48/04/25
التنبيه الثالث بيان راي سماحة السيد الخوئي (قدس سره)/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثالث بيان راي سماحة السيد الخوئي (قدس سره)
وصل بنا الكلام إلى ما أفاده السيد الخوئيّ (قدّس سرّه) في المقام . وقد تقدّم أنّه، بعد أن عرض رأي الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، لخّص مطلبه في مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنّ الحكم العقليّ لا يتطرّق إليه الإجمال؛ لأنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلا بعد إحراز ما له دخلٌ في موضوع حكمه. فإذا لم يحرز بعض تلك الخصوصيات، لم يستقلّ بالحكم على ذلك التقدير. ومن هنا، لا تكون للعقل ـ بحسب هذا التقرير ـ حالةُ تردّدٍ في الحكمٍ ؛ فإمّا أن يحكم بالثبوت، وإمّا أن يحكم بالعدم .
المقدّمة الثانية: ثبوت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، استناداً إلى القاعدة المشهورة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع".
وعند ملاحظة كلمات المحقّقين الذين جاؤوا بعد الشيخ الأعظم، نجد أنّ بعضهم ناقش في المقدّمة الأولى، وبعضهم ناقش في الثانية، فيما ناقش فريقٌ آخر المقدّمتين معاً.
فالسيد الشيرازي، الذي فتح الباب للبحث في المقام ، قد ناقش المقدّمة الأولى؛ بما حاصله : عدم لزوم أن يكون العقل محيطاً بجميع الخصوصيات المتصلة بموضوع حكمة حتى يحكم ، بل قد يستقلّ بالحكم بلحاظ القدر المتيقّن، مع عدم إحرازه سائر الخصوصيات المحتملة.
ويمكن أن يكون ما أفاده في المقام مما يرتبط بالمقدّمة الثانية ايضا؛ لأنّ البحث ينتهي إلى تحديد ما يكشف عنه حكم العقل من الحكم الشرعي.
وأمّا المقدّمة الثانية، وهي قضية "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشارع"، فقد ناقشها صاحب الكفاية (قدّس سرّه) ([1] )وافادة بأنّ الملازمة إنّما تكون في مقام الإثبات والإيجاب واستكشاف الخطاب لا في مقام الثبوت؛ أي إنّ حكم العقل في مورد حيث يستقلّ به، يكون طريقاً إلى استكشاف الحكم الشرعي، في ذلك المورد وأمّا عدم حكم العقل في الموردٍ فلا يستكشف منه عدم الحكم الشرعي في ذلك المورد.
وعليه، فإذا استقلّ العقل بحكمٍ، أمكن استكشاف الحكم الشرعي على طبقه. أمّا إذا لم يستقلّ به، فلا يلزم من ذلك انتفاء الحكم الشرعي؛ إذ يُحتمل أن يكون الملاك الواقعي للحكم الشرعي باقياً، وإن لم يدركه العقل إلا في حالٍ خاصة، كما يُحتمل وجود ملاكٍ آخر للحكم الشرعي . وهذا هو محصّل ما ذكره صاحب الكفاية في توجيه إمكان بقاء الحكم الشرعي مع انتفاء الحكم العقلي في معرض الإشكال على المقدمة الثانية التي بنى عليها الشيخ الأعظم رأيه في التفصيل .
وأمّا السيد الخوئيّ (قدّس سرّه): فقد عرض ما ذكره الأعلام من إشكالات على تقريب الشيخ وتبنى بعضها فكأنه موافق لأصحابها، وفي بعضها الآخر لم يقبل بها فكأنه وافق الشيخ الأعظم. لكنه جعل الكلام في بعض تلك الاشكالات مبني على تحديد المراد من كلام الشيخ حيث يتوقف القول بورود الإشكال من عدمه على تحديد مراد الشيخ من الحكم العقلي المستكشف منه الحكم الشرعي .
وينبغي التأمّل في هذا المقام؛ فإنّ في كلام السيد الخوئيّ مواضع للنظر، سنبيّنها إن شاء الله تعالى.
هذا وقد ذكرنا في الدرس السابق أنّ السيد الخوئي قد تعرض لكلام المحقق النائيني أولاً، ثم تعرض لكلام الكفاية ثانيا؛ وقد تعرضنا في الامس وبشكل مختصر لتقريب اشكال الكفاية ولما أفاده السيد الخوئي من التسليم بالاشكال بل ذكر أنّ الإشكال لا دافع له.
وأمّا الآن، فنتعرّض لما أفاده السيد الخوئي (قدّس سرّه) في بيان إشكال المحقّق النائيني (قدّس سرّه)، ثم نعود إلى ما أفاده في مناقشة إشكال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)؛ فإنّ تحرير موقفه من كلام المحقّق النائيني له دخلٌ في استيضاح تمامية ما أفاده في مناقشة كلام صاحب الكفاية.
فلابد من الالتفات بدقة إلى كلام السيد الخوئيّ (قدّس سرّه) في مناقشة المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه). فانه(قدس سره) يرى أنّ فهم مراد الشيخ الأعظم من الحكم العقليّ الذي يُستكشف منه الحكم الشرعيّ يتوقّف على تحديد ما أدركه العقل: أهو الملاك، أم حسن الفعل و قبحه؟ وهذا التحديد هو المفتاح لفهم إشكال الشيخ النائينيّ ومناقشته.
وكيف كان فالأمر يدور بين احتمالين:
الاحتمال الأوّل: أن يكون مراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من الحكم العقلي الذي يُستكشف منه الحكم الشرعي هو إدراك العقل للملاك.
والمراد بالملاك هو المناط الذي يبتني عليه الحكم، كالمصلحة أو المفسدة التي يدور الحكم مدارها. وقد أشار السيد الخوئي (قدّس سرّه) إلى أنّ العقل قد يدرك الملاك في حدود القدر المتيقّن منه، فيحكم على أساسه؛ إلا أنّ انتفاء حكمه عند انتفاء قيدٍ ما لا يستلزم انتفاء الحكم الشرعي، لاحتمال بقاء الملاك. غير أنّه استبعد إحراز العقل للملاك الواقعي استقلالاً.
فقال: "إلا أنّ هذا مجرّد فرض؛ لأنّا لم نجد إلى الآن مورداً حكم فيه العقل بوجود الملاك، وأنّى للعقل هذا الإدراك"([2] )؛ وتتّضح الفكرة في أحكام القصر والإتمام؛ فليس لنا أن نجزم بأنّ المشقّة هي الملاك الواقعيّ للقصر، لمجرّد مناسبتها له. ولو كان الحكم يدور مدار المشقّة نفسها، لاحتجنا إلى تفسير موارد التخيير بين القصر والإتمام مع اختلاف أحوال المسافرين من جهة المشقّة. فهذه الموارد تبيّن أنّ معرفة الملاك لا تحصل بمجرد التخمين، بل تحتاج إلى دليل.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالحكم العقليّ إدراك العقل حسن الفعل أو قبحه. وهذا معنى مغاير لإدراك الملاك؛ فالعقل قد يستقلّ بقبح الظلم أو حسن العدل، مثلاً. وعلى هذا الاحتمال، يقرر السيد الخوئيّ أنّ حكم العقل لا يكون مهملاً أو مجملاً؛ إذ لا يحكم بالحسن أو القبح إلا بعد تشخيص ما له الدخل في حكمه من القيود والخصوصيات.
والحاصل فانّ السيد الخوئيّ يفرّق بين الحكم العقلي بمعنى إدراك العقل للملاك الواقعيّ للحكم الشرعيّ، وبين الحكم العقلي بمعنى إدراكه لحسن الفعل أو قبحه. فالأول لا يرى له مورداً محرزاً، وأما الثاني فلا يمكن فيه الإجمال . وسيأتي تفصيل النظر في هذا التقرير عند التعرّض لما يترتّب عليه من مسائل فقهية.
وعليه، يمكن تقرير ضابطةٍ في هذا المقام، وهي أنّ المكلّف لا يحرز ملاكات الأحكام الشرعيّة استقلالاً بعقله، ما لم يكشف عنها الشارع بدليلٍ معتبر.
والسيد الخوئيّ (قدّس سرّه)، في تحريره للمقام، يطرح احتمال أن يكون العقل قد أدرك الملاك؛ أي المصلحة الملزمة غير المزاحمة بمانع، أو المفسدة الملزمة غير المزاحمة بمصلحةٍ أقوى. وهذا ناظرٌ إلى تماميّة المقتضي وفقد المانع؛ فالملاك هو المصلحة أو المفسدة الواقعيّة التامّة.
ومن هنا يُسأل: كيف يتسنّى للعقل إحراز ذلك؟ وهل هذا هو المراد من الحكم العقلي في كلام الشيخ الأعظم؟
وعلى فرض إحراز العقل للملاك في موضوعٍ ما، فيترتّب عليه الحكم الشرعيّ لا محالة، لذا قال السيد الخوئيّ: "فلا محالة يترتب عليه الحكم الشرعي لكون الصغرى وجدانية والكبرى برهانية".
فالصغرى الوجدانيّة هي إحراز اشتمال الفعل على مصلحةٍ ملزمةٍ تامّة، كما في ردّ الوديعة على فرض إحراز ذلك، والكبرى البرهانيّة هي أنّ ما اشتمل على مصلحةٍ ملزمةٍ تامّةٍ فهو واجبٌ شرعاً، على مبنى تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد. وبذلك تكون الملازمة جهةَ استكشاف الحكم الشرعي من الملاك المحرَز.
ثمّ أفاد السيد الخوئيّ (قدّس سرّه) أنّه إذا كان المراد من الحكم العقليّ إدراكَ الملاك، فإيراد المحقّق النائينيّ على الشيخ الأعظم وارد؛ إذ يمكن للعقل أن يدرك الملاك بمقدار القدر المتيقّن، فإذا انتفى قيدٌ احتمل بقاء الملاك، فلا يحكم بانتفاء الحكم الشرعي.
ومحصّل هذا الوجه أنّ انتفاء القيد الذي كان العقل يحرز الملاك في ضمنه لا يكفي لإحراز انتفاء الملاك واقعاً؛ لاحتمال أن يكون القيد غير دخيلٍ فيه، أو أن يبقى الملاك من جهةٍ أخرى.
وبناءً على هذا الفرض، يكون إشكال المحقّق النائينيّ تامّاً، ويلحق به ما أورده صاحب الكفاية والسيد الشيرازي على الشيخ الأعظم من هذه الجهة.
إلّا أنّ السيد الخوئيّ يرى بأنّ هذا الفرض لا يُعرف له موردٌ محرز، فيقول: "إلا أنّ هذا مجرّد فرض؛ لأنّا لم نجد إلى الآن مورداً حكم فيه العقل بوجود الملاك، وأنّى للعقل هذا الإدراك"فهو يسلّم بتماميّة إيراد النائينيّ على تقدير أن يكون المراد من الحكم العقلي في كلام الشيخ هو إدراك العقل للملاك، ثمّ ينبه إلى أنّ هذا التقدير لا يثبت في موردٍ عمليّ؛ إذ لم يجد ـ بحسب تصريحه ـ مورداً أحرز فيه العقل الملاك استقلالاً. ومن ثمّ، فالكلام في جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي التابع للحكم العقلي على هذا الأساس يبقى فرضاً نظريّاً ما لم يُحرز له مصداق.
وأمّا الشقّ الثاني من الترديد، وهو أن يكون المراد من الحكم العقليّ إدراكَ الحسن والقبح، فقد بيّن السيد الخوئيّ (قدّس سرّه) أنّ هذا هو حكم العقل العمليّ([3] ). على مذهب العدليّة في المستقلّات العقليّة.([4] ) وبهذا الفرض لا يرد إشكال المحقّق النائينيّ؛ لأنّ العقل العمليّ لا يحكم بحسن فعلٍ أو قبحه إلا بعد تشخيص ما له دخلٌ في حكمه من القيود والخصوصيات، فلا يكون حكمه مهملاً أو مجملاً. وقد عبّر السيد الخوئيّ عن ذلك بقوله: "فلا يرد عليه إشكال المحقق النائيني، لأن حكم العقل بالحسن أو القبح لا يمكن أن يكون مهملاً"([5] ). وبيان ذلك أنّ العقل، كما يمكن أن يدرك الواقعيات بالعقل النظريّ([6] )، فكذلك يمكن أن يدرك بالعقل العملي ما يرتبط بحفظ النظام، كحسن العدل وقبح الظلم، . وهذا هو موضع البحث في كلام الشيخ الأعظم، بحسب ما يظهر من تقرير السيد الخوئيّ؛ فإذا كان مراده حكم العقل بالحسن والقبح، لم يرد عليه إشكال المحقّق النائينيّ.
فإن قيل: إنّ عبارة الشيخ الأعظم تحتمل كلا الشقّين، فمن أين نعيّن أنّ مراده الشقّ الثاني ؟
قلنا: إنّ الظاهر من كلامه في تنبيهات الاستصحاب أنّه ناظرٌ إلى إدراك العقل للحسن والقبح؛ كما أفاد السيد الخوئي نفسه وعلى هذا فلا يمكن الإجمال أو الإهمال في حكم العقل، ولا يتمّ إشكال المحقّق النائينيّ.
وبذلك يتّضح أنه لا إطلاق في كلام السيد الخوئيّ(قدس سرّه)؛ في المقام ، بل فصلّ في المسألة بحسب المراد من الحكم العقلي:
فإن كان المراد به إدراك العقل للملاك، فإشكال المحقّق النائينيّ على الشيخ الأعظم واردٌ ؛ إذ يمكن للعقل أن يدرك وجود الملاك في القدر المتيقّن، من دون أن يحرز أنّ القيود الزائدة دخيلةٌ فيه واقعاً. فإذا انتفت بعض تلك القيود، فلا يلزم انتفاء الملاك، لاحتمال بقائه، فيكون الحكم الشرعيّ المستكشف منه مورداً للشكّ والاستصحاب. وقد عبّر السيد الخوئيّ عن ذلك بقوله: "فما أورده المحقق النائيني عليه حق لا مجال لإنكاره؛ لإمكان أن يحكم العقل بوجود الملاك من باب القدر المتيقّن".
وإن كان المراد إدراك العقل للحسن والقبح، كما هو الظاهر من كلام الشيخ الأعظم في التنبيهات، فالحقّ مع الشيخ؛ لأنّ موضوع حكم العقل العمليّ بالحسن أو القبح لا يكون مهملاً أو مجملاً، فإن الحكم العقلي لا يصدر إلاّ بعد تشخيص ما له دخلٌ في الموضوع . وعليه، لا يرد إشكال المحقّق النائينيّ على هذا الشقّ.
والحاصل: فأنّ السيد الخوئيّ يسلّم بتماميّة إيراد المحقق النائينيّ على فرض ارادة إدراك العقل للملاك، من الحكم العقلي المستكشف منه الحكم الشرعي ولكنه يعدّ هذا الفرض نظريّاً ليس له مورد محرزاً ؛ وأمّا إذا كان مراد الشيخ من الحكم العقلي إدراك الحسن والقبح، فلا يتمّ الاشكال. وبذلك يتّجه رأي الشيخ الأعظم في المقدّمة الأولى، وهي أنّ موضوع حكم العقل بالحسن والقبح لا إجمال فيه هذا ما يتعلق بالمناقشة في المقدمة الاولى.
وأما المناقشة في المقدّمة الثانية، وفق ما أورده صاحب الكفاية (قدّس سرّه). فقد استعرضنا بالأمس كما ذكرنا عبارة السيد الخوئيّ الدالّة على أنّ هذا الإشكال "لا مدفع له"، وبنى على ذلك قوله بجريان الاستصحاب مطلقاً، سواء أكان المستصحب حكماً عقليّاً أم حكماً شرعيّاً.
وهذا الأمر يدعو إلى التوقّف والاستغراب.
ولبيان ذلك، لا بدّ من مراجعة كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) كما قرّبه السيد الخوئي (قدّس سرّه)، لنستبين كيف تلقّاه بالقبول.
قال السيد الخوئيّ، مقرباً لما أفاده صاحب الكفاية: ما نصه "وبعبارة أخرى، الملازمة بين الحكم الشرعيّ والحكم العقليّ إنّما هي بحسب مقام الإثبات دون مقام الثبوت؛ كما قرّرناه سابقاً؛ لأنّ العقل كاشف عن وجود الملاك للحكم الشرعيّ، وبعد انتفاء حكم العقل بانتفاء بعض القيود ترتفع كاشفيّة العقل، ويُحتمل بقاء الملاك الواقعيّ للحكم الشرعيّ"([7] ). فهذا هو حاصل ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه)؛ إذ ذكر الملاك ووسّع البحث فيه، وبيّن أنّه إذا ارتفع الحكم العقلي، أمكن بقاء الملاك الواقعي، وحينئذٍ يصحّ استصحاب الحكم الشرعي. وبناءً على ثبوت الملازمة وتبعية حكم الشارع لحكم العقل، فكأنّ لسان الحكم الشرعي: متى حكم العقل، تبعته. ومقتضى كلام صاحب الكفاية أنّه إذا لم يحكم العقل بالفعل، فلا يلزم انتفاء حكم الشارع؛ لإمكان بقاء الملاك الواقعيّ.
أمّا الشيخ الأعظم، فقد ذهب إلى أنّ الشارع لا يحكم أيضاً عند انتفاء حكم العقل؛ فإذا أدرك العقل حكماً معلّقاً على قيود، ثم ارتفع قيدٌ منها، ارتفع حكم العقل، ومعه يرتفع الحكم الشرعيّ التابع له قطعاً؛ إلا إذا فُرض وجود ملاكٍ آخر يحكم الشارع بمقتضاه استقلالاً.
والسؤال المهمّ هنا: كيف وافق السيد الخوئيّ كلام صاحب الكفاية وقال بأن أشكاله لا دافع له ، مع تصريحه بأنّ المراد من الحكم العقلي هو الملاك، في حين أنّه لم يقبل ذلك من الشيخ النائينيّ، وعدّ ذلك مجرد فرضاً علميّاً لا واقع له؟ والآن عندما نصل إلى بيان اشكال صاحب الكفاية، وهو يصرّح بأنّ المراد من الحكم العقلي هو الملاك؛ يوافق بالاشكال فكيف نتبع الآخرين ـ غير الشيخ الأعظم ـ ونحن أبناء الدليل؟ وبرهان الشيخ الأعظم هو عدم تطرّق الإجمال إلى حكم العقل بمعنى إدراك الحسن والقبح .
وقد وافقه السيد الخوئيّ في ذلك؛ لأنّ إدراك الحسن والقبح، لا إجمال فيه.
ثم بالانتقال الى البحث عن الحكم الشرعيّ، أورد صاحب الكفاية والسيد الخوئيّ كلاماً غير واضح. والشاهد على ذلك ما قرّره السيد الخوئيّ توضيحاً لكلام صاحب الكفاية؛ حيث أفاد: لأنّ الشرع قد حكم بأمور كثيرة لا يدرك العقل ملاكها أصلاً، كتقبيل الحجر الأسود، وحرمة الارتماس في شهر رمضان ـ بناءً على هذه الفتوى ـ وغيرها من التعبّديّات. فمن الممكن أن يرتفع حكم العقل مع بقاء الملاك؛ ودليله على ذلك أنّ الشارع حكم بأمور تعبّديّة كثيرة لا يدرك العقل ملاكاتها، فضلاً عن كثرة الروايات الواردة في أبواب العبادات والتعبّديّات.
ومضافاً إلى ذلك، أفاد صاحب الكفاية أنّه لو سلّمنا انتفاء الملاك الواقعيّ الذي أدركه العقل، لاحتمِل بقاء الحكم الشرعيّ لوجود ملاكٍ آخر للحكم نفسه. ومقتضى ذلك جريان الاستصحاب في الحكم الشرعيّ الشخصيّ نفسه، لا في الملاك؛ فلا يكون من قبيل استصحاب القسم الثالث، كي يرد عليه الإشكال. وقد تخلّص السيد الخوئيّ من هذا الإيراد بدعوى استصحاب الحكم لا الملاك، وإن لم نكن معنيّين بهذا التفصيل الآن.
والتحقيق في المقام أنّ هذا الإشكال لا يرد على الشيخ الأعظم، كما قرّرناه بالأمس. ومقتضى البحث العلميّ المحض أن نتساءل: ما وجه إدراك العقل في الحكم التعبّديّ؟ وهل يمكن إدراك العقل للأحكام التعبدية ؟ ثم أنّ هذا ليس هو محلّ النزاع؛ إذ مورد النزاع هو خصوص الحكم الشرعيّ المستند إلى حكم العقل والمأخوذ منه، لا الحكم الشرعيّ في التعبّديّات الصرفة ـ كتقبيل الحجر الأسود ـ حتّى يُدّعى احتمال إدراك الشارع ملاكاً آخر. فهما قسمان متقابلان: أحدهما حكمٌ تعبّديّ محض، والآخر حكمٌ شرعيّ مستكشف من الحكم العقلي وتابع له .
فإذا كان الشارع قد تبع الحكم العقليّ، كان المدرك هو الحسن والقبح العقليّان، كما بينّه السيد الخوئيّ في إشكاله على المحقّق النائينيّ. فكيف يتّجه قبول السيد الخوئي (قدّس سرّه) لما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في ردّ إشكال الشيخ الأعظم، مع أنّه لا يقبل حمل الحكم العقلي على إدراك العقل للملاك، بل يعترض على المحقّق النائيني (قدّس سرّه) بأنّ هذا الحمل ليس مراد الشيخ الأعظم؟ وحينئذٍ تختلّ وحدة الموضوع؛ إذ إمّا أن تكون المناقشة مبنيّةً على الملاك، فيرد ما ذكره صاحب الكفاية والمحقق النائيني من الإشكال، وإمّا أن تكون مبنيّةً على الحسن والقبح، فبناءً على ذلك، لا يرد إشكال المحقّق النائيني، ولا إشكال صاحب الكفاية؛ فإنّ الأخير بنى إشكاله على إرادة الملاك من الحكم العقلي.
فأيّ وحدة موضوعٍ هذه التي سوّغت للسيد الخوئيّ (قدّس سرّه) أن يعقّب بقوله: "وهذا الإشكال لا دافع له"؟ والنتيجة التي رتّبها هي جريان الاستصحاب مطلقاً. وبذلك لا يتّضح لنا وجه المقدّمة التي ساقها، ولا وجه النتيجة التي فرّعها عليها.
ولذلك يغلب على الظنّ أنّ في عبارة التقرير إبهاماً؛ إذ يصرّح صاحب الكفاية بأنّ المراد هو الملاك. ولو سلّمنا جدلاً بأنّ المراد هو الملاك، وبأنّ الإشكال لا مدفع له، لم يكن للتمثيل بالتعبّديات الصرفة محصّلٌ، بل لكان خروجاً عن محلّ النزاع؛ فإنّ البحث في الحكم الشرعي المستكشف والمأخوذ من الحكم العقلي والمستند إليه، لا في الحكم الشرعي التعبّدي المحض.
وقد صرّح الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بذلك مراراً في هذا المقام، حتى إنّه دفع إشكالاً مقدّراً، فبيّن أنّ بعض الموارد يثبت فيها حكمٌ شرعيّ يجري فيه الاستصحاب، وإن كان في مورده حكمٌ عقليّ، لكنّه غير مستندٍ إليه؛ أي إنّ الحكم الشرعيّ ثابتٌ بدليلٍ شرعيّ، بحيث لو التفت العقل لأدركه، غير أنّه لم يُستند إليه في ثبوته. فأفاد الشيخ أنّ العقل لا مدخليّة له هنا، وأنّ المدار على تشخيص الموضوع عرفاً.
والحاصل أنّ السيد الخوئيّ (قدّس سرّه) وافق صاحب الكفاية في هذا الموضع، وأصبح موقفه تجاه الشيخ النائينيّ متداعياً؛ فكأنّه يردّ كلامه من جهة، ويرتضيه من جهة أخرى. ثم أنّ قبول كلامه لا طائل تحته؛ لأنّ الشيخ الأعظم قد صرّح بمراده، من الحكم العقلي وهو صاحب المتن والأصل في هذه المسألة، وجميع الأعلام المتأخرين عنه إنّما هم تبعٌ له في هذا التفصيل؛ إذ نبّه إلى أنّ هذا التفصيل من ابتكاره، وأنّه لم يُسبق إليه أحدٌ، فيما يعلم. ومن ثمّ، فإنّ كلام السيد الخوئي (قدّس سرّه) في هذا الموضع غير واضح، ولعلّنا لم نقف على كُنْه مراده ودقيق مقصده كما ينبغي.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]