48/05/07
التنبيه الثالث/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثالث
لا يزال الكلام في المقام الثاني، وهو مقامُ البحث عن الملازمة بين الحكم العقليّ والحكم الشرعيّ: هل تثبت هذه الملازمة، وهل يكون الحكم الشرعيّ تابعاً للحكم العقليّ؟ وقد أفاد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) أنّ تحرير محلّ الكلام يقتضي عرضَه على مسلكين:
المسلك الأوّل: أن نلتزم بأنّ الحُسن والقُبح من الأمور الواقعيّة الثابتة في نفس الأمر، وأنّ العقل يدركهما كما يدرك سائر الواقعيات. وعلى هذا المسلك تُطرح القاعدة المعروفة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع"؛ أي إنّ حكم العقل العمليّ بحُسن فعلٍ أو قُبحه يستلزم حكم الشارع بمقتضاه.
إلّا أنّ مجرّد واقعيّة الحُسن والقُبح لا يكفي لإثبات هذه الملازمة؛ إذ لا بدّ من إقامة الدليل على أنّ حكم العقل بهما يكشف عن ملاكٍ شرعيّ تامّ يقتضي حكم الشارع. وهذا الكشف غير ثابتٍ بمجرّد إدراك العقل للحُسن أو القُبح؛ فإنّ الأحكام الشرعيّة ـ على ما هو المقرّر عند العدليّة ـ تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، والحُسن والقُبح مغايران للمصالح والمفاسد. ومن ثمّ، لا تثبت الملازمة بين حكم العقل العمليّ وحكم الشارع من هذه المقدّمة وحدها.
وكان البحث في المقام الأوّل ـ عند الكلام على حكم العقل النظريّ ـ ناظراً إلى كبرى الملازمة، مع الالتزام بتماميّتها، وإن كان الإشكال هناك صغرويّاً؛ لعدم إحراز صغرى تلك الكبرى.
أمّا في هذا المقام، فالإشكال في إثبات الكبرى نفسها؛ إذ لم يثبت أنّ كلّ ما حكم العقل العمليّ بحُسنه أو قُبحه يستلزم حكماً شرعيّاً موافقاً له.
والنتيجة أنّ هذا المسلك لا يثبت المطلوب: ففي المقام الأوّل لم تُحرز الصغرى، وفي هذا المقام لم تثبت الكبرى.
المسلك الثاني: وهو أن الحسن والقبح من المجعولات العقلائية فهل الحكم الشرعي تابع للحكم العقلي على هذا المسلك أم لا؟
وقد ذكر شيخنا الأستاذ(قده) في هذا المسلك اتجاهين للجواب . فقال(قده): الاتجاه الأول: "وهو ما ذهب إليه المحقق الأصفهاني (قدس سره) من أنّ الملازمة بين حكم العقل العمليّ بالحُسْن والقُبْح وبين حكم الشرع بالوجوب والحرمة ثابتةٌ"، بل ادّعى أنّها بديهيّة لا تحتاج إلى إقامة برهان. وأفاد المحقّق الأصفهاني في بيان وجه البداهة: "أنّ الشارع سيّد العقلاء ورئيسهم، فإذا تطابق بناء العقلاء على حكمٍ بما هم عقلاء، كان الشارع في طليعتهم ورأس جمعهم، فيحكم بحكمهم جزماً"([1] ).
وفرّع المحقّق الأصفهاني على ذلك أنّ التعبير بـ"الملازمة" مبنيّ على ضربٍ من المسامحة؛ لأنّ التلازم يقتضي اثنينيّةً بين الحاكمين، والأدقّ ـ على مبناه ـ أن يُعبّر بـ"التضمّن"؛ لاندراج الشارع في جملة العقلاء، فيكون حكمه
متضمّناً في حكمهم.
وبيان مراده: أنّ المحقّق الأصفهاني يرى أنّ الحُسْن والقُبْح ليسا من الواقعيات، بل هما مجعولان عقلائيّان بتواطؤ العقلاء وتوافقهم، حفظاً للنظام وبقاءً للنوع. فالأنظمة الاجتماعية قائمة على اعتبار بعض الأفعال حسنةً وبعضها قبيحةً، وحيث إنّ الشارع المقدّس سيّد العقلاء، فهو داخلٌ في هذا التوافق وبناء العقلاء. وبناءً على ذلك، يكون التعبير بالملازمة مسامحياً؛ لما يقتضيه من التغاير والاثنينيّة([2] ). وقد أورد شيخنا الأستاذ على مسلك المحقّق الأصفهاني مناقشتين:
المناقشة الأولى: منع المبنى الذي ابتنى عليه هذا المسلك.
فالحُسْن والقُبْح ـ على ما يراه شيخنا الأستاذ ـ من الأمور الواقعيّة الثابتة في نفس الأمر، وليسا من الأمور الجعليّة التي يقرّرها العقلاء بتوافقهم وتواطئهم.
وعليه، فإنّ القول بكونهما جعليّين عقلائيّين غير تامّ من أساسه.
المناقشة الثانية: الخلط بين عنوان العاقل وعنوان الشارع.
فحتى لو سلّمنا بصحّة نظريّة المحقّق الأصفهاني تنزّلاً، يبقى الإشكال في الخلط بين كون الشارع سيّد العقلاء ورئيسهم، وبين كونه شارعاً ومقنّناً للأحكام الشرعيّة. وللشارع في المقام حيثيّتان متغايرتان:
الحيثيّة الأولى: كونه سيّد العقلاء ورئيسهم.
والحيثيّة الثانية: كونه شارعاً ومقنّناً للأحكام الشرعيّة.
فإذا أدرك العقل شيئاً وأدركه سيّد العقلاء، فهل هذا هو محطّ البحث الأصولي؟ أم أنّ المطلوب إثبات أنّ إدراك العقل له يستلزم أن يدركه الشارع بما هو شارع، فيشرّع على وفقه حكماً مولوياً؟ والحقّ أنّ المطلوب هو الثاني؛ إذ لا ريب في أنّ الشارع سيّد العقلاء ورئيسهم، غير أنّ ذلك أجنبيّ عن محلّ النزاع. فغاية البحث استكشاف الحكم الشرعيّ: فكما يستند الحكم الشرعيّ إلى الكتاب والسنّة بوصفهما دليلين شرعيّين، فهل يستند كذلك إلى حكم العقل ببركة الملازمة، بما يكشف عن حكم الشارع بما هو شارع؟
فإذا وردتنا الرواية قلنا: قال الشارع المقدّس، وهذا حكم شرعيّ، ولم يقل أحد إنّه حكم عقليّ.
أمّا نقل البحث إلى حكم سيّد العقلاء، فلا يثبت صدور حكم شرعيّ مولويّ منه، ولا ينهض بإثبات الملازمة محلّ البحث. ومصبّ الكلام هو الشارع بما هو شارع: هل شرّع لنا هذا الحكم؟ وهل يستلزم إدراك العقل حُسن الأشياء أو قُبحها أن يشرّع الشارع حكماً في موردهما بدعوى الملازمة؟ فهذا هو محطّ البحث، لا أنّ ما أدركه العقلاء أدركه سيّدهم.
ولذلك قال شيخنا الأستاذ: "أَوَّلاً: بِالإِضَافَةِ إِلَى خَطَأِ هَذَا القَوْلِ، - وَهُوَ قَوْلُ الأَصْفَهَانِيِّ إِنَّ الحُسْنَ وَالقُبْحَ أُمُورٌ جَعْلِيَّةٌ، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّهُمَا أَمْرَانِ وَاقِعِيَّانِ. - ثَانِياً: إِنَّ هُنَاكَ جِهَتَيْنِ مِنَ البَحْثِ: الجِهَةُ الأُولَى: أَنَّ الشَّارِعَ بِمَا هُوَ دَاخِلٌ فِي العُقَلَاءِ وَرَئِيسُهُمْ وَيَشْتَرِكُ مَعَهُمْ فِي بِنَاءَاتِهِمْ وَتَشْرِيعَاتِهِمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ رَئِيسُ العُقَلَاءِ، فَهَذَا لَا كَلَامَ فِيهِ، - وَلَيْسَ هُوَ مَحَلَّ كَلَامِنَا أَصْلاً -، بَلْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَحَلِّ كَلَامِنَا؛ إِذِ اشْتِرَاكُهُ مُسَلَّمٌ بِمَا أَنَّهُ عَاقِلٌ لَا بِمَا أَنَّهُ شَارِعٌ".
والشاهد في ذلك أنّ هذا النمط من الإيراد يشبه ما اعترض به بعض الأعلام على الشيخ الأنصاريّ ([3] ) في مبحث استصحاب الحُكم العقلي؛ إذ اعترضوا بأنّ العقل إذا ارتفع حكمه، فمن الجائز أن تكون دائرة حكم الشارع أوسع، لاشتمالها على ملاكاتٍ واقعيّة لا يدركها العقل، كما في التعبّديات المحضة، من قبيل استحباب تقبيل الحجر الأسود.
وقد أجاب الشيخ الأستاذ بأنّ هذا أجنبيّ عن محلّ النزاع؛ لأنّ الشارع وإن كانت له إدراكاته وإحاطته بالملاكات الغائبة عن مداركنا، فإنّ دعوانا مختصّة بالحكم الشرعيّ المستند حصراً إلى كاشفيّة العقل ببركة الملازمة. فإذا ارتفع الحكم العقليّ الذي استُكشف الحكم الشرعيّ بواسطته، لم يبقَ ـ على
هذا التقريب ـ حكمٌ شرعيّ مستندٌ إليه.
والنتيجة أنّ رأي الشيخ الأستاذ(قده) متينٌ في هذه المناقشة؛ فمحطّ البحث ومصبّ الغرض هو الشارع بما هو شارع، لا بما هو عاقلٌ من العقلاء؛ إذ لا نزاع في كونه عاقلاً ورئيساً لهم، غير أنّ ذلك لا يثبت الملازمة بين حكم العقل العمليّ والحكم الشرعيّ المولويّ.
ومن هنا فإنّ اشتراكه مع العقلاء مسلّمٌ بوصفه عاقلاً، لا بوصفه شارعاً، والبحث إنّما يقع في شأنه بما هو شارع.
ونظير هذا التمايز ما يُبحث في باب حجّيّة مثبتات الأمارات؛ فالكاشفيّة في الأمارة ناظرةٌ إلى إحراز الواقع، بخلاف الأصل العمليّ الذي يقتصر على جعل حكم شرعيّ ظاهريّ لرفع التحيّر العمليّ؛ فلكلٍّ منهما جهةٌ تغاير الأخرى.
والسؤال في المقام: هل الملحوظ هو الشارع بما هو عاقل أم بما هو شارع؟
والجواب: إنّ الملحوظ هو الشارع بما هو شارع، وحينئذٍ يكون لحاظه بما هو
عاقلٌ من العقلاء خروجاً عن حريم المسألة.
ولهذا تأمل الشيخ حسين الحلي ([4] )، والسيد الخوئي انما قال و الظاهر ان مراد الشيخ الاعظم ( قده) الحسن والقبح وليس الملاك ردا على استاذه النائيني عن استغرابهما من انتقال البحث إلى مسالك أجنبيّة لا تمتّ إلى محطّ النزاع بصلة، وهو ما يتوجّه نظيره إلى المحقّق الأصفهاني.
والحاصل فإن للشارع جهتين الأولى بما هو عاقل والثانية بما هو شارع وهو بلحاظ الجهة الثانية إنما يتبع كما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّه) ما أُنزل عليه من الأحكام الشرعيّة.
وتوضيح مرامه: أنّ الأحكام على قسمين: أحكام إرشاديّة، وأحكام شرعيّة مولويّة، أي مجعولة بداعي إنشاء التكليف.
فالأحكام الإرشاديّة هي ما يكون العقل مستقلاً بإدراكها؛ فإذا ورد فيها حكمٌ شرعيّ، لم يكن ذلك تأسيساً لمولويّة جديدة، بل كان إرشاداً إلى ما استقلّ به العقل ودلّ عليه. ومثال ذلك لزوم إطاعة الله تعالى؛ فإنّ الإنسان، بما هو ممكنٌ والمولى واجبٌ، يدرك لزوم شكر المنعم ووجوب إطاعة مولاه، حتى لو فُرض عدم ورود قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ([5] )، وتكرّر الأمر بالطاعة في مواضع أُخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ([6] )؛ فإنّ أصل لزوم الإطاعة حكمٌ عقليّ لا يتوقّف ثبوته على ورود آيةٍ تأمر بها.
ومن هنا استقرّ رأي المشهور على أنّ الأمر بالطاعة في الآيات الكريمة واردٌ مورد الإرشاد إلى حكم العقل، تأكيداً وتذكيراً لئلّا يغفل الإنسان، لا لإنشاء تكليفٍ مولويّ يستلزم التسلسل.
وأمّا الأحكام الشرعيّة المولويّة، فالمقصود بها هنا التكاليف التأسيسيّة التي لا يستقلّ العقل باستكشافها، وإنّما يبيّنها الشارع بوصفه صاحب الشريعة، ويطلب امتثالها تعبّداً. وهي التي عبّر عنها الشيخ بأنّها أعمالٌ تعبّديّة لا يهتدي العقل إلى عللها. وكلامنا يتمحّض في هذا القسم، دون الأحكام
الإرشاديّة المتقدّمة.
وقد قرّر الشيخ الأستاذ ذلك بقوله: "يتبع الشارع ما أنزل الله عليه من الأحكام الشرعية والأغراض الإلهية، سواء كانت مطابقة للأحكام العقلية أم كانت مخالفة لها".
وتحقيق المطلب: أنّ الأحكام الشرعيّة تابعةٌ للملاكات الواقعيّة، من المصالح والمفاسد الكامنة في متعلّقاتها، في حين أنّ العقلاء لا سبيل لهم إلى الإحاطة بتفاصيل تلك الملاكات والمبادئ الواقعيّة؛ إذ غاية ما تستند إليه أحكام العقل العمليّ هي إدراك الحُسن والقُبح. وقد تقدّم أنّه لا ملازمة ضروريّة بين حُسن الفعل واشتماله على مصلحة، ولا بين قُبحه واشتماله على مفسدة؛ فالحُسن لا يساوق المصلحة مفهوماً ولا مصداقاً، كما أنّ القُبح لا يساوق المفسدة، وإن ذهب إلى هذه المساوقة المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)، مع جلالة قدره وعلوّ رتبته في التحقيق.
وأمّا الاتجاه الثاني: فلم يتوسع شيخنا الأستاذ(قدس سره) فيه ، بل اكتفى
بتقرير عدم ثبوت قاعدة الملازمة بين حكم العقل العمليّ بالحُسن والقُبح، وحكم الشارع بالوجوب والحرمة. غير أنّه أوضح، في سياق مناقشته للمحقّق الأصفهاني، أنّ الملازمة المدّعاة ـ لو ثبتت ـ لكانت بلحاظ المصالح والمفاسد الواقعيّة، لا بلحاظ الحُسن والقُبح. وحيث إنّ العقل قاصرٌ عن إحراز تمام الملاكات الواقعيّة، بمصالحها ومفاسدها، لم تتمّ الملازمة، كما تقدّم بيانه. وبذلك ينتهي البحث في المقام الثاني.
وأما البحث في المقام الثالث: وهو البحث في تصور الشك في الأحكام الشرعية التابعة للأحكام العقلية أو لا؟
فبعد الفراغ من المقامين السابقين والتسليم بتبعية الأحكام الشرعية للأحكام العقلية ، نصل إلى المقام الثالث، فإذا كان الشكّ في الحكم العقلي متصوّراً؛ يترتّب على ذلك ـ بناءً على تبعيّة الحكم الشرعي للحكم العقلي ـ إمكان الشكّ في الحكم الشرعي المستند إليه، ومن ثمّ إمكان جريان الاستصحاب فيه.
فإن قيل بإمكان الشكّ في الحكم العقلي، أمكن ـ مع فرض تبعيّة الحكم الشرعي له ـ أن يُتصوّر الشكّ في الحكم الشرعي أيضاً، وحينئذٍ يمكن التمسّك بأدلّة الاستصحاب، إذا تحقّق اليقين السابق والشكّ في البقاء. وإن قيل باستحالة الشكّ في الحكم العقلي، لم يتصوّر الشكّ في الحكم الشرعي التابع له، وانتفى موضوع الاستصحاب، وهو الشكّ في بقاء الحكم.
هذا ما افاده شيخنا الأستاذ إجمالاً، وقد بسط الكلام في تفصيله، إلّا أنّ فذلكة المطلب ترجع إلى هذه النتيجة.
قد قال (قده): "أنّ الحُسْنَ والقُبْحَ العقليين إذا كانا من الأمور الواقعية الثابتة في لَوْح الواقع بنفسها، فيُتصوَّر الشكّ فيهما كما هو الحال في سائر الأمور الواقعية؛ وأمّا إذا كانا من القضايا المجعولة من قِبَلِ العقلاء، فلا يُتصوّر فيهما الشكّ"([7] ).
ومقتضى ذلك أنّ النتيجة تتفرّع على ما تقدّم من البحث في حقيقة الحُسن
والقُبح. وبيان ذلك: أنّ المراد بكونهما من الأمور الواقعيّة ثبوتهما في نفس الأمر، وهو ثبوتٌ أعمّ من الوجود الخارجي. فما دام الأمر ثابتاً في الواقع بنحوٍ من أنحاء الثبوت، أمكن أن يُعلم بثبوته، أو يُعلم بانتفائه، أو يقع الشكّ فيه.
والمراد بالشكّ هنا ليس خصوص تساوي احتمالَي الوجود والعدم، بل مطلق عدم الجزم بأحد الطرفين، وإن كان أحدهما أرجح احتمالاً من الآخر. فكلّما كان للأمر واقعٌ موضوعي، أمكن أن يكون المكلّف عالماً بثبوته، أو عالماً بانتفائه، أو شاكّاً فيه؛ وذلك بحسب ما لديه من إدراكٍ وإحاطة.
تنبيه: تختلف المدارك في مقدار إحاطتها بالواقع؛ فقد يدرك الناظر ثبوت الأمر، وقد يدرك انتفاءه، وقد يخفى عليه وجهه فيشكّ فيه. ومن هنا وضع العقلاء والمناطقة والفلاسفة قواعد الاستدلال والاستنباط طلباً لإصابة الواقع؛ إذ قد ينتهي نظرهم إلى العلم بالثبوت، أو العلم بالانتفاء، أو الشكّ.
وبناءً على ذلك، إذا كان الشارع ناظراً إلى الحُسن والقُبح الواقعيّين، وكان حكمه الشرعي تابعاً لما يدركه العقل منهما، أمكن ـ مع فرض بقاء موضوع الحكم واتّحاد الجهة التي استند إليها ـ أن يقع الشكّ في بقاء ما أدركه العقل، ويتبعه الشكّ في الحكم الشرعي المستند إليه. وحينئذٍ يمكن إجراء الاستصحاب، إذا كان الحكم متيقّناً سابقاً وشُكّ في بقائه.
وأمّا على المسلك الثاني، القائل بأنّ الحُسن والقُبح ليسا من الأمور الواقعيّة، بل من القضايا الجعليّة التي توافق عليها العقلاء، فلا يُتصوّر ـ على هذا المبنى، بلحاظ نفس الجعل العقلي ـ الشكّ فيهما؛ إذ يرجع الأمر إلى جعل العقلاء أو عدم جعلهم. وقد شبّه الشيخ حسين الحلي ذلك في بعض مباحثه بـ"التصويب الشرعي"؛ ومؤدّاه أنّ المجتهد يكون مصيباً دائماً، ولا يتطرّق الخطأ إلى حكمه؛ لعدم وجود واقعٍ محفوظ وراء الجعل. فكذلك الحُسن والقُبح على مبنى إنكار واقعيّتهما الذاتيّة؛ إذ لا يوجد مقياسٌ موضوعيّ خارج عن جعل العقلاء تُقاس عليه أحكامهم، حتى توصف بالإصابة أو الخطأ. فما توافق عليه العقلاء كان حسناً عندهم، وما أعرضوا عنه كان قبيحاً؛ فلا يكون ثمّة واقعٌ مستقلّ يُرجع إليه في تخطئة حكمهم أو الشكّ في بقائه.
والشاهد في ذلك ما عبّر به الشيخ حسين الحلي (قدس سره) من أنّ حالهما حينئذٍ أشبه بالتصويب الصرف، الذي لا يتصوّر معه الشكّ. وشيخنا الأستاذ، وإن لم يصرّح هنا بلفظ "التصويب"، فقد رتّب ما يقاربه من نفي تصوّر الشكّ؛ بناءً على أنّ الحاكم لا يشكّ في نفس حكمه وجعله: فإمّا أن يحكم أو لا يحكم. وعلى هذا الأساس يُبحث عن إمكان الشكّ في الحكم الشرعي التابع لذلك الحكم العقلي أو امتناعه.
والحاصل: أنّ ما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) من التفصيل بين الحكم الشرعي المستفاد من الدليل العقلي والحكم الشرعي المستفاد من الدليل النقلي ـ بالقول بعدم جريان الاستصحاب في الأوّل وجريانه في الثاني ـ لا يتمّ على إطلاقه.
فأمّا في دائرة العقل النظري، فالإشكال في تماميّة هذا التفصيل ليس من جهة أصل الكبرى، أعني إدراك العقل للمصلحة والمفسدة، بل من جهة تطبيق الصغريات التي يمكن أن يطرأ الشكّ عليها.
وأمّا في دائرة العقل العملي، فعلى المسلك الثاني، وهو مسلك الجعل والتواطؤ العقلائي، لا يتصوّر ـ بحسب هذا المبنى ـ الشكّ في الحكم العقلي من جهة نفس الجعل؛ فلا يتصوّر الشكّ في الحكم الشرعي التابع له، وينتفي بذلك موضوع الاستصحاب.
وأمّا على المسلك الأوّل، وهو المسلك المختار القائل بثبوت الحُسن والقُبح في لوح الواقع، فيمكن أن يقع الشكّ في بقاء الواقع الذي أدركه العقل، فيتبعه الشكّ في بقاء الحكم الشرعي المستند إليه؛ ومع تماميّة سائر أركان الاستصحاب، يجري الاستصحاب.
فهذا حاصل ما أفاده شيخنا في تحرير المقام، وما سواه من الأقوال يرجع في جملته إلى ما مرّ به البحث الأصولي من تطوّرٍ وتدقيق، من عصر الشيخ الأعظم إلى يومنا هذا.
وللكلام بقية…