] - المفيد، محمد بن محمد بن النعمان. التذكرة بأصول الفقه. تحقيق: الشيخ مهدي نجف، ط2، ص28. حيث نصَّ على أنَّ: «أصول الأحكام الشرعية ثلاثة أشياء: كتاب اللّه سبحانه، وسنة نبيه - صلى اللّٰه عليه وآله-، وأقوال الأئمة الطاهرين من بعده صلوات اللّٰه عليهم وسلامه».
[2] - الأشاعرة: مذهبٌ كلاميٌّ يُنسب إلى أبي الحسن الأشعري، ومن أصولهم نفي التحسين والتقبيح العقليين وحصر إدراكهما في الشرع.
[3] - الشيخ محمد رضا المظفر. أصول الفقه. ج1، ص214.-220.
[4] - هو السيد محمد بن علي الطباطبائي، الشهير ب«المجاهد» صاحب «المناهل في الفقه».
[5] - هو السيد علي بن محمد علي الطباطبائي، الشهير ب«صاحب الرياض»، مؤلف «رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل».
[6] - كفاية الأصول. ص411.
[7] - يُراجع تفصيل هذا المبحث في مسألة رجوع القيد إلى المادّة أو الهيئة، ومبحث الواجب المشروط والمطلق في مظانّه من كتب الأصول.
[8] - فرائد الأصول. ج3، ص221.
[9] - المصدر نفسه، ج3، ص221.-222.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo