« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/16

بسم الله الرحمن الرحيم

التنبيه الثالث/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثالث

تقدّم الكلام فيما أفاده صاحب الكفاية، وتبعه في ذلك بعضُ مَن تأخّر عنه، من التفصيل في مسألة الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي؛ بدعوى أنّ الملازمة إنّما تتمّ في جانب الإثبات، بمعنى أنّ العقل إذا أدرك حكماً على نحوٍ يستكشف منه الحكم الشرعي ثبتت التبعية في هذا الجانب، وأمّا في جانب السلب فلا ملازمة؛ إذ لا يلزم من عدم حكم العقل أو عدم إدراكه للحكم أن لا يكون للشارع حكمٌ في المورد، لإمكان ثبوت الحكم الشرعي مع عدم إدراك العقل له.

وعلى ضوء ذلك يقع الكلام في إمكان تصوير هذا التفكيك في مقام الثبوت؛ فإنّ المدّعى هو إمكان فرض موردٍ لا يحكم فيه العقل أو لا يدرك حكماً، ومع ذلك يكون للشارع حكمٌ ثابت في ذلك المورد. ومن هنا يقع التساؤل: كيف يمكن تصوير عدم الملازمة بين الحكمين في جانب السلب ثبوتاً، مع فرض كون الحكم الشرعي في محلّ البحث مستنداً إلى الحكم العقلي؟

ذكر صاحب الكفاية ([1] )في مقام تصوير عدم الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي في جانب السلب وجهين:

الوجه الأول: أنّ دائرة إدراك الشارع أوسع من دائرة إدراك العقل؛ إذ يمكن للشارع المقدّس أن يدرك من الجهات والملاكات ما لا يدركه العقل، ومن ثَمّ لا يلزم من عدم حكم العقل في موردٍ عدمُ حكم الشارع فيه.

ولتقريب المطلب بمثالٍ ـ وإنّما يُذكر المثال لمجرّد التقريب ـ يُفرض أنّ العقل أدرك قبح الكذب المشتمل على الإضرار بالمؤمن، كما إذا ترتّب عليه ضررٌ ماليّ كبير. وحيث تقدّم أنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحاطته بجميع ما له دخلٌ في موضوع حكمه، فإنّه يحكم بقبح الكذب المقيّد بهذا العنوان، فيقول: إنّ الكذب المشتمل على ضررٍ بالمؤمن او ضررماليّ كبير قبيح.

وعندئذٍ يستكشف الحكم الشرعي من الحكم العقلي بمقتضى قاعدة الملازمة، فيحكم الشارع بحرمة الكذب المشتمل على ذلك الضرر المتقدم . وهذا المقدار ـ أعني الملازمة في جانب الإثبات ـ ممّا يلتزم به الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية معاً.

وإنّما يقع الكلام في جانب السلب؛ فإذا انتفى القيد الذي كان العقل قد أخذه في موضوع حكمه، كما إذا كان الضرر المالي يسيراً، فإنّ العقل لا يحكم بالقبح؛ لأنّ موضوع حكمه ـ بحسب ما أدركه ـ هو الكذب المشتمل على الضرر بالمؤمن أو الضرر المالي الكبير، ومع انتفاء هذا القيد ينتفي حكمه لا محالة.

وهنا يقع مورد الاختلاف؛ فإنّ الشيخ الأعظم يرى أنّ الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي تابعٌ له ثبوتاً وانتفاءً، فكما ثبت الحكم الشرعي بثبوت الحكم العقلي، ينتفي بانتفائه؛ فلا يبقى مجالٌ للشك في بقاء الحكم الشرعي كي يجري فيه الاستصحاب.

وأمّا صاحب الكفاية، فلا يرى الملازمة في جانب السلب؛ إذ لا يلزم من عدم حكم العقل بالقبح عند انتفاء بعض ما أخذه في موضوعه عدمُ حكم الشارع بالحرمة؛ لإمكان أن يكون الشارع قد أدرك جهةً أخرى لها دخلٌ في الحكم الشرعي لم يدركها العقل. ومن ثَمّ يمكن أن يكون الكذب المشتمل على ضررٍ ماليّ يسير محرّماً شرعاً، وإن لم يحكم العقل بقبحه بعد انتفاء الضرر المالي الكبير.

وعليه، فانتفاء ما كان مقوّماً لموضوع الحكم العقلي لا يستلزم انتفاء موضوع الحكم الشرعي؛ لأنّ دائرة الموضوع الشرعي يمكن أن تكون أوسع من دائرة الموضوع العقلي. فإذا ارتفع القيد الذي كان العقل يراه مقوّماً لحكمه، وشُكّ في كونه مقوّماً للحكم الشرعي أيضاً أو أنّ للشارع جهةً أخرى تقتضي بقاء الحكم، أمكن تصوير الشك في بقاء الحكم الشرعي، ومن ثَمّ يتصوّر جريان الاستصحاب فيه.

فالنكتة في هذا الوجه هي التفكيك بين حدود إدراك العقل لموضوع حكمه وبين حدود موضوع الحكم الشرعي واقعاً؛ فالعقل لا يشك في حكمه بعد انتفاء ما يراه مقوّماً لموضوعه، بل يقطع بانتفائه، إلا أنّ ذلك لا يمنع من الشك في بقاء الحكم الشرعي؛ لاحتمال أن يكون موضوعه أوسع، وأن تكون هناك جهةٌ أخرى أدركها الشارع ولم يدركها العقل. وبذلك يتصوّر ـ ثبوتاً ـ عدم الملازمة بين انتفاء الحكم العقلي وانتفاء الحكم الشرعي.

الوجه الثاني: أن يُفرض في بعض الموارد وجود ملاكين للحكم؛ أحدهما أدركه العقل، والآخر لم يدركه العقل وإنّما هو معلومٌ للشارع المقدّس؛ لإحاطته التامّة بجهات الأحكام وملاكاتها. وحينئذٍ يكون حكم العقل تابعاً للملاك الذي أدركه، فإذا انتفى ذلك الملاك ارتفع حكم العقل بارتفاعه، من دون أن يستلزم ذلك ارتفاع الحكم الشرعي؛ لإمكان استناده إلى ملاكٍ آخر لم يدركه العقل.

ففي المثال المتقدّم، إذا أدرك العقل قبح الكذب لاشتماله على جهةٍ مخصوصة، ثم ارتفعت تلك الجهة، ارتفع حكم العقل بالقبح؛ لارتفاع الملاك الذي كان مستنداً إليه. إلا أنّ ذلك لا يقتضي الجزم بارتفاع الحرمة الشرعية؛ إذ يحتمل أن تكون الحرمة مستندةً إلى ملاكٍ آخر غير الملاك الذي أدركه العقل، فيتّسع بذلك موضوع الحكم الشرعي لما لا يشمله موضوع الحكم العقلي، ومن هنا يمكن تصوير الشكّ في بقاء الحكم الشرعي واستصحابه.

والنقطة الأساس في المقام: أنّ الأعلام المتأخّرين عن الشيخ الأعظم الأنصاري، ومنهم المحقّق الخراساني في "الكفاية"، والمحقّق النائيني، والسيّد الشيرازي ـ بلحاظ تقارب مبانيهم في الجملة ـ حاولوا تصوير إمكان الشكّ في بقاء الحكم الشرعي المستكشف ابتداءً من حكم العقل. وقد سلّموا بأنّ الشكّ لا يتطرّق إلى نفس الحكم العقلي؛ لأنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز جميع ما له دخلٌ في موضوع حكمه، فإذا انتفى ما هو مقوّمٌ لموضوعه ارتفع حكمه جزماً، فلا يتصوّر الشكّ في بقائه من هذه الجهة.

وإنّما يتصوّر الشكّ في جانب السلب بلحاظ الحكم الشرعي؛ فإنّ انتفاء حكم العقل أو عدم حكمه لا يستلزم انتفاء حكم الشارع؛ لإمكان وجود جهةٍ أو ملاكٍ آخر له دخلٌ في الحكم الشرعي لم يدركه العقل. ومقتضى ذلك إمكان الشكّ في بقاء الحكم الشرعي بعد ارتفاع الحكم العقلي.

فإن قيل: إنّ موضوع حكم العقل قد انتفى، فكيف يمكن تصوير بقاء الحكم الشرعي؟

قيل: إنّ انتفاء موضوع الحكم العقلي لا يستلزم انتفاء موضوع الحكم الشرعي؛ إذ يحتمل أن تكون هناك خصوصيةٌ أخرى لها دخلٌ في الحكم الشرعي، وإن لم يرى العقل كونها دخيلةً في موضوع حكمه. وعليه، فما يراه العقل مقوّماً لموضوع حكمه قد لا يكون مقوّماً لموضوع الحكم الشرعي، وبذلك يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم الشرعي، ويكون قابلاً للاستصحاب.

وتأسيساً على ذلك، يرى صاحب الكفاية أنّ التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري في جريان الاستصحاب بين ما إذا كان دليل الحكم عقلياً وما إذا كان شرعياً لا وجه له؛ إذ لا خصوصية لكون الدليل المثبت للحكم عقلياً أو نقلياً، بل المدار على نفس المستصحب؛ فمتى ثبت الحكم الشرعي سابقاً وشُكّ في بقائه لاحقاً، مع تحقّق سائر أركان الاستصحاب، جرى استصحابه، سواء أكان الدليل الذي ثبت به ابتداءً عقلياً أم نقلياً.

وحاصل ما تبتني عليه عبارة صاحب الكفاية: أنّها ـ على الرغم ممّا في بعض عباراتها من إغلاقٍ أوجب تعدّد وجوه تفسيرها لدى الشُرّاح ـ يمكن إرجاعها إلى نكتتين أساسيتين:

الأولى: أنّ ما أدركه العقل ورآه دخيلاً في ثبوت حكمه قد لا يكون مقوِّماً للموضوع بنظر العرف، ومن ثَمّ فإنّ انتفاءه وإن استلزم انتفاء الحكم العقلي، إلا أنّه لا يستلزم انتفاء الحكم الشرعي؛ لإمكان أن تكون دائرة الحكم الشرعي أوسع ممّا أدركه العقل، فيُشكّ حينئذٍ في بقاء الحكم الشرعي، فيجري استصحابه مع بقاء الموضوع عرفاً.

الثانية: احتمال وجود ملاكٍ آخر للحكم الشرعي في الواقع غير الملاك الذي استقلّ العقل بإدراكه؛ وذلك لعدم إحاطة العقل بتمام ملاكات الأحكام الشرعية. وعليه، فانتفاء الملاك الذي أدركه العقل لا يستلزم انتفاء الحكم الشرعي؛ لاحتمال بقائه بملاكٍ آخر لم يدركه العقل.

والحاصل : فأنّ العقل قد يدرك حسن الكذب إذا توقّف عليه حفظ النفس المحترمة، وقد يدرك حسنه إذا توقّف عليه حفظ مالٍ خطير، وقد لا يدرك حسنه فيما إذا توقّف عليه حفظ مالٍ قليل. ومن هنا يقع الكلام في أنّ ارتفاع ما كان دخيلاً في حكم العقل هل يستلزم بالضرورة ارتفاع الحكم الشرعي أيضاً، أو يمكن الشكّ في بقائه؟

وهنا لا بدّ من التفريق بين ما يكون مقوِّماً للموضوع وما يكون من حالاته وخصوصياته غير المقوِّمة عرفاً؛ فإن كان ما ارتفع مقوِّماً للموضوع بحيث يوجب ارتفاعه تبدّل الموضوع عرفاً، فلا مجال للاستصحاب؛ لعدم بقاء الموضوع الذي ثبت له الحكم سابقاً. وأمّا إذا كان ما ارتفع دخيلاً في حكم العقل، إلا أنّه لا يُعدّ مقوِّماً للموضوع بنظر العرف، بل من حالاته وخصوصياته، أمكن بقاء الموضوع عرفاً، ومع الشكّ في بقاء الحكم الشرعي يتحقّق مورد الاستصحاب.

ويتّضح ذلك في مثال الكذب؛ فإنّ العقل يستقلّ بقبح الكذب في نفسه، إلا إذا طرأ عليه عنوانٌ يوجب ارتفاع قبحه أو انقلاب حكمه، كما إذا توقّف عليه حفظ نفسٍ محترمة أو مالٍ خطير؛ فقد يحكم العقل حينئذٍ بعدم قبحه، بل قد يكون الكذب حسناً إذا كان الصدق مستلزماً لهلاك النفس المحترمة أو تلف مالٍ خطير.

وأمّا إذا توقّف حفظ مالٍ قليل على الكذب، فهنا يظهر محلّ الكلام؛ فإنّ العقل ـ بحسب الفرض ـ لم يدرك في حفظ المال القليل ما يوجب ارتفاع قبح الكذب، فلا يحكم بحسنه من هذه الجهة. إلا أنّ عدم حكم العقل بذلك لا يستلزم، على مبنى صاحب الكفاية، عدم حكم الشارع؛ إذ يمكن أن تكون هناك جهةٌ لم يدركها العقل يكون لها دخلٌ في الحكم الشرعي.

ومن هنا ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه): ما حاصله "فإنّ انتفاء الحكم العقلي لانتفاء ما له دخل في ثبوت الحكم وليس من المقوّم للموضوع عند العقل… لا يستلزم عدم حكم الشارع أيضاً، بل قد يحسّنه الشارع فيأمر به إذا توقف عليه حفظ المال القليل، وقد يحكم بقبحه وينهى عنه بحكم الاستصحاب، باستصحاب ثبوت حرمته قبل عروض توقف حفظ المال القليل عليه" ([2] )وعلى هذا الأساس يظهر وجه الفرق بين مسلك الشيخ الأعظم ومسلك صاحب الكفاية؛ فإنّ الشيخ الأعظم يرى أنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي يتبع الحكم العقلي في حدوده، فإذا انتفى ما له دخلٌ في موضوع الحكم العقلي لم يبقَ مجال لاستصحاب الحكم الشرعي المستكشف منه.

وأمّا صاحب الكفاية فيرى أنّ انتفاء الحكم العقلي لا يستلزم انتفاء الحكم الشرعي؛ لأنّ العقل إنّما يحكم في حدود ما أدركه من الجهات والملاكات، ولا يلزم من عدم إدراكه جهةً أخرى عدمُ ثبوتها شرعاً. ومن هنا يمكن أن يصل المكلّف، بعد ارتفاع الحكم العقلي، إلى مرتبة الشكّ في بقاء الحكم الشرعي، فيتحقّق موضوع الاستصحاب.

ففي مثال الكذب المتقدّم، إذا كان الكذب قبل عروض عنوان حفظ المال القليل محرّماً، ثم توقّف حفظ ذلك المال عليه، وشُكّ في أنّ هذه الخصوصية هل توجب ارتفاع الحرمة شرعاً كما توجبها بعض العناوين الأخرى، أم تبقى الحرمة السابقة على حالها، أمكن استصحاب الحرمة السابقة، بناءً على بقاء الموضوع عرفاً.

فإن قيل: إنّ الموضوع قد تبدّل؛ لأنّ الكذب الذي لا يتوقّف عليه حفظ المال غير الكذب الذي يتوقّف عليه حفظ المال القليل، فاستصحاب الحكم من الأول إلى الثاني يكون من إسراء الحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر.

فالجواب: أنّ المدار في إحراز بقاء الموضوع في باب الاستصحاب ليس على الدقّة العقلية، بل على النظر العرفي؛ فإذا رأى العرف أنّ الموضوع باقٍ، وأنّ الخصوصية الطارئة ليست مقوِّمة له، بل هي من قبيل الحالات والطوارئ، صدقت وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة. وفي المقام يرى العرف أنّ الكذب هو الموضوع في الحالتين، وأنّ توقّف حفظ المال القليل عليه من خصوصياته الطارئة، لا أنّه موجبٌ لتبدّل حقيقة الموضوع.

وعليه، فلا يلزم من استصحاب الحرمة إسراء الحكم من موضوعٍ إلى موضوع آخر، بل يكون المستصحب حكماً لموضوعٍ واحد عرفاً طرأت عليه حالةٌ جديدة، وشُكّ بسببها في بقاء حكمه السابق، فيجري الاستصحاب مع تمامية سائر أركانه.

وبذلك يتّضح مراد صاحب الكفاية من إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي وإن كان الدليل على ثبوته سابقاً حكماً عقلياً؛ فإنّ انتفاء الحكم العقلي لا يوجب بنفسه انتفاء الحكم الشرعي ما دام الموضوع باقياً بنظر العرف، وكان الشكّ في بقاء الحكم الشرعي متصوَّراً.

فإن قلت: كيف يلتئم هذا التوجيه مع قاعدة الملازمة بين الحكمين العقلي والشرعي؟ حيث يُدّعى ثبوت الملازمة من الطرفين؛ فكما يقال: «كلّ ما حكم به العقل حكم به الشارع»، يقال كذلك: «كلّ ما لم يحكم به العقل لم يحكم به الشارع»، فكيف يمكن حينئذٍ فرض ارتفاع الحكم العقلي مع بقاء الحكم الشرعي أو الشكّ في بقائه؟

قلت: إنّ الملازمة إنّما تثبت في مقام الإثبات والاستكشاف، ولا يلزم منها الملازمة في مقام السلب والانتفاء؛ إذ قد يشتمل الواقع على ملاكاتٍ ومصالح يدركها الشارع المقدّس ولا يستقلّ العقل بإدراكها. ومن هنا، فإنّ عدم استقلال العقل بالحكم إلا في حالةٍ مخصوصة لا يستلزم عدم ثبوت حكم الشارع في غير تلك الحالة.

وبناءا على ذلك، أفاد صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أنّ عدم استقلال العقل بقبح الكذب عند توقّف حفظ المال القليل عليه لا يستلزم انتفاء حكم الشارع؛ إذ يمكن أن يكون الحكم الشرعي باقياً، فيُستصحب، كما يمكن أن يكون في المورد ملاكٌ واقعي يقتضي حكماً لم يستقلّ العقل بإدراكه.

ويمكن تقريب هذا المطلب على نحوين:

الوجه الأول: أن يُحتمل بقاء نفس الملاك الذي يدور عليه الحكم الشرعي ـ من المصلحة أو المفسدة ـ في كلتا الحالتين: حالة وجود ما احتُمل دخله، وحالة انتفائه، إذا لم تكن تلك الخصوصية من مقوّمات الموضوع. فقد لا يكون لتلك الخصوصية دخلٌ في الملاك الواقعي أصلاً، وإن كان لها دخلٌ في المقدار الذي اطّلع عليه العقل من الملاك.

فإنّ العقل إنّما يحكم في حدود ما أدركه واطّلع عليه من الملاك، ولا يلزم من انتهاء حدود إدراكه انتهاء الملاك الواقعي للحكم الشرعي؛ إذ يمكن أن يكون الملاك أوسع ممّا أدركه العقل.

ومن باب المثال: قد يُفرض أنّ من الجهات الملحوظة لدى الشارع عدم تعويد المكلّف على الكذب، وهذه جهةٌ قائمةٌ بنظر الشارع، في حين لا يحيط العقل بتمام حدودها. فالعقل إنّما يحكم في حدود ما أدركه من المصالح والمفاسد، بينما يمكن أن يلحظ الشارع جهةً أخرى في المورد يكون لها دخلٌ في الحكم، وإن لم يستقلّ العقل بإدراكها.

وكذلك يمكن تقريب المطلب من ناحية الصدق؛ فإنّ الصدق قد يترتّب عليه ضررٌ بالمؤمن، وقد يبلغ الضرر حدّ ذهاب مالٍ كثير، وقد لا يبلغ إلا مقدار مالٍ قليل. والعقل إنّما يحكم بحسب ما أدركه من مراتب المصلحة والمفسدة، بينما يمكن أن يرى الشارع في بعض هذه الموارد ملاكاً آخر، كرعاية عدم تعويد المؤمن على خلاف الصدق وصيانة أخلاقه، وهو ملاكٌ قد لا يحيط العقل بتمام حدوده. ومن هنا يمكن أن تختلف دائرة ما أدركه العقل عن دائرة الملاك الذي يدور عليه الحكم الشرعي واقعاً.

والوجه الثاني: أن يُفرض ارتفاع تمام الملاك الذي أدركه العقل، بحيث لا يبقى منه شيء، ولكن يوجد ملاكٌ آخر في الواقع لم يلتفت إليه العقل أو لم يستقلّ بإدراكه أو لم يكن حكمه ناظراً إليه. وحينئذٍ لا يكون ارتفاع الملاك المدرك للعقل ملازماً لارتفاع الحكم الشرعي؛ لإمكان بقاء الحكم بملاكٍ آخر لم يدركه العقل.

ومن هنا يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم الشرعي؛ فإنّ الحكم كان ثابتاً في الحالة السابقة، ثم ارتفع ما أدركه العقل ملاكاً له، إلا أنّ احتمال بقاء الحكم الشرعي من جهةٍ أخرى يوجب تحقّق الشكّ في بقائه، فتجتمع القضية المتيقّنة والقضية المشكوكة، ويتأتّى استصحاب الحكم السابق مع تمامية سائر أركانه.

والحاصل: أنّ هذا هو تمام ما قرّره صاحب الكفاية في مقابل ما أفاده الشيخ الأعظم من عدم إمكان جريان الاستصحاب في هذا المورد؛ فإنّ صاحب الكفاية يرى أنّ ارتفاع حكم العقل لا يستلزم ارتفاع حكم الشارع، بل يمكن بعد ارتفاع الحكم العقلي أن يُشكّ في بقاء الحكم الشرعي، وحينئذٍ يُستصحب الحكم الذي كان ثابتاً قبل ارتفاع ذلك الحكم العقلي.

وبذلك يتّضح أنّ النزاع بين العَلَمين يرجع إلى أصل إمكان تصوير الشكّ وعدمه؛ فالشيخ الأعظم لا يرى مجالاً لعروض الشكّ في الحكم الشرعي المستند إلى العقل؛ باعتبار تبعيّة الحكم الشرعي للحكم العقلي، فإذا ارتفع الحكم العقلي ارتفع الحكم الشرعي المستند إليه، فلا يبقى ما يُشكّ في بقائه.

وأمّا صاحب الكفاية، فيرى إمكان التفكيك بينهما في جانب السلب؛ فإنّ انتفاء حكم العقل لا يستلزم انتفاء حكم الشارع، لإمكان بقاء الملاك الواقعي الذي لم يدرك العقل تمام حدوده، أو وجود ملاكٍ آخر لم يدركه العقل من الأساس. وعلى كلا التقديرين يمكن تصوير الشكّ في بقاء الحكم الشرعي، ومن ثَمّ يتأتّى جريان الاستصحاب.

وقد وافق صاحبَ الكفاية في أصل هذا المسلك جماعةٌ ممّن تأخّر عنه، ومنهم المحقّق النائيني، وسيأتي التعرّض لتفصيل كلامه وما أضافه في المقام، إن شاء الله تعالى.

فالمتحصّل: أنّ الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية يمثّلان مسلكين مختلفين في المقام؛ مسلك الشيخ قائمٌ على عدم إمكان الشكّ في الحكم الشرعي المستند إلى العقل بعد ارتفاع الحكم العقلي، ومسلك صاحب الكفاية قائمٌ على إمكان تحقّق هذا الشكّ في جانب السلب، وهو الأساس الذي ينبغي استحضاره في متابعة ما سيأتي من البحث.

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]


[1] - كفاية الأصول ص386.
[2] - كفاية الأصول، ص386.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo