« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/17

بسم الله الرحمن الرحيم

التنيه الثالث/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنيه الثالث

تقدّم أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لم يقبل بجريان الاستصحاب في الحكم العقلي ولا في الحكم الشرعي المستند إليه، ومنعه منعاً باتّاً، وقد خالفه في ذلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، وناقش ما أفاده في وجه المنع

وحاصل مناقشته: أنّه وإن سُلِّمت الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي في جانب الإثبات، بمعنى أنّه متى ما استقلّ العقل بحكمٍ، ثبت الحكم الشرعي على طبقه بمقتضى قاعدة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع"، إلا أنه لا ملازمة في جانب الانتفاء ؛ بمعنى أنّه لا يصحّ أن يقال: "كلّ ما لم يحكم به العقل لم يحكم به الشرع".

وذلك لأنّ عدم حكم العقل في موردٍ قد يكون ناشئاً من عدم إحاطته بالملاك الواقعي أو عدم إدراكه له، ولا يستلزم ذلك انتفاء الحكم الشرعي واقعاً؛ إذ قد يكون هناك ملاكٌ يدركه الشارع ويترتّب عليه حكم شرعي، مع عدم استقلال العقل بإدراكه.

وعليه، فانتفاء الحكم العقلي، أو عدم استقلال العقل بالحكم بعد تغيّر بعض الخصوصيات التي كانت مأخوذة في موضوع حكمه، لا يلازم انتفاء الحكم الشرعي؛ ومن ثَمَّ يمكن الشك في بقاء الحكم الشرعي بعد ارتفاع الحكم العقلي، فيتّجه البحث عن جريان الاستصحاب فيه.

وأمّا المحقق النائيني (قدّس سرّه)، فقد تعرّض لهذا المطلب في موضعين من مباحث الاستصحاب.

الموضع الأول: في مقام بيان أقسام المستصحب بلحاظ الدليل الدالّ عليه، وما إذا كان الدليل المثبت للحكم شرعياً أو عقلياً، وذلك في ضمن التقسيمات التي عقدها قبل الدخول في أدلّة حجّية الاستصحاب.

الموضع الثاني: في تنبيهات الاستصحاب، حيث أعاد المطلب نفسه وتعرّض لحكم الاستصحاب فيما إذا كان المستصحب حكماً عقلياً، أو حكماً شرعياً مستنداً إلى حكم العقل.

ولم يتّضح وجهٌ جليّ لتكرار هذا المطلب في الموضعين؛ فإنّ المتتبّع لكلامه (قدّس سرّه) يجد أنّ المضمون في كليهما واحدٌ في جوهره، وإن اختلفت بعض العبارات، أو اشتمل أحد الموضعين على بعض الإضافات والتفصيلات، إلا أنّ ذلك لا يغيّر من حقيقة المطلب ولا من أصل المبنى الذي أفاده في المقام.

ومما ينبغي الالتفات إليه إنّ أصل هذا المطلب ـ أعني البحث عن جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و الحكم الشرعي المستند اليه ـ ليس ممّا ابتدأ به المحقق النائيني، بل قد تقدّم طرحه عند الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، حيث ذهب إلى المنع من جريان الاستصحاب في هذا المورد.

وليس غرضنا هنا تتبّع المنشأ التاريخي لهذا المبنى، وإنّما الكلام في خصوص ما تبنّاه المحقق النائيني (قدّس سرّه)؛ فإنّه وإن وافق الشيخ الأعظم(قدس سره) في المنع عن جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي ، غير انه قرّب المنع ببيانٍ خاصّ، ثم أنّ موافقته للشيخ الأعظم ليست مطلقةً وفي جميع الجهات؛ إذ خالفه في بعض ما يرتبط بهذا البحث، كما سيتّضح ذلك.

قال المحقق النائيني (قدّس سرّه) ، بعد أن جعل البحث عن جريان الاستصحاب في المستقلات العقلية يقع في مقامات ثلاثة ، ما نصّه: "الأول: في استصحاب نفس الحسن والقبح العقلي عند الشك في بقائه لأجل حصول الغاية أو وجود الرافع."إلى أن قال " اما المقام الأول : فلا أثر للبحث عنه"([1] ).

ويستفاد من ظاهر هذا الكلام أنّ المحقق النائيني لم يجعل المانع من جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي هوامتناعَ عروض الشك بالحكم العقلي في حدّ ذاته، بل فرض إمكان الشك فيه ، ثم منع من جريان الاستصحاب فيه من جهة أخرى، وهي عدم ترتّب الأثر عليه.

ومنشأ هذا الاستظهار أنّ التعليل بوجود المانع إنّما يكون له موقع بعد الفراغ عن وجود المقتضي؛ إذ لا يحسن عرفاً وعقلاً تعليل عدم وقوع الأثر بوجود المانع مع انتفاء المقتضي من أساسه.

فلو قيل: لِمَ لا يمسّ المحدث كتابة القرآن؟ فقيل: لوجود الحدث، كان معنى ذلك فرض وجود ما يقتضي جواز المسّ لولا الحدث، ثم يكون الحدث مانعاً منه. وأوضح من ذلك ما لو قيل: لِمَ لا تحترق هذه الخشبة؟ فقيل: لرطوبتها؛ فإنّ صحة هذا التعليل فرع وجود المقتضي للاحتراق، كقابلية الخشبة للإحتراق مثلا أو اتصلها بالنار ، ثم تكون الرطوبة مانعةً من تأثير ذلك المقتضي. وأما إذا لم تكن هناك نار أصلاً، فلا يحسن تعليل عدم احتراقها بالرطوبة.

وكذلك لو قيل: لِمَ لا يغرق زيد؟ فأجيب: لأنّه يُحسن السباحة، فإنّ هذا الجواب إنّما يستقيم مع فرض وجوده في الماء وتحقّق مقتضي الغرق، فتكون معرفته بالسباحة مانعةً من تحقّقه. وأما إذا كان يسير في الصحراء، فلا معنى لتعليل عدم غرقه بإتقانه السباحة؛ لانتفاء مقتضي الغرق من أصله.

وعلى هذا الأساس، يمكن استظهار أنّ تعليل المحقق النائيني عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بـعدم ترتّب الأثر عليه يكشف عن فرضه إمكانَ تحقّق الشك في بقاء ذلك الحكم؛ إذ لو كان عروض الشك على الحكم العقلي ممتنعاً في نفسه، لانتفى موضوع الاستصحاب من أساسه، ولم تصل النوبة إلى البحث عن ترتّب الأثر عليه أو عدم ترتّبه.

فمقتضى ظاهر كلامه أنّ المقتضي لجريان الاستصحاب ـ من هذه الجهة ـ مفروض، إلا أنّ الإشكال عنده يقع في الأثر المترتّب على التعبّد ببقاء الحكم العقلي.

وقد يقال: إنّ لاستصحاب الحكم العقلي أثراً شرعياً، فلا يصحّ المنع منه بدعوى عدم الأثر؛ وذلك بأن نستصحب بقاء الحسن أو القبح العقلي، ثم نثبت بواسطة قاعدة الملازمة الحكمَ الشرعي المناسب له من الوجوب أو الحرمة.

فإذا كان العقل قد أدرك قبح فعلٍ في الحالة السابقة، ثم شُكّ في بقاء قبحه بسبب احتمال حصول غايته أو وجود رافع، أمكن ـ بحسب هذا التقريب ـ استصحاب بقاء القبح العقلي، ثم إثبات الحرمة الشرعية على أساس الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

وبعبارة أخرى: العقل يدرك الحسن والقبح، والشارع يحكم ـ على طبق قاعدة الملازمة ـ بما يناسب ذلك من الوجوب والحرمة؛ فإذا ثبت بالتعبّد الاستصحابي بقاء الحكم العقلي، أمكن أن يقال بثبوت الحكم الشرعي الملازم له.

إلا أنّ المحقق النائيني (قدّس سرّه) منع من هذا التقريب، وصرّح بقوله: "إذ لا يترتّب على استصحاب الحسن والقبح العقلي أثرٌ، إلا إذا أريد من استصحابه إثبات الحكم الشرعي: من الوجوب أو الحرمة، ولا يمكن إثبات ذلك إلا على القول بحجّية الأصل المثبت".

ثم بيّن وجه ذلك بقوله: "فإنّ جريان الأصل في أحد المتلازمين لإثبات اللازم الآخر يكون من أوضح مصاديق الأصل المثبت". المصدر السابق

وحاصل مراده: أنّ الحكم الشرعي ليس أثراً شرعياً مترتّباً على الحكم العقلي بنحو السببية الشرعية، حتى يكون التعبّد ببقاء الحكم العقلي تعبّداً بأثره الشرعي، وإنّما الحكم العقلي والحكم الشرعي ـ بناءً على الملازمة ـ متلازمان. ومن المقرّر في باب الأصول العملية أنّ التعبّد بأحد المتلازمين لا يثبت الملازم الآخر، إلا بناءً على حجّية الأصل المثبت.

فاستصحاب القبح العقلي، مثلاً، غايته التعبّد ببقاء ذلك القبح، وأما الانتقال منه إلى إثبات الحرمة الشرعية بواسطة الملازمة، فهو إثبات لملازم المستصحب، لا لأثره الشرعي المباشر؛ ومن ثَمَّ يكون من الأصل المثبت.

وعليه، يتحصّل من كلام المحقق النائيني أمران:

الأول: أنّ ظاهر كلامه يفترض إمكان عروض الشك في بقاء الحكم العقلي، كما إذا كان الشك ناشئاً من احتمال حصول الغاية أو وجود الرافع.

الثاني: أنّ استصحاب الحكم العقلي لا يترتّب عليه أثر شرعي ليبحث عن جريانه؛ وأما ما قد يُتوهّم من إمكان إثبات الوجوب أو الحرمة الشرعية بواسطة قاعدة الملازمة، فهو غير تام عنده؛ لأنّه من إثبات أحد المتلازمين باستصحاب الآخر، فيكون من أوضح مصاديق الأصل المثبت([2] ). فالمشكلة عند المحقق النائيني في هذا المورد ـ بحسب ظاهر هذا البيان ـ ليست في أصل تصوّر الشك في الحكم العقلي، وإنما في فقدان الأثر الشرعي المباشر للاستصحاب؛ وأما الحكم الشرعي الملازم فلا يمكن إثباته بهذا الاستصحاب إلا على القول بحجّية الأصل المثبت.

ويمكن توضيح ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) في المقام بمثالٍ آخر، وهو: أنّه لو ثبت بالوجدان أو بالتعبّد الاستصحابي كون شيءٍ أبيض، كالورقة البيضاء، كان عدم سوادها لازماً عقلياً لبياضها؛ فإذا شُكّ في بقاء بياضها واستُصحب، فإنّ هذا الاستصحاب وإن كان يثبت بقاء البياض تعبّداً، إلا أنّه لا يثبت عدم السواد بما هو لازمٌ عقلي لذلك البياض؛ لأنّ الأصول العملية لا تثبت الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمؤدّياتها، وإثباتها بها من الأصل المثبت.

ومن هنا أراد المحقق النائيني أن ينبّه إلى نكتةٍ دقيقة ترتبط بتطبيق قاعدة الملازمة المعروفة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع" في المقام.

فإن قيل: ما هو الدليل على أصل هذه الملازمة؟

قلنا: إنّ تحقيق ذلك موكول إلى محلّه من البحث، والمفروض في المقام البناء على ثبوت الملازمة، وأنّ الانتقال من حكم العقل إلى حكم الشرع انتقالٌ بواسطة قضية عقلية.

وعلى هذا، لو فرضنا ـ بناءً على إمكان عروض الشك على الحكم العقلي ـ أنّ العقل كان يدرك حسن الكذب فيما إذا توقّف عليه إنجاء نفسٍ محترمة أو حفظ مالٍ كثير، ثم تبدّلت بعض الخصوصيات، فلم يعد المورد مورداً لإنجاء النفس أو حفظ المال الكثير، بل كان المتوقّف على الكذب حفظَ مالٍ قليل، وشُكّ في بقاء الحسن العقلي في هذه الحالة، أمكن تصوير استصحاب ذلك الحسن في نفسه.

إلا أنّ الكلام يقع حينئذٍ في الأثر الشرعي المترتّب على هذا الاستصحاب؛ إذ لا يكفي في جريان الأصل مجرّد فرض الشك في الحكم مع بقاء الموضوع، بل لا بدّ من ترتّب أثرٍ عملي مصحّح للتعبّد الاستصحابي.

وقد يقال: إنّ الأثر موجود؛ لأننا إذا أثبتنا بالاستصحاب بقاء الحسن العقلي، أمكن إثبات الحكم الشرعي المناسب له بواسطة قاعدة الملازمة؛ فكما أنّ إدراك العقل للقبح يكون منشأً لاستكشاف الحرمة الشرعية، يكون إدراكه للحسن منشأً لاستكشاف الحكم الشرعي المناسب له. وعلى هذا يكون الغرض من استصحاب الحكم العقلي إثبات الحكم الشرعي الملازم له.

إلا أنّ المحقق النائيني (قدّس سرّه) يمنع من ذلك؛ لأنّ الانتقال من الحكم العقلي المستصحب إلى الحكم الشرعي إنّما يتمّ بواسطة الملازمة العقلية، فيكون إثبات الحكم الشرعي باستصحاب الحكم العقلي من باب استصحاب أحد الملازمين لإثبات اللازم الآخر، وهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت.

فكما أنّ استصحاب بياض الورقة لا يثبت به عدم سوادها تعبّداً لمجرد الملازمة العقلية بين البياض وعدم السواد، كذلك استصحاب الحسن أو القبح العقلي لا يثبت به الحكم الشرعي الملازم له؛ لأنّ هذا الحكم العقلي ليس أثراً شرعياً مباشراً للمستصحب، وإنما يراد إثباته بتوسّط الملازمة العقلية.

والحاصل: أنّ المحقق النائيني (قدّس سرّه) لم يجعل المحذور في هذا الشق من البحث امتناع تصوّر الشك في الحكم العقلي، بل فرض إمكان الشك في بقائه، وإنما منع من جريان الاستصحاب فيه من جهة عدم ترتّب الأثر الشرعي المصحّح للتعبّد به. وأما محاولة تصحيح جريانه بقصد إثبات الحكم الشرعي الملازم له، فقد منع منها لكونها من الأصل المثبت.

وهذا التقريب ـ أعني إرجاع الإشكال إلى الأصل المثبت ـ ممّا ورد في تقريرات أبحاث المحقق النائيني، سواء في التقارير المتقدمة أو في تقرير الشيخ حسين الحلي لأبحاثه الأصولية([3] ).

وبذلك يتّضح موقف المحقق النائيني في الشق الأول، أعني استصحاب نفس الحكم العقلي، وأنّ طريقته في معالجة هذا الشق تختلف عن الطريق الذي سلكه الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية (قدّس سرّهما)؛ إذ جعل محور المنع عدم ترتّب الأثر الشرعي، وجعل إثبات الحكم الشرعي بواسطة الملازمة من الأصل المثبت.

ثم نصل إلى الشق الآخر من البحث، وهو استصحاب الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، فيما إذا تبدّلت بعض الخصوصيات التي كان العقل يلحظها في موضوع حكمه، بحيث لم يعد العقل مستقلاً بالحكم بعد زوال تلك الخصوصية.

وهنا ينبغي التفريق بين استصحاب نفس الحكم العقلي المتقدّم، وبين استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي؛ فإنّ المستصحب في الأول هو الحسن أو القبح العقلي، وأما في الثاني فالمستصحب نفس الحكم الشرعي من وجوبٍ أو حرمةٍ بعد فرض ثبوته سابقاً.

وقد تقدّم أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) ناقش ما أفاده الشيخ الأعظم من الملازمة في جانب النفي؛ فإنّ قاعدة الملازمة ـ على تقدير تماميتها ـ تقتضي أنّه إذا حكم العقل حكم الشارع، ولكن لا يلزم من عدم حكم العقل في الحالة اللاحقة عدم حكم الشارع؛ إذ قد لا يستقل العقل بالحكم، ومع ذلك يبقى الحكم الشرعي ثابتاً لملاكٍ واقعي لا يستقل العقل بإدراكه.

وأما المحقق النائيني (قدّس سرّه)، فقد انتهى في هذا الشق إلى جريان الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي، ولم يرتضِ ما أفاده الشيخ الأعظم من المنع؛ لأنّ الحكم الشرعي بعد أن ثبت في الحالة السابقة ـ ولو كان طريق استكشافه ابتداءً هو الحكم العقلي ـ يصبح بنفسه حكماً شرعياً قابلاً لأن يقع مورداً للاستصحاب، متى تحقّقت أركانه من اليقين السابق والشك اللاحق ووحدة القضية المتيقنة والمشكوكة.

وعليه، فلابد من البحث عن الوجه الذي اعتمد عليه المحقق النائيني في تصحيح استصحاب الحكم الشرعي مع زوال بعض الخصوصيات التي كان العقل يلحظها في موضوع حكمه، وكيف أجاب عن الوجه الذي اعتمد عليه الشيخ الأعظم في المنع.

وبيان ذلك: بما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) ، من "المنع عن كون كلّ خصوصيّة اعتبرها العقل في موضوع حكمه لا بدّ وأن يكون لها دخلٌ في المناط واقعاً"([4] ).

وحاصل مراده: أنّه لا ملازمة بين أخذ العقل خصوصيةً ما في الموضوع الذي أدرك حكمه، وبين كون تلك الخصوصية دخيلةً واقعاً في ملاك الحكم ومناطه؛ إذ من الممكن أن يكون حكم العقل متيقّناً في الموضوع الواجد لتلك الخصوصية، فيأخذها العقل في مقام إدراكه للحكم، لا من جهة إحرازه كونها مقوّمةً للمناط الواقعي، بل من جهة أنّ المورد المشتمل عليها هو القدر المتيقّن الذي أحرز ثبوت الحكم فيه.

ومن هنا قال (قدّس سرّه): "إذ من الممكن ألّا تكون للخصوصية دخلٌ في المناط واقعاً، وإنّما أخذها العقل في موضوع حكمه لمكان أنّ الموضوع الواجد لها هو المتيقَّن في اشتماله على الملاك بنظر العقل ".([5] ) وعليه، فليس كلّ قيدٍ أُخذ في الموضوع الذي حكم العقل بحسنه أو قبحه كاشفاً بالضرورة عن دخالته في المناط الواقعي لذلك الحكم.

ولتقريب ذلك نقول : لو أدرك العقل قبح الكذب في موردٍ اقترن فيه الكذب بخصوصيةٍ معينة، كاستلزامه الإضرار بالنفس أو المال، فإنّ جزمه بالقبح في هذا المورد لا يستلزم أن يكون قد أدرك أنّ تمام هذه الخصوصيات دخيلةٌ في حقيقة مناط القبح؛ إذ قد يكون المورد المشتمل عليها هو المقدار الذي تيقّن العقل بثبوت القبح فيه، من دون أن يكون قد أحاط بتمام حدود الملاك الواقعي وخصوصياته.

فإن قيل: إذا لم يكن العقل محرزاً لدخالة تلك الخصوصية في المناط، فكيف استقلّ بالحكم ابتداءً؟

قلنا: لا منافاة بين الأمرين؛ فإنّ العقل جازمٌ بثبوت الحكم للموضوع الواجد للخصوصية، وإنما الكلام في منشأ هذا الحكم وحدود مناطه الواقعي. فالجزم بثبوت الحكم في موردٍ خاص لا يستلزم الجزم بأنّ كل ما اشتمل عليه ذلك المورد من الخصوصيات مقوّمٌ للملاك؛ إذ يمكن أن يكون أخذ بعضها من جهة كون الموضوع المشتمل عليها هو القدر المتيقّن في مقام الإدراك.

ومن هنا يظهر موضع مخالفة المحقق النائيني لما بُني عليه كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)؛ فإنّ مبنى الشيخ يقوم على أنّ موضوع الحكم العقلي معلومٌ لدى العقل تفصيلاً، وأنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز تمام ما له دخلٌ في موضوع حكمه، ومن ثَمّ إذا زالت إحدى الخصوصيات المأخوذة فيه علم بارتفاع الموضوع، فلا يبقى مجال للشك في بقاء الحكم.

أما المحقق النائيني فلا يسلّم أصل هذه الكلية؛ ولذلك قال (قدّس سرّه): "ودعوى أنّ الأحكام العقلية كلّها مبيّنة مفصّلة ممّا لا شاهد عليها"([6] ). فليس لدينا ـ بحسب هذا المبنى ـ ما يقتضي أن يكون كل حكم عقلي مبيّناً لدى العقل من جميع الجهات، بحيث تكون جميع الخصوصيات المأخوذة في الموضوع معلومة الدخالة في المناط الواقعي؛ بل يمكن أن يكون حكم العقل ثابتاً في دائرة القدر المتيقّن، مع عدم إحاطته بتمام حدود المناط.

وعلى هذا الأساس، إذا زالت بعض الخصوصيات التي كان الموضوع المتيقّن واجداً لها، لم يلزم من زوالها القطع بارتفاع الحكم؛ لاحتمال أن تكون تلك الخصوصية غير دخيلةٍ في المناط واقعاً، وإنما كان أخذها من جهة كون المورد الواجد لها هو القدر المتيقّن. ومن هنا يمكن تصوير الشك في بقاء الحكم بعد زوال تلك الخصوصية، وهو ما يفتح المجال للبحث عن جريان الاستصحاب.

وأما ما قد يقال من أنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحاطته بتمام الخصوصيات والقيود الدخيلة في موضوع حكمه، فيمكن المناقشة فيه من جهتين:

الأولى: أنّ هذه الدعوى قضية عقلية وليست حكماً شرعياً تعبّدياً، فلا بدّ من إقامة البرهان العقلي عليها. فإن ادُّعي كونها من القضايا البديهية، فلا بدّ أن تبلغ من الوضوح مرتبةً لا تحتاج معها ـ بعد تصوّر أطرافها على وجهها ـ إلى إقامة دليل، مع أنّ دعوى امتناع حكم العقل في غير دائرة القدر المتيقّن ليست بهذا الوضوح.

الثانية: وإن ادُّعي كونها قضيةً نظرية، فلا بدّ من إقامة البرهان عليها وبيان الحدّ الأوسط الذي يقتضي أن يكون كل قيدٍ أخذه العقل في موضوع حكمه دخيلاً في المناط الواقعي. ومجرّد شيوع هذه الدعوى في كلمات الأصوليين لا يكفي لإثباتها؛ ولذلك عبّر المحقق النائيني عنها بقوله: "ممّا لا شاهد عليها".

فالنكتة الأساسية في كلام المحقق النائيني هي الفصل بين مقام الجزم بالحكم ومقام الإحاطة بمناط الحكم؛ فقد يجزم العقل بثبوت الحكم في موردٍ مخصوص، مع عدم إحاطته بأنّ جميع الخصوصيات الموجودة في ذلك المورد دخيلةٌ في ملاكه واقعاً.

ويمكن تقريب أصل فكرة الاقتصار على القدر المتيقّن ـ لا الاستدلال بها على خصوص المقام ـ بما هو مألوف في الأبحاث الأصولية والفقهية؛ فإنّ الإجمال في حدود الحكم أو الحجة قد يوجب الاقتصار على المقدار المتيقّن.

ففي بعض صور دوران الأمر بين الأقل والأكثر([7] ) يكون الأقل هو المقدار المتيقّن من جهة ثبوت التكليف، ويقع الكلام في الزائد بحسب الأصل الجاري فيه. وكذلك في مسألة دوران الحجية بين تقليد الأعلم والتخيير بينه وبين غيره، يكون قول الأعلم متيقّن الحجية على كلا التقديرين، بخلاف قول غيره.

والمقصود من هذه الأمثلة ليس قياس الحكم العقلي بالحكم الشرعي أو بالحجية، وإنما تقريب إمكان أن يكون المتيقّن أضيق دائرةً من الواقع؛ فلا يلزم من كون شيء هو القدر المتيقّن في مقام الإدراك أن تكون القيود المأخوذة فيه جميعاً مقوّمةً للحكم في مقام الثبوت.

والنتيجة: أنّ المحقق النائيني يناقش الركيزة التي اعتمد عليها الشيخ الأعظم في المنع من استصحاب الحكم الشرعي المستند إلى العقل؛ فإنّ زوال خصوصيةٍ كانت مأخوذةً في الموضوع الذي حكم العقل فيه لا يلازم زوال مناط الحكم الشرعي، بعد إمكان كون تلك الخصوصية مأخوذةً من جهة القدر المتيقّن، لا من جهة دخالتها الواقعية في الملاك. ومن ثَمّ يمكن بقاء الموضوع الشرعي عرفاً والشك في بقاء الحكم، فيتهيّأ المجال لجريان الاستصحاب إذا تمت سائر أركانه.

وإذا تأمّلنا في ذلك، اتّضح أنّ المسألة قد خرجت عن حيّز الوضوح إلى شيءٍ من الدقّة والغموض؛ ومن هنا ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) وجهاً ثانياً، فقال: "وثانياً: أنّه لو سلّمنا بأنّ كلّ خصوصيّة أخذها العقل في موضوع حكمه لا بدّ وأن يكون لها دخلٌ في المناط بنظر العقل إلا إنّ ذلك يمنع عن استصحاب حكم العقل وليس المقصود ذلك لما عرفت: من أن استصحاب حكم العقل لا أثر له بل المقصود استصحاب حكم الشرع، فيمكن ألّا يكون لبعض الخصوصيات التي أخذها العقل في موضوع حكمه دخلٌ في الموضوع عرفاً" ( )وحاصل ما أفاده: أنّه لو سلّمنا أنّ كلّ خصوصية أخذها العقل في موضوع حكمه لها دخلٌ في المناط بنظره، فإنّ غاية ما يقتضيه ذلك هو المنع من استصحاب نفس الحكم العقلي عند زوال تلك الخصوصية؛ لانتفاء موضوعه بحسب النظر العقلي الدقّي. إلا أنّ هذا ليس هو محلّ الكلام، بعد ما تقدّم من أنّ استصحاب الحكم العقلي بما هو حكم عقلي لا يترتّب عليه أثر.

وإنّما محلّ الكلام في استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي؛ وهنا يمكن أن تكون الخصوصية التي اعتبرها العقل دخيلةً في موضوع حكمه غير دخيلةٍ في بقاء موضوع الحكم الشرعي بحسب النظر العرفي؛ إذ المدار في جريان الاستصحاب ووحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة إنّما هو على بقاء الموضوع عرفاً، لا على بقائه بحسب النظر العقلي الدقّي.

وعليه، فلو ارتفعت بعض الخصوصيات المأخوذة في موضوع الحكم العقلي، لم يلزم من ذلك ارتفاع موضوع الحكم الشرعي عرفاً؛ فقد يرى العقل الدقّي انتفاء موضوع حكمه بزوال تلك الخصوصية، مع بقاء الموضوع نفسه بنظر العرف، وحينئذٍ يمكن الشك في بقاء الحكم الشرعي وجريان الاستصحاب فيه.

وبهذا يتقارب مسلك المحقق النائيني مع ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في النتيجة؛ إذ إنّ زوال بعض الخصوصيات المأخوذة في موضوع الحكم العقلي لا يقتضي بالضرورة انتفاء موضوع الحكم الشرعي عرفاً، بعد أن كان المدار في الاستصحاب على الوحدة العرفية للموضوع.

وقد وافق المحقق النائيني في هذا المسلك جماعةٌ من الأعلام؛ منهم السيد عبد الله الشيرازي (قدّس سرّه) في تنقيح الأصول، والميرزا محمد باقر الزنجاني (قدّس سرّه) في تحرير الأصول، بل صرّح الأخير بما هو أبلغ من ذلك، فقال: "ومن الغريب جدّاً ما أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّه) من منع جريان الأصل في الحكم الكلّي الشرعي المستكشف تحقّقه بالمناطات العقليّة" ([8] )، فوصف ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام بأنّه "غريبٌ جدّاً".

وكذلك وافق المحققَ النائيني تلميذُه الميرزا هاشم الآملي (قدّس سرّه) في تقريرات أبحاثه التي دوّنها السيد علي الفرحي، في حين خالفه في ذلك بعض المحققين، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - فوائد الأصول، ج4، ص449، .
[2] -- الأصل المثبت: هو الأصل العملي الذي يُراد به ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية والعادية للمستصحب بواسطة الاستصحاب، والمشهور عند الأصوليين المتأخرين عدم حجيته.
[3] -هامش: الشيخ حسين الحلي، أصول الفقه، تقريراً لأبحاث المحقق النائيني، ج9، ص13.
[4] - في فوائد الأصول، ج4، ص451.
[5] - المصدر السابق.
[6] -المصدر السابق نفسه.
[7] - يُراد بالأقل والأكثر الارتباطبين: دوران التكليف بين متعلّقين مركّبين يشتركان في أصل الأجزاء (الأقل) وينفرد أحدهما جزء زائد مشكوك (الأكثر)، ويكون الارتباط بين الأجزاء قائما بنحو يوجب انتفاء الامتثال رأسا بانتفاء بعضه كأجزاء الصلاة.
[8] - تحرير الأصول، ج4، ص193.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo