48/04/30
التنبيه الثالث راي سماحة الشيخ الفياض (قدس سره)/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثالث راي سماحة الشيخ الفياض (قدس سره)
ونختم البحث بما أفاده الشيخ حسين الحلّيّ (قدّس سرّه). فبعد ملاحظة مجموع كلامه، يظهر أنّه يميل إلى ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعيّ المستند إلى الحكم العقليّ.
وقد حاول بعض الأعلام دفع ما أفاده الشيخ الأعظم، والقول بإمكان جريان الاستصحاب في هذا الحكم، إمّا بتوسعة الموضوع عرفاً، وإمّا بالبناء على القدر المتيقّن من موضوع الحكم. غير أنّ الشيخ الحلّي لم يطمئنّ إلى هذه النكتة التي استند إليها الأعلام في تصحيح جريان الاستصحاب، ولذلك ختم كلامه بقوله: "هذا فيه تأمّل". ومن ثمّ، لا يصحّ نسبة الجزم إليه في المسألة؛ وإن كان ظاهر كلامه يشير إلى ميله نحو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (رضوان الله تعالى عليه).
وبعد استكمال الكلام في كلمات الأعلام المتقدّمة، ننتقل إلى ما أفاده شيخنا الأستاذ، الشيخ الفيّاض (قدّس الله نفسه الزكيّة)، في هذا الباب. فقد تناول المسألة ضمن التقسيم المتقدّم الذي يلحظ حال المستصحَب: فإن كان حكماً شرعيّاً جرى فيه الاستصحاب، وإن كان حكماً عقليّاً لم يجرِ فيه.
وقد رتّب بحثه على قسمين رئيسيّين، وبيّن ما يترتّب على كلٍّ منهما على فرض أن يكون هو مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه). وإن لم يصرّح بفرض كون ذلك مراداً للشيخ، فإنّ ظاهر عبارته أنّه بصدد بيان ما يمكن أن يكون مراداً له. غير أنّ التأمّل في كلامه يكشف عن احتمال انطباق مراد الشيخ على أحد القسمين دون الآخر، وهو ما ينبغي الالتفات إليه عند عرض تفصيل كلامه.
ومن جملة ما أفاد في بحثه، أثار شيخنا الأستاذ مطلباً مهمّاً يتّصل بحقيقة الحُسن والقُبح؛ وهما من المسائل التي تُبحث في علم الكلام، كما يتوقّف عليهما البحث في علم الأصول. فالعدليّة يذهبون إلى أنّ العقل يدرك الحُسن والقُبح، بخلاف الأشاعرة الذين ينكرون ـ بالمعنى الكلامي ـ ثبوتهما على نحوٍ ذاتيٍّ يدركه العقل استقلالاً.
وقد تعدّدت كلمات القائلين بإدراك العقل لهما في بيان حقيقة هذا الإدراك وماهيّته. ومحلّ الكلام هنا أنّ العقل يحكم أوّلاً، ثمّ تُبحث الملازمة بين حكمه وحكم الشارع. وقد أوضح الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أنّ العقل لا يصدر حكمه إلا بعد الإحاطة بجهات موضوعه وقيوده؛ ولذلك لا يتطرّق الشكّ إلى حكمه: فإمّا أن يحكم بثبوته، وإمّا أن يحكم بانتفائه. كما أنّ حكم الشارع يتبع حكم العقل، وجوداً وانتفاءً ([1] )وعلى هذا، تتوقّف معالجة البحث على ثلاث جهات:
الأولى: أصل إدراك العقل للحُسن والقُبح، وهو المبنى الذي تلتزم به العدليّة.
الثانية: ثبوت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، أي: أنّه إذا حكم العقل بحكمٍ، حكم الشارع على طبقه.
الثالثة: حال الحكم الشرعي عند انتفاء الحكم العقلي: فهل ينتفي الحكم الشرعي بانتفائه، أم يمكن أن يثبت مع عدم حكم العقل؟ وقد أنكر صاحب الكفاية الملازمة في جانب الانتفاء، فلم يسلّم بأنّ عدم حكم العقل يستلزم عدم حكم الشرع ([2] )، بينما التزم الشيخ الأعظم بالتبعيّة في الجانبين: الثبوت والانتفاء.
ومقصود شيخنا الأستاذ في هذا المقام تحرير حقيقة إدراك الحُسن والقُبح، وبيان ماهيّتهما، وتحديد القوّة المدركة لهما: أهي العقل النظريّ أم العقل العمليّ؟ وهذا بحثٌ دقيق، ومحلّه الأصليّ مباحث المستقلّات العقليّة، وإنّما تعرّض له هنا استطراداً لمناسبة ذكر الشيخ الأعظم له. ولذلك نورد تفصيل كلامه، ونجمع جهاته وننقّحها؛ ليتّضح مسار البحث ومحلّ النزاع.
وبعد بيان التقسيم المتقدّم، يشرع الشيخ الأستاذ (قدّس سرّه) في تفصيله، فيقول: "يقع الكلام فيه تارةً في الحكم الشرعي المستكشف من العقل النظري، وأخرى في الحكم الشرعي المستكشف من العقل العملي"([3] ).
وحاصل تقسيمه أنّ البحث يقع في قسمين رئيسيّين، ينظر في كلٍّ منهما إلى الحكم الشرعي المستكشف من إحدى قوّتي العقل: النظريّة أو العمليّة. أمّا القسم الأوّل، فيتعلّق بالحكم الشرعي المستكشف من العقل النظري،ويبحث فيه الشيخ الأستاذ دعوى الملازمة بين إدراك العقل النظري والحكم الشرعي، وما يترتّب عليها. وهذا الوجه يُطرح على تقدير أن يكون هو مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، وإن لم يصرّح الشيخ الأستاذ بهذا الفرض بلفظه؛ والمقصود به احتمال إرادة التلازم بين إدراك العقل النظري والحكم الشرعي.
وتوضيح ذلك: أنّ العقل النظري يدرك اشتمال الفعل على مصلحةٍ ملزمة، فإذا أحرزها، ولم تكن مزاحمةً بمفسدةٍ أخرى أو مانعٍ يحول دون ترتّب أثرها، ثبت مقتضي وجوب الفعل، وحكم الشارع بوجوبه. وكذلك إذا أدرك العقل النظري مفسدةً ملزمةً غير مزاحمةٍ بمقتضٍ آخر، حكم الشارع بحرمة الفعل ولزوم الكفّ عنه. فالمناط في ذلك هو إحراز المصلحة أو المفسدة الملزمتين مع عدم المزاحم والمانع.
ويرى الشيخ الأستاذ (قدّس سرّه) أنّ إدراك المصالح والمفاسد من شأن العقل النظري، أمّا إدراك الحُسن والقُبح فمن شأن العقل العملي([4] ). والعقل العمليّ: هو إدراك ما بنبغي أن يُعمَل، أي حكمه بالحُسْن والقُبْح واستحقاق المدح والذم.)
وعلى هذا، يكون الحديث عن قوّتين مدركتين، وعن مدرَكين مختلفين:
الأوّل: المصالح والمفاسد الواقعيّة، ويدركها العقل النظري.
الثاني: الحُسن والقُبح، ويدركهما العقل العملي.
وهذا التفريق ليس موضع تسالمٍ بين الجميع؛ ومن ثمّ، فإنّ البحث هنا يقتضي بيان مختار الشيخ الأستاذ، وتحرير مدى موافقته للشيخ الأعظم أو مخالفته له.
ومصبّ الكلام في هذا القسم هو المصالح والمفاسد التي ترجع إلى ملاكات الأحكام؛ إذ يترتّب الوجوب على المصلحة الملزمة، والحرمة على المفسدة الملزمة، وفق الكبرى المقرّرة في محلّها، وهي تبعيّة الأحكام الشرعيّة للمصالح والمفاسد الواقعيّة في متعلّقاتها.
وقد أقام الشيخ الأعظم دليلاً في المقام، ثمّ ناقشه الشيخ الأستاذ (قدّس سرّه)، ورأى أنّ للمناقشة فيه مجالاً. ومحصّل مناقشته ـ بحسب ما يظهر ـ يرجع في جوهره إلى ما أفاده المحقّق النائيني؛ إذ يرى الشيخ الأستاذ أنّ ما أفاده الشيخ الأعظم غير تامّ، وأنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في هذا المورد. ومن هنا كان الكلام في هذا الوجه مبنيّاً على فرض أن يكون هو مراد الشيخ الأعظم؛ فإنّ الشيخ الأستاذ، على هذا التقدير، لا يسلّم تماميّته، بل يجوّز جريان الاستصحاب، وهو ما يلتقي في جوهره مع ما ذهب إليه المحقّق النائيني.
ثمّ إنّ الشيخ الأستاذ، بعد مناقشته الجهة الكبرويّة، تعرّض لمناقشة صغرى الملازمة؛ فكانت له في المقام مناقشتان: كبرويّة وصغرويّة. وقد تعلّقت المناقشة الكبرويّة بمسألة الحُسن والقُبح، فيما تعلّقت مناقشته هنا بتحقّق الصغرى، أي: بإدراك العقل النظري للمصلحة أو المفسدة على النحو الذي يترتّب عليه الحكم الشرعي.
وأمّا الكبرى، وهي تبعيّة الحكم الشرعي لحكم العقل النظري في دائرة المصالح والمفاسد، فهي مسلّمة في نفسها على هذا المبنى. وتوضيحها أنّه متى أدرك العقل النظري مصلحةً ملزمةً في فعل، حكم الشارع بلزوم الإتيان به، ومتى أدرك مفسدةً ملزمةً فيه، حكم الشارع بحرمته ولزوم الكفّ عنه. وهذه صياغةٌ منقّحة للقاعدة المشهورة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع".
ومذهب العدليّة في المقام هو الالتزام بثبوت المصالح والمفاسد في متعلّقات الأحكام؛ فمتى أدرك العقل قيام مصلحةٍ ملزمةٍ في فعلٍ، كإطعام الجائع أو إكرام اليتيم، أو قيام مفسدةٍ ملزمةٍ في فعلٍ، كأكل الميتة، كان حكم الشارع تابعاً لذلك، وفق قاعدة الملازمة.
وقبل المضيّ في تفصيل المناقشة الصغرويّة، ينبغي ضبط المراد من "العقل النظري"هنا؛ فإنّ المقصود به إدراك العقل للأمور الثابتة في نفس الأمر والواقع، أي علمه الانفعاليّ([5] ). الذي يتعلّق بأمرٍ مفروغٍ عن ثبوته، فيكشف عنه ولا ينشئه. فهناك حقائق واقعيّة، يأتي العقل النظريّ فيدركها ويستوضحها، وتتفاوت معارفنا سعةً وضيقاً بمقدار ما يتاح لنا من قدرةٍ على استكشاف تلك الحقائق.
وعلى هذا المبنى، تكون المصلحة والمفسدة من الجهات الواقعيّة التكوينيّة الثابتة في متعلّقات الأفعال. فإذا أدرك العقل النظريّ مصلحةً أو مفسدةً ملزمتين، تبعه الشارع في حكمه؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة تابعةٌ للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها. فالمقصود، إذن، من كبرى الملازمة في هذا المقام هو أنّ إدراك العقل النظريّ للمصلحة أو المفسدة يستتبع حكم الشارع على طبقها.
وبذلك تتّضح صياغة الكبرى، وتُرفع عنها الإبهامات التي كانت في إطلاق القاعدة المشهورة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع"؛ إذ لم يكن فيها تمييزٌ بين أقسام العقل، ولا تحديدٌ لما يراد بحكمه. أمّا هنا، فالمراد أوّلاً هو العقل النظريّ، والمراد ثانياً من حكمه هو إدراكه المصلحة أو المفسدة الواقعيّتين.
إلّا أنّ الشيخ الأستاذ (قدّس سرّه) يناقش في صغرى الملازمة، ويرى أنّ كبرى الملازمة بين حكم الشرع وإدراك العقل النظريّ للمصلحة أو المفسدة ثابتةٌ في نفسها، ولكن لا صغرى لها في المسائل الفقهيّة؛ إذ لا يوجد في الفقه، من أوّله إلى آخره، موردٌ واحد يُستفاد فيه الحكم الشرعيّ من إدراك العقل النظريّ للملاك. حيث قال: إلّا أنّه لا صغرى لهذه الكبرى في المسائل الفقهية أصلاً، إذ لا يوجد في الفقه من أوّله إلى آخره موردٌ واحد يُستفاد فيه الحكم الشرعي من حكم العقل النظري".
ومحصّل ذلك أنّ الكبرى مقبولةٌ على هذا المبنى، غير أنّها لا تجد مورداً تنطبق عليه في الفقه؛ فلو أردنا تطبيقها على مسألةٍ فقهيّة لنعرف أنّ الشارع حكم فيها تبعاً لما أدركه العقل النظريّ من مصلحةٍ أو مفسدة، لم نجد لها صغرى، فتكون سالبةً بانتفاء الموضوع.
وهذا قريبٌ ممّا أفاده السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) في المقام؛ إذ قرّر أنّه إذا كان مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من الحكم العقليّ إدراك الملاك، فلا يوجد في الفقه موردٌ أدرك فيه العقل ذلك الملاك. ويؤيّد هذا المعنى ما أفاده المحقّق الشيخ حسين الحلّيّ (قدّس سرّه) كما تقدم سابقا.
والنتيجة أنّ الكبرى، وإن كانت مقبولةً على هذا المبنى، ولكن لا صغرى لها في مقام التطبيق؛ وذلك لانسداد طريق العقل إلى إحراز ملاكات الأحكام. فالكلام هنا في المصلحة والمفسدة بما هما ملاكان للحكم: فالمصلحة الملزمة تقتضي الوجوب والدعوة إلى الفعل، والمفسدة الملزمة تقتضي الحرمة والزجر عنه. ومع ذلك، لا يتيسّر لنا إثبات حكمٍ شرعيّ فقهيّ جزئيّ اعتماداً على إدراك العقل لهذه الملاكات. ومن هنا قال الشيخ الأستاذ (قدّس سرّه): "ولهذا ينحصر طريق إحراز الملاكات بثبوت نفس الأحكام الشرعية بالكتاب والسنة"([6] ). وتتّضح دعوى انتفاء الصغرى بذكر المثال الذي يُطرح في مبحث الضدّ،([7] ) وهو وإن أُدرج في مباحث الألفاظ، فإنّ جهته الأساس عقليّةٌ تحليليّة. وقد أُثير فيه السؤال عن إمكان إحراز ملاك الفعل إذا سقط أمره الفعليّ لمزاحمته بواجبٍ آخر.
فلو فرضنا أنّ إزالة النجاسة عن المسجد واجبةٌ فوراً، وأنّ الصلاة واجبٌ موسّع، ودخل المكلّف المسجد لأداء الصلاة فوجد فيه نجاسةً، تعيّن عليه المبادرة إلى إزالتها؛ لأنّ وجوبها فوريّ، في حين أنّ وقت الصلاة متّسع. فإذا خالف وبادر إلى الصلاة، فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، تكون الصلاة منهيّاً عنها من جهة مزاحمتها للإزالة، وقد ذهب جماعةٌ إلى بطلانها لذلك.
وحاول بعضهم تصحيح الصلاة مع فرض النهي عنها، بدعوى أنّها وإن لم تكن مأموراً بها في هذا الظرف، فإنّها تشتمل على ملاكٍ يقتضي صحتها. وهنا يُطرح السؤال: من أين أُحرز اشتمالها على الملاك؟ فإنّ إحراز الملاك يستند إلى أمر الشارع بالفعل، فإذا سقط الأمر بالصلاة في ظرف المزاحمة، وثبت النهي عنها ـ على ذلك المبنى ـ لم يبقَ ما يكشف عن وجود الملاك فيها. فكيف يُحرز حينئذٍ؟
وهذا المثال مذكور في مباحث الضدّ ([8] ) لكنّه لا يوفّر صغرىً لإدراك العقل النظريّ لملاك الحكم؛ إذ إنّ البحث فيه لا يثبت أنّ العقل قد أدرك مصلحة الصلاة أو مفسدتها، وإنما يدور حول إمكان بقاء ملاكها مع سقوط أمرها أو ثبوت النهي عنها. ومن هنا، فإذا جارينا الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في أنّ الحكم العقليّ لا يقبل التخصيص، أمكن أن يُقال ـ على ما قرّبه المحقّق النائينيّ ـ إنّ سقوط الحكم الشرعيّ لا يستلزم انتفاء الملاك، لاحتمال بقاء بعضه، أو جزءٍ منه، أو ثبوت ملاكٍ آخر. غير أنّ هذا التقريب لا ينهض ثمرةً عمليّةً في المقام؛ لأنّ الكلام في إمكان بقاء الملاك لا يثبت أنّ العقل قد أحرزه، ومع عدم إحرازه لا تتمّ الصغرى.
وأمّا أنّ هذا هو مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، فليس الأمر كذلك؛ إذ لا يظهر من عبارته أنّه ناظرٌ إلى الملاك، بل إنّ مثاله صريحٌ في إرادة باب التحسين والتقبيح العقليّين، حيث قال: "كالمحسّنات والمقبّحات العقليّة كالظلم" ([9] )وقد ذكر مثالاً آخر يؤكّد دخول كلامه في هذا الباب.
كما أفاد السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه)، عند مناقشة ما أفاده أستاذه المحقّق النائينيّ وصاحب الكفاية، أنّ مراد الشيخ هو القسم الثاني، أي الحكم العقليّ بالحُسن والقُبح، لا إدراك الملاك. وبذلك نكون قد عرضنا ما أفاده شيخنا الأستاذ الفيّاض (قدّس سرّه) في هذا القسم، واتّضح أنّه يناقش في إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشرعيّ المستكشف من العقل النظريّ على فرض كون هذا هو مراد الشيخ. غير أنّ هذا الفرض لا ينسجم مع ظاهر عبارة الشيخ الأعظم؛ إذ إنّ كلامه ناظرٌ إلى التحسين والتقبيح العقليّين، لا إلى إدراك المصالح والمفاسد. مضافاً إلى أنّ فرض إدراك العقل للملاك لا يوفّر، بحسب ما تقدّم، صغرىً فقهيّةً يمكن تطبيق الكبرى عليها؛ فيبقى الكلام في هذا الوجه بحثاً علميّاً لا تترتّب عليه ثمرةٌ عمليّة.
تنبيه: ممّا تقدّم أنّ المصلحة والمفسدة تُلحظان هنا من مدركات العقل النظريّ. وليس هذا التفصيل موضع اتّفاقٍ بين الأعلام، إلا أنّ له وجهاً؛ لأنّ شأن العقل النظريّ إدراك الحقائق والجهات الواقعيّة، والمصلحة والمفسدة ـ على هذا المبنى ـ من الجهات التكوينيّة الثابتة في متعلّقات الأفعال، فيصحّ أن يتعلّق بهما إدراكه.
وبذلك يتّضح أنّ موضع الإشكال في هذا القسم ليس في أصل الكبرى، بل في إحراز صغراها. وأمّا القسم الثاني من البحث، وهو الحكم الشرعيّ المستكشف من مدركات العقل العمليّ، فيحتاج إلى معالجةٍ مستقلة، وقد تقدّم أنّه يُحرّر في مطلبين:
الأوّل: البحث في مدركات العقل العمليّ في نفسها.
والثاني: البحث في الحكم الشرعيّ المستكشف من طريق العقل العمليّ.
وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً، بعون الله تعالى وتوفيقه.