« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/24

بسم الله الرحمن الرحيم

التنبيه الثالث/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثالث

قد تقدّم أنّ السيد الشاهرودي (قدّس سرّه)، بعد بيان الجهة الثانية التي وافق فيها الشيخَ الأعظم (قدّس سرّه)، تعرّض لما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، وعبّر عنه بـ"الدعوى"؛ وهو تعبيرٌ يُشعر بعدم التسليم بما ذكر، وبأنّه موردٌ للنظر والمناقشة.

وحاصل دعوى الكفاية أنّ موضوع الحكم الشرعي قد يكون أوسع من موضوع الحكم العقلي؛ فمع أنّ الحكمين كانا ثابتين ابتداءً في موردٍ واحد، إلا أنه قد تزول بعض الخصوصيات التي يتوقّف عليها حكم العقل، مع بقاء الموضوع عرفاً. وحينئذٍ يمكن أن يُشكّ في بقاء الحكم الشرعي، فلا يكون زوال تلك الخصوصيات مانعاً من استصحاب الحكم الشرعي. وهذا هو المسلك الذي اختاره صاحب الكفاية، ومال إليه جماعةٌ من الأعلام.

وينبغي تحرير محلّ النزاع في المقام؛ فإنّ من يمنع جريان الاستصحاب بدعوى أنّ الحكم الشرعي يرتفع حتماً بارتفاع حكم العقل، لابد أن يُسأل: ما وجه الملازمة بين ارتفاع الحكم العقلي وارتفاع الحكم الشرعي، مع احتمال أن يكون موضوع الحكم الشرعي أوسع من موضوع الحكم العقلي؟

وقد بنى الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) على أنّ موضوع الحكم العقلي هو عين موضوع الحكم الشرعي ([1] )، ومن ثمّ يرى أنّ ارتفاع الموضوع الذي ينتفي به الحكم العقلي يقتضي انتفاء الحكم الشرعي أيضاً. والمفروض أنّ الكلام في الحكم الشرعي المنكشف بحكم العقل والمستند إليه؛ ولذلك يتوقّف تحرير النزاع على تحديد نسبة موضوع الحكم الشرعي إلى موضوع الحكم العقلي.

فصاحب الكفاية (قدّس سرّه) لا يرى امتناع كون موضوع الحكم الشرعي أوسع من موضوع الحكم العقلي؛ إذ قد يكون بعض ما له دخلٌ في حكم العقل غير مقوّمٍ للموضوع بنظر العرف. فإذا زالت تلك الخصوصية، مع بقاء الموضوع عرفاً، أمكن استصحاب الحكم الشرعي. وبذلك يتّضح موضع الخلاف بينه وبين ما يراه الشيخ الأعظم، الذي وافقه فيه السيد الشاهرودي (قدّس سرّه): فالشيخ يرى وحدة موضوع الحكمين، بينما يجوّز صاحب الكفاية اختلافهما سعةً وضيقاً.

وهنا ينبغي الالتفات إلى أمر مهم وهو المحافظة على وحدة الموضوع في النزاع ليكون النزاع نزاعا حقيقيا، وعليه فيتوقّف تحرير محلّ النزاع بين الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية ومن تابعه على التمييز بين أقسام ثلاثة من الحكم :

أولاً: الحكم الشرعي التعبّدي المحض، الذي يثبت بدليلٍ شرعي، ولا يُستكشف من حكم العقل. وهذا الحكم خارجٌ عن محلّ النزاع.

ثانياً: الحكم الشرعي الذي لا يستند في مقام إثباته إلى حكم العقل، وإن أمكن للعقل أن يدرك حكمًا في مورده ايضا ، أو أن يتوصّل إلى ما يرتبط به من ملاك. وهذا القسم خارجٌ عن البحث أيضًا؛ إذ ليس الكلام في مطلق الأحكام الشرعية، بل في الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي.

ثالثاً: الحكم العقلي الذي يُستكشف على طبقه حكمٌ شرعي بقاعدة الملازمة. وهذا هو محلّ الكلام: فهل يمكن استصحاب الحكم الشرعي بعد زوال الحكم العقلي، إذا شُكّ في بقاء موضوعه أو ملاكه؟

ذهب الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، وتبعه السيد الشاهرودي (قدّس سرّه)، إلى أنّ الحكم الشرعي المستكشف من حكم العقل يدور مدار ما أدركه العقل من موضوع ؛ فإذا زال ما أخذه العقل في موضوع حكمه، ارتفع حكم العقل، وارتفع معه الحكم الشرعي أيضا ولا يمكن إثبات الحكم الشرعي بمجرد الاستصحاب.

وأمّا صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، فيرى أنّ اتحاد الموضوع في القضيتين المتيقّنة والمشكوكة والذي هو شرط في جريان الاستصحاب يكفي فيه الاتحاد بنظر العرف؛ وعليه فقد تزول الخصوصيةٌ التي يراها العقل دخيلةً في موضوع حكمه، مع بقاء الموضوع عرفًا، فيصحّ استصحاب الحكم الشرعي لبقاء موضوعه .

وأما حديث الملازمة بين الحكمين فإنّما هي في مقام الإثبات والاستكشاف فقط، لا على نحوٍ يقتضي دوران الحكم الشرعي ثبوتًا مدار فعلية حكم العقل؛ فقد يبقى ملاك الحكم الشرعي واقعًا، وإن لم يدركه العقل بعد زوال تلك الخصوصية، والشاهد على إمكان بقاء الحكم الشرعي مع ارتفاع الحكم العقلي وجودُ أحكامٍ شرعية كثيرة لا سبيل للعقل إلى إدراكها؛ فإذا أمكن ثبوت الحكم الشرعي في موارد لا يدرك العقل حكمها، لم يمتنع أن يبقى الحكم الشرعي بعد ارتفاع حكم العقل. هذا

ولكن يمكن أن يقال : إنّ ما أفاده في الكفاية خروجٌ عن محلّ النزاع؛ إذ لا يصحّ الاستشهاد ببقاء الحكم الشرعي التعبّدي على بقاء الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي والتابعٍ له. والمتأمّل في كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) يلاحظ أنّ محلّ بحثه هو الحكم الشرعي المعتمد على الحكم العقلي والمستكشف منه، لا مطلق الحكم الشرعي.

وإذا سلّمنا بأنّ العقل لا يدرك كلّ حكم، فلا يلزم من ذلك أن يكون له حكمٌ في كلّ موردٍ لا يدركه. وذلك لأن العقل إما أن يستقلّ بالحكم بعد إحراز موضوع وكل وما له الدخلٌ في حكمه، وإمّا ألّا يستقلّ به لعدم إحراز الموضوع . وفي موارد الأحكام التعبّدية المحضة، يعترف العقل بقصوره، وكأنّ لسان حاله: [ إنّي لا أدرك ملاك هذا الحكم ولا ما يعيّن حدوده ]. ومن امثلة ذلك تحديد عدد أشواط الطواف؛ فالعقل لا يستقلّ بتعيينها: أهي سبعةٌ أم ثمانيةٌ أم عشرة، وإنّما يُعرف العدد المعتبر من الدليل الشرعي. فليس في هذا المورد حكمٌ عقليّ ارتفع حتى يُبحث عن بقاء الحكم الشرعي التابع له.

وأمّا يستقلّ به العقل من الأحكام ، فإنه لا يحكم إلا بعد إحراز الموضوع وقيوده الدخيلة فيه كما تقدم من الشيخ الأعظم . فإذا ارتفع قيدٌ دخيلٌ في الموضوع، ارتفع حكم العقل، وارتفع الحكم الشرعي المستكشف منه تبعاً له؛ فلا يبقى ـ على هذا المبنى ـ شكٌّ في بقاء الحكم الشرعي حتى يُستصحب. ومن أمثلته حكم العقل بحسن ردّ الوديعة وقبح خيانتها، وما يُستكشف على طبقه من حكمٍ شرعي بمقتضى قاعدة الملازمة.

ولذلك فلابد من التمييز بين الأقسام الثلاثة المتقدمة بل الأربعة في محل البحث

أولها: الحكم الشرعي التعبّدي المحض، والذي لا يستقلّ العقل بإدراكه ، بل يثبت بدليل الشارع.

ثانياً: الحكم الشرعي الذي لا يستند إثباته إلى حكم العقل بقاعدة الملازمة، وإن أمكن للعقل إدراك بعض ما يرتبط بمورده. وهذان القسمان خارجان عن محلّ الكلام .

ثالثاً: الحكم العقلي الذي يُستكشف على طبقه حكمٌ شرعي بقاعدة الملازمة. وهذا هو القسم الذي ينحصر فيه محلّ النزاع.

رابعاً: الحكم العقلي الذي لا يستتبع حكماً شرعياً فرعيا أو عمليا اصلا ، كالأحكام العقلية النظرية أو الاعتقادية؛ وهذا القسم خارجٌ عن محل البحث في المقام أيضا .

وبما أنّ البحث منحصرٌ في الحكم الشرعي التابع للحكم العقلي، فلا يصحّ مقايسة مورد البحث وهو الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي والتابع له بما يثبت في الأحكام التعبّدية المحضة فلابد في إثبات سعة موضوع الحكم الشرعي التابع للحكم العقلي واختلافه مع موضوع الحكم العقلي من إقامة الدليل على ذلك ولا يكفي الاستشهاد على ذلك بإمكان ذلك في الاحكام الشرعية التعبدية المحضة . فلكلٍّ من الموردين ضوابطه، ولا يكفي ثبوت الحكمٍ الشرعي في موردٍ لا يدرك العقل ملاكه لإثبات بقاء الحكم الشرعي المستند إلى حكم العقل بعد ارتفاع ذلك الحكم.هذا

وقد أفاد السيد الشاهرودي (قدّس سرّه) كلاماً في المقام (لعله مما له الصلة بما نحن بصدده) وهو في مقام الايرادٌ على ما ذكره في الكفاية من دعوى. فقال (قدس سره) ( إلا أن هذه الدعوى لا ترجع إلى محصل بل هي صورة محضة)

بيان ذلك : أنّ صاحب الكفاية أحال تشخيص بقاء الموضوع إلى نظر العرف؛ فمتى رأى العرف أنّ الموضوع باقٍ بعد طروء التغيير، ولو بملاحظة مناسبة الحكم والموضوع، أمكن إجراء الاستصحاب. وبذلك يلتزم صاحب الكفاية ببقاء الموضوع عرفاً، وإن زالت بعض الخصوصيات التي يحتمل دخلها في الحكم.

وذلك: لأنّ مفاد دليل الاستصحاب كما في قوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ". كون المدار في صدق النقض على ما يراه العرف نقضاً فإنه الخطاب موجه للعرف . وليس الميزان هو العقل والدقّة العقلية فإنه يحكم بتعدّد الموضوع لمجرّد زوال قيدٍ أو وصف، بينما يرى العرف أنّ الموضوع بعد طروء التغيير هو بعينه الموضوع السابق؛ كما لو كان زيدٌ لا يركض ثمّ ركض، فإنّه الشخص نفسه عرفاً، وإن شككنا في بقاء عدالته. فبملاحظة لسان دليل الاستصحاب ومناسبة الحكم والموضوع، يُدّعى أنّ المدار في وحدة الموضوع على النظر العرفي. وهذا هو حاصل تقريب ما أفاده صاحب الكفاية، ثم صرّح بأنّ جريان الاستصحاب على هذا لا يختلف بين كون دليل الحكم نقلياً أو عقلياً .

واما السيد الشاهرودي (قدّس سرّه) فانه يرى أنّ الأمر فيما ذكره في الكفاية لا يخلو من أحد شقّين:

الشقّ الأول:أن يدرك العرف بقاء الموضوع ووحدته بعد التغيير. وحينئذٍ، إذا كان الدليل المثبت للحكم شاملاً للحالة اللاحقة، كان المورد داخلاً تحت إطلاق ذلك الدليل، وليس مورداً للاستصحاب؛ ولذا قال (قدّس سرّه): "داخلاً تحت إطلاق الدليل، ولا مجال للاستصحاب حينئذٍ أصلاً".

ولا يخفى أن المراد بالدليل هنا الدليل المثبت للحكم الأولي، لا دليل الاستصحاب؛ فإنّ إحراز بقاء الموضوع مع شمول الدليل للحالة اللاحقة يرفع الشكّ في الحكم، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب. هذا فيما إذا توفر دليل لفظي للحكم الشرعي

وأمّا إذا لم يكن في المورد دليلٌ لفظي، كما هو محل البحث ، فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق ولا معنى للتمسك بإطلاق دليل لفظي غير موجود ؛ فلا بدّ من بيان وجهٍ آخر ، وإلا فلا يكفي مجرّد إحراز الوحدة العرفية لإثبات شمول دليلٍ غير متوفّر.

الشقّ الثاني: ألّا يحرز العرف بقاء الموضوع بعد التغيير. وحينئذٍ لا يحرز شمول الدليل للموضوع في حالته اللاحقة، كما لا يتمّ الاستصحاب مع عدم إحراز بقاء موضوعه؛ ولذا قال (قدّس سرّه): "وحينئذٍ لا مجال للإطلاق لعدم إحراز موضوعه، كما لا مجال للاستصحاب؛ لانتفاء ركنه المقوّم، وهو إحراز بقاء الموضوع؛ إذ الاستصحاب مع الشكّ في بقاء الموضوع لا مسرح له في الأصول أصلاً".

والنكتة فيما أفاده أنّه إذا كان الشكّ في أنّ التغيير الطارئ قد أوجب زوال الموضوع أو لم يوجبه، أمكن ـ على مبنى كفاية الوحدة العرفية ـ إحراز بقائه عرفاً. أمّا إذا كان الشكّ في أصل تعيين الموضوع أو في سعته، بحيث لا يُحرز أنّ الموضوع السابق باقٍ أو أنّه قد زال، فلا يثبت بقاء الموضوع بمجرد الاستصحاب. وما اراده هنا يشبه قضية الشكّ في المقتضي. ([2] )ولتوضيح المبحث أكثر :نقول ما هو السبب الذي ألجأ الأعلام إلى اعتبار وحدة الموضوع بالنظر العرفي دون النظر العقلي الدقيق؟ ذلك أنّه لو كان المدار على وحدة الموضوع بالدقّة العقلية، لانسدّ باب الاستصحاب في كثيرٍ من الموارد؛ لأنّ زوال بعض الخصوصيات يوجب، بحسب التحليل العقلي، اختلاف الموضوع المتيقّن عن الموضوع المشكوك فيه قطعا . ومن هنا قيل بأنّ المدار في إحراز وحدة الموضوع هو النظر العرفي؛ فإن العرف يرى أنّ الذات واحدة، وأنّ الخصوصية الزائلة من حالات الموضوع لا من مقوّماته، فيصحّ استصحاب الحكم عند الشكّ في بقائه.

إلى هنا تبيّن ما ذهب إليه صاحب الكفاية وغيره. وقد ردّ السيد الشاهرودي (قدّس سرّه) ما ذكره صاحب الكفاية، ولم يرتضِه : بما حاصله: أنّه إذا أدرك العرف بقاء الموضوع، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب، بل يُرجع إلى إطلاق الدليل. وإذا لم يدرك بقاء الموضوع فلا يشمله الإطلاق ولا يجري فيه الاستصحاب لنهدام احد ركنية وهو بقاء الموضوع.

ثم أن محلّ الكلام هو الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي، ولا يوجد دليل لفظي في هذا المورد كي يُتمسّك بإطلاقه. وعليه، فلو أُحيل تشخيص الموضوع إلى العرف، فهل يدرك العرف بقاء موضوع الحكم العقلي أم لا؟

والحاصل، بحسب هذا الإشكال، أنّ العرف لا يحرز موضوع الحكم العقلي بما هو حكمٌ عقليّ، ولا يحيط بما له دخلٌ في حكم العقل. فإن أُحرز بقاء الموضوع بدليلٍ شاملٍ للحالة اللاحقة، كان المرجع ذلك الدليل ولم تصل النوبة إلى الاستصحاب؛ وإن لم يُحرز بقاء الموضوع، لم يبقى مجالٌ للتمسّك بالإطلاق، كما لا يصحّ الاستصحاب مع عدم إحراز بقاء موضوعه. ومن هنا تُطرح المناقشة في دعوى صاحب الكفاية أنّ موضوع الحكم الشرعي أوسع من موضوع الحكم العقلي؛ إذ لا يتّضح، على هذا الإشكال، ما يحرز به هذا الاتّساع.

فالمختار في ما أفاده السيد الشاهرودي هو أنّه لا مسرح لإحالة تشخيص موضوع الحكم العقلي إلى العرف.

واما دعوى أنّه لولا الرجوع إلى العرف لانسدّ باب الاستصحاب.

فيدفعها السيد الشاهرودي بأنّ الشكّ في بقاء الحكم لا ينحصر في الشكّ في بقاء الموضوع؛ فقد ينشأ من الشكّ في وجود الرافع، أو من الشكّ في رافعيّة الموجود. ففي الصورة الأولى، يشكّ في حدوث الرافع، كما لو تيقّن المكلّف بالطهارة ثم شكّ في طروء الحدث؛ فيستصحب بقاء الطهارة، أو يُحرز عدم حدوث الحدث بالاستصحاب. وفي الصورة الثانية، يُحرز وجود شيءٍ، لكن يُشكّ في كونه رافعاً، كما لو تيقّن بالطهارة وشكّ في ناقضيّة الموجود؛ فيُبحث عن جريان الاستصحاب في هذه الصورة على المبنى المختار. فليس جريان الاستصحاب منحصراً في إحراز بقاء الموضوع بنظر العرف، ولا يلزم من عدم الرجوع إلى العرف انسداد بابه مطلقاً.

وهذا الإيراد، وإن كان متيناً ورصيناً في مسلكه العلمي، تَرِد عليه مشكلةُ الأصل المثبت.

وتوضيح ذلك: أنّه لو شككنا في طروء الحدث، وأجرينا أصالة عدم حدوثه، فإنّ استصحاب عدم الحدث لا يثبت، بنفسه، كون المكلّف متطهّراً أو متوضّئاً إلا على القول بحجية الأصل المثبت؛ لأنّ إثبات الطهارة باستصحاب عدم الحدث يتوقّف ـ بحسب هذا التقريب ـ على إثبات لازمه. ومن ثمّ يمكن أن يَرِد هذا الإشكال على ما قرّره (قدّس سرّه)، بناءً على مبناه الآتي في الأصول المثبتة.

والتحقيق في الجواب عن دعوى صاحب الكفاية، يبتني على جهةٍ أخرى، وهي أنّ الحكم الشرعي محلّ البحث ليس حكماً شرعياً مستقلاً عن الحكم العقلي، بل هو حكمٌ مستكشف من حكم العقل وتابعٌ له.

فالشيخ الأعظم (قدّس سرّه) يرى أنّ الحكم الشرعي المستند إلى حكم العقل يدور مدار موضوعه وملاكه حدوثاً وبقاءً؛ فإذا ارتفع حكم العقل بارتفاع ما له دخلٌ فيه، ارتفع الحكم الشرعي المستكشف منه.

وأمّا صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، فيرى أنّ الملازمة بين الحكمين إنّما هي في مقام الإثبات والاستكشاف، ولا يلزم منها دوران الحكم الشرعي واقعاً مدار فعلية حكم العقل؛ فقد يرتفع حكم العقل مع احتمال بقاء الملاك الواقعي للحكم الشرعي، أو ثبوت ملاكٍ آخر لم يدركه العقل.

وعليه، فالأدقّ أن يقال: إنّ صاحب الكفاية لا يرى ارتفاع الحكم العقلي مستلزماً بالضرورة لارتفاع الحكم الشرعي في مقام الثبوت، لا أنّ حكم العقل علةٌ للحكم الشرعي في الحدوث دون البقاء. وهذا هو الوجه الذي يصحّح به احتمال بقاء الحكم الشرعي عنده مع ارتفاع حكم العقل.

ولكن الإنصاف يقتضي أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في هذا المقام يحتاج إلى مزيد بيانٍ وتحرير، وسيأتي التعرّض لتفصيله عند البحث في كلام السيد الخوئي (قدّس سرّه) في المقام .

ويتلخّص ما أفاده السيد الشاهرودي في كتاب مناهج الأصول في موافقة الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، ومخالفة مسلك صاحب الكفاية؛ إذ عرض جهات البحث، وذكر إشكالي المحقق النائيني، ثمّ أورد إشكالي صاحب الكفاية، وانتهى إلى اختيار ما يوافق مبنى الشيخ الأعظم. والمسألة دقيقة، تبقى جهاتها قابلةً للأخذ والردّ والتحقيق.

إذا أردنا تحرير المسألة، اتّجه النظر إلى ما أفاده السيد الخوئي (قدّس سرّه) في مصباح الأصول؛ إذ تصدّى لتقرير كلام الشيخ الأعظم الأنصاري (رضوان الله تعالى عليه)، ولخّص مدّعاه في مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: أنّ الإهمال في حكم العقل لا يتصوّر. قال (قدّس سرّه): "أنّ الإهمال في حكم العقل لا يتصوّر" ([3] )وهذا مبنى تقرير الشيخ؛ فإنّ العقل لا يحكم على الموضوعٍ المهمل، بل لا بدّ في حكمه من إحراز الموضوع وقيوده التي لها دخلٌ في الحكم. فإذا انتفى قيدٌ أُخذ في موضوع الحكم العقلي، ارتفع حكم العقل بذلك الموضوع يقيناً، ولم يبقَ شكٌّ في حكمه حتى يجري استصحابه.

المقدّمة الثانية: "أنّ حكم الشارع تابعٌ لحكم له، وينتفي بانتفائه. "([4] ). وبناءً على ذلك، يرى الشيخ الأعظم أنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي يدور مدار الحكم العقلي ثبوتاً وانتفاءً؛ فمتى ارتفع الحكم العقلي ارتفع الحكم الشرعي المستكشف منه، ولا يبقى شكٌّ في بقائه. وهاتان هما المقدّمتان اللتان لخّص السيد الخوئي ابتناءَ إنكار الشيخ جريان الاستصحاب في الحكم الثابت بالدليل العقلي عليهما.

ثمّ استعرض السيد الخوئي (قدّس سرّه) إشكال المحقق النائيني، كما استعرض إشكال صاحب الكفاية. ومع أنّه قدّم إشكال النائيني في ترتيب البحث، نؤخّره هنا لنقدّم إشكال صاحب الكفاية.

وتحرير إشكال صاحب الكفاية على الشيخ:

أنّ ارتفاع حكم العقل لا يستلزم بالضرورة ارتفاع الحكم الشرعي؛ لأنّ الملازمة بين الحكمين، على مبناه، إنّما تكون في مقام الإثبات والاستكشاف، لا في مقام الثبوت والواقع. وقد سلك في بيان ذلك مسلك "إن قلت، قلت"، فقال:"إن قلت: كيف هذا؟ مع الملازمة بين الحكمين؟

قلت: ذلك لأنّ الملازمة إنّما تكون في مقام الإثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت، فعدم استقلال العقل إلا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في غير تلك الحال، وذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم العقل كان على حاله في كلتا الحالتين، وإن لم يدركه إلا في إحداهما؛ لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه، أو احتمال أن يكون معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلاً، وإن كان لها دخل فيما اطلع عليه من الملاك"([5] ).ومحصّل كلامه، أنّه يفرّق بين ما يدركه العقل من الملاك في حالٍ معيّنة، وبين الملاك الواقعي الذي يدور الحكم الشرعي مداره. وهو يذكر احتمالين:

أولاً: أن لا تكون الحالة الزائلة دخيلةً في الملاك الواقعي؛ فمع أنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلا مع وجود تلك الحالة، يُحتمل أن يكون الملاك باقياً حتى بعد زوالها؛ لاحتمال عدم دخل الحالة فيه واقعاً.

ثانياً: أن تكون الحالة دخيلةً في الملاك الذي اطّلع عليه العقل، مع احتمال وجود ملاكٍ آخر لا دخل لتلك الحالة فيه أصلاً. فعلى هذا الاحتمال، قد يزول الملاك الذي أدركه العقل بزوال الحالة، ويبقى الحكم الشرعي لاحتمال قيامه على الملاك الآخر.

وعليه، فليس مراد صاحب الكفاية أنّ العقل يحرز تمام الملاك الواقعي، أو أنّه يقطع بدخالة كلّ قيدٍ في ذلك الملاك؛ بل إنّ استقلاله بالحكم في حالٍ خاصّة لا يكشف وحده عن أنّ تلك الحالة دخيلةٌ في الملاك الواقعي للحكم الشرعي، ولا عن انتفاء ملاكٍ آخر بزوالها. ومن هذين الاحتمالين يقرّر صاحب الكفاية أنّ ارتفاع حكم العقل لا يستلزم ارتفاع الحكم الشرعي في مقام الثبوت.

والشيخ الأعظم، في بيان هذا الوجه، لم يجعل احتمال الملاك محور استدلاله كما صنع صاحب الكفاية؛ بل ركّز على أنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوع حكمه وقيوده، وأنّ الحكم الشرعي المستكشف منه تابعٌ له.

أمّا صاحب الكفاية فمحور جوابه هو احتمال اختلاف ما أدركه العقل من الملاك عن الملاك الواقعي الذي يتبعه الحكم الشرعي.

وهذه النكتة ينبغي ضبطها واستحضارها تمهيداً لبحث جواب السيد الخوئي عن إشكال المحقق النائيني، وما يترتّب عليه من فروقٍ دقيقة.

 

وللكلام تتمة…

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - فرائد الأصول، ج3، ص39.
[2] - والمراد بالشكّ في المقتضي: الشكّ في بقاء الشيء لأجل الشكّ في مدى استعداده وقابليته للبقاء في ذاته، مع قطع النظر عن طروء رافع خارجي يزيله.
[3] - مصباح الأصول، ج٣، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ص٣٣.
[4] - المصدر السابق.
[5] - كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص٣٨٦.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo