« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/15

بسم الله الرحمن الرحيم

 التنبيه الثالث/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب / التنبيه الثالث

تقدّم الكلام في أنّ ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في التنبيه الثالث من التفصيل في جريان الاستصحاب بين الحكم العقلي والشرعي المستند إليه وبين الحكم الشرعي ينبغي أن يُتصوّر على النحو الذي تقدم ، وحاصله: أنّ العقل لا يحكم بشيء او يدرك بنحو الحكم ، إلا بعد أن يتصوّر جميع ما له الدخل في موضوع حكمه؛ ومن هنا فلا يجري الاستصحاب في الأحكام العقلية لعدم الشك في الحكم مع إدراك الموضوع تفصيلا ، وبناءً على الملازمة القائلة بأنّ "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع"، ([1] )ذهب (قدّس سرّه) إلى أنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي يتبع الحكم العقلي في جريان الاستصحاب وعدمه؛ فكما لا يجري الاستصحاب في الحكم العقلي، لا يجري أيضاً في الحكم الشرعي المستند إليه هذا بالنسبة إلى جريان الاستصحاب في الحكم العقلي.

وأمّا جريان الاستصحاب بالنسبة لموضوع الحكم العقلي ، ففيه تفصيل وذلك لأن الاستصحاب تارة يعتبر من باب الظنّ، وتارةً من باب التعبّد الشرعي، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه من كلامه. وإنّما المقصود بالبحث هنا أساساً هو استصحاب الحكم العقلي.

وأمّا موقف الآخوند الخراساني (صاحب الكفاية): فقد منع (قده) من ملازمة الحكم الشرعي للحكم العقلي في الجانب السلبي؛ فمع التزامه بالملازمة في الجانب الإثباتي، بمعنى أنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، إلا أنّه لا يلتزم بالملازمة عند الانتفاء ، فلا يلزم من عدم الحكم العقلي عدم الحكم الشرعي.

وتوضيح المقدمات الممهّدة لهذا المطلب يتوقف على بيان نكتة مهمّة، وهي الفرق بين الحيثية التقييدية والحيثية التعليلية.

فنقول قد تقرّر أنّ الموضوع علة او بمنزلة العلّة للحكم ، بمعنى أنّ الحكم إنّما يثبت للموضوع متى ما استجمع الموضوع جميع الخصوصيات والقيود المعتبرة فيه، فكانت تلك الخصوصيات المأخوذة في موضوع الحكم العقلي حيثياتٍ تقييدية ([2] )؛ إذ إنّ العقل لا ينشئ حكمه إلا مع ملاحظة الموضوع مقيّداً بتلك الخصوصيات والقيود، بحيث يكون لكلّ قيد منها دخل في تحديد الموضوع.

وعليه، فمتى انتفى قيد من تلك القيود، رأى العقل أنّ الموضوع قد تبدّل، وأنّ الموضوع الفعلي اللاحق مغاير للموضوع السابق؛ ومن ثمّ فإنّ إسراء الحكم من الموضوع الأول إلى الموضوع الثاني لا يكون إبقاءً للحكم على موضوعه فلا يكون من باب الاستصحاب، بل يكون من باب إسراءً للحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وهو مما لم تثبت حجيته . ومن هنا كانت هذه الخصوصيات، من حيث دخلها في تحديد الموضوع، حيثياتٍ تقييدية.

ومن أمثلة ذلك: قيد الاجتهاد في الموضوع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي؛ فإنّ الاجتهاد حيثية تقييدية يدور الحكم مدارها، ولا يكون الحكم دائراً مدار ذات زيد أو عمرو. فمتى زال الاجتهاد أو اختلّ، تغيّر الموضوع، ولم يكن لبقاء سائر الخصوصيات، كالعدالة أو الضبط أو الذكورة أو الحياة، أثرٌ في بقاء الحكم؛ لأنّ هذه الخصوصيات خارجة عن الحيثية التقييدية التي يدور الموضوع مدارها، وهي خصوصية الاجتهاد.

والقسم الآخر هو الحيثيات التعليلية، ([3] )وهي الحيثيات التي لا تكون داخلةً في قوام الموضوع، وإنّما تكون مناطاً للحكم وعلّةً لترتّبه عليه.

ومثال ذلك قولنا: "أكرم زيداً لأنّه عالم"، فإنّ حيثية العلم هنا حيثية تعليلية؛ إذ إنّ العلم لم يؤخذ جزءاً من موضوع الحكم، وإنّما ذُكر بوصفه علّةً للحكم بوجوب الإكرام. وعليه، يمكن أن يثبت وجوب إكرام زيد بدليل آخر، ككونه عادلاً، مع بقاء الموضوع، وهو ذات زيد، محفوظاً.

ولتطبيق ذلك في صياغة القضايا الشرعية: ذكر الأعلام في مقام بيان كيفية صياغة القضية الشرعية صورتين:

الصورة الأولى: أن يقال: "الماء المتغيّر ينجس"، أو "الماء المتغيّر يتنجّس بملاقاة النجاسة". وتُحمل هذه الصياغة على كون التغيّر حيثيةً تقييدية؛ لأنّ الموضوع ليس مطلق الماء، وإنّما هو خصوص الماء المتغيّر، فالتغيّر داخل في قوام الموضوع ومقوّم له. وعليه، متى انتفى التغيّر، انتفى الموضوع بهذا العنوان، ولم يعد الموضوع هو بعينه الموضوع الذي تعلّق به الحكم.

الصورة الثانية: أن يقال: "إذا تغيّر الماء فهو نجس". فالموضوع في هذه الصياغة هو ذات الماء، وأمّا التغيّر فهو حيثية تعليلية طارئة عليه؛ إذ يكون التغيّر علّةً لثبوت النجاسة للماء، لا جزءاً من قوام موضوع الحكم. فإذا زال التغيّر، بقي ذات الماء محفوظاً بحسب النظر العرفي، وإن ارتفعت الحيثية التي كانت منشأً لثبوت الحكم.

وعليه، فإذا كان الحكم وارداً على عنوان "الماء المتغيّر"، وأردنا إثباته للماء بعد زوال التغيّر، كان ذلك إسراءً للحكم من موضوع إلى موضوع آخر؛ لأنّ الماء المتغيّر غير الماء غير المتغيّر بحسب فرض أخذ التغيّر قيداً في الموضوع و بنحو الحيثية التقيدية . وأمّا إذا كانت القضية مصاغةً بنحو "إذا تغيّر الماء فهو نجس"، فالموضوع هو ذات الماء، والتغيّر حيثية تعليلية؛ لأنّنا نعلّل ثبوت النجاسة بالتغيّر، فإذا ارتفع التغيّر بقي الموضوع، بحسب النظر العرفي، محفوظاً.

وحينئذٍ يتصوّر جريان الاستصحاب؛ لأنّ المدار في إحراز بقاء الموضوع وعدم تبدّله إنّما هو على النظر العرفي، لا على مجرد الدقة العقلية في تحليل الموضوع. وهذا المطلب وثيق الصلة ببحثنا، وسيأتي توظيفه في محلّه، وإنّما المهم هنا هو ضبط الفرق بين الحيثية التقييدية والحيثية التعليلية في الهامش( الحيثيّة التقييديّة هي ما كان القيدُ فيها جزءاً مقوّماً للموضوع وداخلاً في حقيقته بحيث يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً.

وأمّا الحيثيّة التعليليّة فهي ما كان الوصفُ فيها خارجاً عن الموضوع ومجرّد علّةٍ أو واسطةٍ لثبوت الحكم له، فلا يزول الموضوع بزواله.)

؛لما له من أثر مباشر في إحراز وحدة الموضوع بين القضية المتيقنة والقضية المشكوكة.

واشتراط وحدة الموضوع بين القضية المتيقنة والمشكوكة.

وقد تعرّض صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في مستهلّ مباحث الاستصحاب لمسألتين أساسيتين، هما: لزوم وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة، واشتراط وحدة الموضوع بينهما. كما أفرد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) تنبيهاً مستقلاً في خاتمة تنبيهات الاستصحاب لبيان هذا الشرط والتأكيد عليه. وهذان المطلبان من أهمّ المباحث المرتبطة بحقيقة الاستصحاب وحدود جريانه.

وقد أورد صاحب الكفاية إشكالاً على ما قد يُستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري، وحاصل الإشكال: أنّ الاستصحاب إنّما يجري عند طروء الشك في بقاء الحكم بسبب تبدّل بعض حالات الموضوع، فإن قيل: إنّ تبدّل حالات الموضوع يوجب تعدّد الموضوع ومغايرته للموضوع السابق بحسب الدقة العقلية، فكيف يمكن إحراز وحدة الموضوع التي يتوقف عليها جريان الاستصحاب؟

وقد أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بما ذكره في الكفاية، حيث قال: "وَيَنْدَفِعُ هَذَا الْإِشْكَالُ، بِأَنَّ الِاتِّحَادَ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ بِحَسَبِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَحِيصَ عَنْهُ فِي جَرَيَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاتِّحَادُ بِحَسَبِ نَظَرِ الْعُرْفِ كَافِياً فِي تَحَقُّقِهِ" ([4] )وحاصل مرامه: أنّ وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة أمر لا بدّ منه في جريان الاستصحاب، إلا أنّ المعيار في إحراز هذه الوحدة ليس هو الدقة العقلية والتحليل الفلسفي، بل النظر العرفي؛ لأنّ أدلة الاستصحاب واردة بلسانٍ عرفي، والخطاب فيها موجّه إلى العرف.

ولتوضيح ذلك، فإنّ زيداً الموجود خارج المكان يغاير زيداً الموجود داخله بحسب التحليل العقلي الدقيق؛ لأنّ اختلاف العوارض والقيود يوجب اختلاف الموضوع بالدقة الفلسفية، إلا أنّ العرف لا يرى فرقاً بين زيد صباحاً وزيد مساءً، أو بين كونه داخل القاعة وخارجها، بل يرى أنّ الذات باقية على وحدتها، وأنّ تلك الخصوصيات من الحالات الطارئة التي لا توجب تعدّد الموضوع.

ومن هنا يظهر دفع الشبهة المتقدمة؛ إذ قد يقال: كيف يتطرّق الشك إلى القضية الواحدة؟ فإن كانت القضية المتيقّنة محفوظة بعينها امتنع الشك فيها، وإن طرأ الشك فلا بدّ أن يكون ناشئاً عن تبدّل بعض الحالات والخصوصيات، ومع تبدّلها يتعدّد الموضوع، فينسدّ باب الاستصحاب من أساسه.

وقد أجاب الآخوند بأنّ هذا التعدّد إنّما هو بحسب النظر العقلي البرهاني، وأمّا بحسب النظر العرفي فالموضوع محفوظ بوحدته، ولذلك استقرّ رأي المتأخرين على أنّ المدار في إحراز وحدة موضوع الاستصحاب إنّما هو على النظر العرفي، لا على الدقة العقلية.

 

ثمّ فرّع صاحب الكفاية على ذلك بقوله: "بِلَا تَفَاوُتٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ دَلِيلِ الْحُكْمِ نَقْلًا أَوْ عَقْلًا" ([5] )ومقتضى هذا الكلام أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون الحكم الثابت ابتداءً مستنداً إلى دليل نقلي أو إلى دليل عقلي؛ لأنّ الملاك في كلا الموردين هو صدق بقاء الموضوع عرفاً.

أمّا في الأحكام المستندة إلى الأدلة النقلية، فالأمر واضح؛ لأنّ أدلة الاستصحاب نفسها واردة بلسان العرف. ومن أوضح شواهد ذلك صحيحة زرارة الأولى، حيث قال: "قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَنَامُ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، أَتُوجِبُ الْخَفْقَةُ وَالْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، قَدْ تَنَامُ الْعَيْنُ وَلَا يَنَامُ الْقَلْبُ وَالْأُذُنُ… إلى أن قال: وَإِلَّا فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ، وَلَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ وَلَكِنْ يَنْقُضُهُ بِيَقِينٍ آخَرَ"([6] ). فإنّ المكلّف كان متيقّناً بالوضوء، ثم طرأت عليه الخفقة والخفقتان، فحصل الشك في بقاء الطهارة. ولا ريب أنّ الموضوع قبل عروض الشك وبعده مختلف بالدقة العقلية؛ لأنّ عنوان "المتيقّن" غير عنوان "الشاكّ"، إلا أنّ الإمام (عليه السلام) ألغى هذه الفوارق الدقيقة، وبنى على الوحدة العرفية للموضوع.

وعليه، فإنّ إعطاء حكم المتيقّن للشاكّ يكون ـ بحسب الدقة العقلية ـ إسراءً للحكم من موضوع إلى موضوع آخر، إلا أنّ الشارع المقدّس لم يلحظ الموضوع بهذا النحو الدقيق، بل ألقى خطابه إلى العرف، والعرف يرى أنّ الشك واليقين من الحالات الطارئة التي لا توجب تبدّل الذات ولا تعدّد الموضوع، بل يبقى الموضوع محفوظاً على وحدته، ومن هنا صحّ جريان الاستصحاب.

وهذا واضح في الدليل النقلي، وإنّما الشأن في الدليل العقلي، وهو الإشكال الذي أثاره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، فلنلتفت إلى ما أفاده صاحب الكفاية في تحرير هذا المطلب.

ثم قال(قده) في الكفاية: "وأمّا الثاني ـ وهو الحكم الشرعي المستند إلى العقلي ـ فلأنّ الحكم الشرعي المستكشف به عند طروّ انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه ممّا لا يُرى مقوّماً له، كان مشكوك البقاء عرفاً لاحتمال عدم دخله فيه واقعاً، وإن كان لا حكم للعقل بدونه واقعاً" ( )ومدار البحث هنا على مطلبين أساسيين:

المطلب الأول: جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بما هو حكم عقلي، بمعنى أنّه إذا ثبت حكم العقل لموضوعٍ ثم طرأت حالةٌ جديدة، فهل يمكن استصحاب ذلك الحكم العقلي عند الشك في بقائه؟

المطلب الثاني: جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف بالحكم العقلي، وهو عمدة البحث ومحلّ كلام الأعلام؛ إذ يقع الكلام في أنّ الحكم الشرعي الذي كُشف عنه بواسطة حكم العقل هل يمكن استصحابه عند تبدّل بعض حالات الموضوع، مع بقاء الموضوع بحسب النظر العرفي؟

وتحليل عبارة صاحب الكفاية يقتضي التفصيل فيما يطرأ عليه الانتفاء؛ فإنّ القيد الذي ينتفي عن الموضوع ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يكون القيد المرتفع مقوّماً لموضوع الحكم عند العقل، بحيث يرى العقل أنّ انتفاءه يوجب انتفاء الموضوع، ومن ثمّ لا يبقى مجال لاستصحاب الحكم؛ لأنّ الموضوع الذي كان الحكم ثابتاً له قد ارتفع بحسب النظر العقلي.

القسم الثاني: أن يكون القيد المرتفع ممّا يُحتمل دخله في الحكم، إلا أنّه لا يُرى مقوّماً للموضوع عرفاً؛ بمعنى أنّ العرف يرى الموضوع باقياً على وحدته، وإن كان يحتمل أن يكون لهذا القيد دخل في ثبوت الحكم واقعاً. ففي هذه الصورة يكون الحكم الشرعي المستكشف بالدليل العقلي مشكوك البقاء عرفاً، لاحتمال أن لا يكون القيد المرتفع دخيلاً في موضوع الحكم واقعاً، وإن كان العقل لا يحكم بذلك الحكم عند انتفاء القيد.

وهنا تظهر ثمرة التفريق بين النظر العقلي والنظر العرفي؛ فإنّ عدم حكم العقل عند انتفاء القيد لا يساوق بالضرورة انتفاء الموضوع عرفاً، ولا يقتضي سقوط الحكم الشرعي المستكشف منه؛ إذ يمكن أن يكون القيد ممّا لا يحكم العقل بدونه، مع بقاء الموضوع عرفاً، فيتحقّق الشك في بقاء الحكم الشرعي، وهو مورد البحث في جريان الاستصحاب.

وبيان ذلك: أنّ العقل حين يحكم بشيء، لا بدّ أن يشخّص موضوع حكمه بتمام ما له دخل فيه بحسب إدراكه؛ فإذا انتفى حكم العقل، بمعنى أنّه توقّف عن الحكم وقال: "لا أحكم"، فقد يكون منشأ ذلك انتفاء قيدٍ لا يكون مقوّماً للموضوع واقعاً، وإنّما لم يدرك العقل بقاء الملاك مع انتفائه. وعليه، يمكن أن تكون دائرة الموضوع في الحكم الشرعي أوسع من دائرة ما أدركه العقل؛ إذ قد يرى العقل انتفاء حكمه لزوال قيدٍ لم يكن مقوّماً للموضوع في الواقع، وإنّما كان دخله مفترضاً في دائرة إدراك العقل، بينما يكون ذلك القيد غير مقوّم للموضوع في نظر الشارع، فيبقى الحكم الشرعي ثابتاً واقعاً.

وسيأتي ـ في محلّه ـ ما أورده الشيخ الحلي (قده) على ما أفاده الأعلام في هذا المقام. كما أشار المحقق النائيني إلى أنّ العقل قد يحكم بثبوت الحكم من باب الأخذ بالقدر المتيقّن في مقام إدراك الملاك، لا من جهة إحراز أنّ جميع تلك القيود دخيلة في الملاك واقعاً؛ ومن ثمّ، فإنّ انتفاء بعض القيود قد يوجب توقّف العقل عن الحكم، من دون أن يستلزم ذلك انتفاء الحكم الشرعي واقعاً.

أصل المطلب وتحرير محل النزاع

يمكن تحرير محل النزاع بأنّ الشيخ الأعظم يرى أنّ الحكم يدور مدار حكم العقل ثبوتاً ونفياً؛ إذ لا يتصوّر عنده حدّ وسط بين الأمرين: فإمّا أن يُحرز العقل ثبوت الحكم، فيثبت الحكم الشرعي على طبق الملازمة، وإمّا أن لا يحكم العقل به، فلا يثبت الحكم الشرعي المستكشف منه؛ لأنّ الموضوع الذي يدركه العقل بجميع قيوده هو بعينه الموضوع الذي يدور الحكم الشرعي المستكشف مدارَه.

وسيأتي توضيح ذلك من خلال المثال المعروف في قبح الكذب؛ إذ يظهر من خلاله أنّ العقل، عند تغيّر بعض الخصوصيات والقيود، إمّا أن يحرز بقاء الملاك والحكم، وإمّا أن يتوقف عن الحكم، وحينئذٍ يقع الكلام في أنّ توقّف العقل هل يساوق انتفاء الحكم الشرعي واقعاً، أو أنّه يمكن أن يكون الحكم الشرعي باقياً مع عدم إدراك العقل له.

ووجه تقريب الحدّ الوسط عند القائلين بإمكانه: أنّ العقل حين يحكم بشيء، يشخّص موضوع حكمه بما يراه دخيلاً فيه من الخصوصيات والقيود، إلا أنّه عند توقّفه عن الحكم لا يلزم أن يكون قد أحرز انتفاء الموضوع واقعاً، بل قد يكون منشأ توقّفه عدم إحراز بقاء الملاك مع انتفاء القيد الزائل. ومن هنا يمكن أن يكون ذلك القيد غير مقوّم لموضوع الحكم في الواقع، وإن كان العقل لا يحكم مع انتفائه.

وعليه، لا يلزم الشارعَ في جانب السلب أن يتبع العقل كما يتبعه في جانب الإثبات؛ فالملازمة إنّما تقتضي أنّه إذا حكم العقل ثبت الحكم الشرعي على طبقه، وأمّا إذا لم يحكم العقل فلا ملازمة تقتضي عدم حكم الشارع. بل يمكن أن يحكم الشارع؛ لأنّ دائرة موضوع الحكم الشرعي قد تكون أوسع من دائرة ما أدركه العقل، فيرى الشارع أنّ القيد الزائل لادخل له في الملاك واقعاً، وإن كان العقل قد توقّف عن الحكم عند انتفائه لعدم إحراز بقاء الملاك معه.

وحينئذٍ، فمع بقاء الموضوع عرفاً واحتمال بقاء الحكم الشرعي، يتحقّق الشك في بقاء الحكم، فيتّجه البحث عن جريان الاستصحاب.

والحاصل: أنّ كلا الأمرين في غاية الأهمية؛ فإنّ الشيخ الأعظم ينفي تحقّق الشك في هذا المورد، ويرى أنّ الأمر يدور بين اليقين ببقاء الحكم واليقين بارتفاعه، فلا يتحقّق الشك الذي هو الموضوع لجريان الاستصحاب. وهذا بخلاف ما ذهب إليه المحقق الآخوند (قدّس سرّه) وتلميذه، والسيد المجدد الشيرازي (قدّس سرّه)، من إمكان تصوير الشك في بقاء الحكم الشرعي عرفاً؛ إذ إنّ إمكان جريان الاستصحاب في المقام يتوقف أساساً على إمكان تصوير هذا الشك.

وسيتّضح فيما يأتي مسلك المحقق الآخوند (قدّس سرّه)، إمّا على الوجه الذي تقدّم بيانه، وإمّا بما يمكن تقريره من احتمال وجود ملاك آخر عند العقل مساوٍ لهذا الملاك؛ بحيث إذا ارتفع أحد الملاكين ارتفع حكم العقل، مع بقاء الملاك الآخر على حاله، فيمكن للشارع حينئذٍ أن يحكم على أساسه.

وسواء تمّ هذا البيان أم لم يتمّ، فإنّ ما سيأتي من كلمات الأعلام ومناقشاتهم كفيلٌ بإيضاح حقيقة المطلب. إلا أنّ العمدة في هذا المبحث تتمثل في بيان كيفية زعزعة المبنى الذي أسّسه الشيخ الأعظم (رضوان الله تعالى عليه)، والقائم على استحالة تحقّق الشك في الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي في هذا المورد؛ إذ المطلوب أولاً إثبات إمكان تحقّق الشك، ليتسنّى بعد ذلك البحث في إمكان جريان الاستصحاب على أساسه.

وتتمّة عبارة الكفاية تمثّل الركيزة الأساسية في تقرير نظريتهما؛ إذ يقول (قده): "لأنّ الحكم الشرعي المستكشف به عند طروّ انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه ممّا لا يُرى مقوّماً له كان مشكوك البقاء عرفاً".

والوجه في ذلك: أنّ القيد الذي طرأ عليه الانتفاء يُحتمل أن يكون دخيلاً في موضوع الحكم، كما يُحتمل عدم دخله فيه واقعاً، ولم يُحرَز أنّه قيد حقيقي مقوّم للموضوع بحيث يكون انتفاؤه مستلزماً لانتفاء الحكم لا محالة؛ ومن ثمّ، فإنّ ارتفاعه لا يوجب الجزم بارتفاع الحكم، بل يبقى الحكم الشرعي مشكوك البقاء.

وتوضيح ذلك بالمثال: أنّه إذا استقلّ العقل بحكمٍ عملي في موضوعٍ معيّن، فلا بدّ من مطابقة الحكم الشرعي له، بناءً على قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. والوجه في هذه الملازمة ـ بحسب ما أفاده الأعلام ـ أنّ الشارع رئيس العقلاء وواهب العقل، وعلى هذا الأساس، فإذا ثبت حكم العقل في موردٍ ثبت الحكم الشرعي على طبقه، وأمّا إذا طرأ انتفاء قيدٍ احتملنا دخله في الموضوع، من دون أن يكون مقوّماً له بحسب النظر العرفي، فلا يلزم من توقّف العقل عن الحكم ارتفاع الحكم الشرعي واقعاً؛ إذ يحتمل أن يكون ذلك القيد غير دخيل في الملاك الواقعي للحكم الشرعي، وإن كان العقل قد توقّف عن إدراك الحكم عند انتفائه. ومن هنا يتصوّر الشك في بقاء الحكم الشرعي، وهو الأساس الذي يبتني عليه القول بإمكان جريان الاستصحاب في المقام.

ومثال ذلك ما ذكروه من استقلال العقل بحسن الصدق لكونه عدلاً، وبقبح الكذب لكونه ظلماً. فالصدق عبارة عن الإخبار المطابق للواقع، ويحكم العقل بحسنه من جهة كونه مصداقاً للعدل، وأمّا الكذب فهو الإخبار المخالف للواقع، ويحكم العقل بقبحه من جهة كونه مصداقاً للظلم.

فإذا فُرض ثبوت هذا الإدراك العقلي، فلا بدّ ـ بناءً على قاعدة الملازمة ـ من أن يثبت للشرع حكم على طبقه، فيأمر بالصدق وينهى عن الكذب. وهذا المقدار متّفق عليه في أصل الملازمة.

غير أنّ صاحب الكفاية يقرّر أنّ عدم استقلال العقل بالحكم ـ لعدم إحرازه بقاء الحسن أو القبح عند انتفاء بعض الخصوصيات ـ لا يستلزم بالضرورة عدم الحكم الشرعي أيضاً؛ وذلك لأنّ توقّف العقل عن الحكم لا يكشف عن انتفاء الحكم الشرعي واقعاً، فقد يكون الحكم الشرعي ثابتاً مع عدم إدراك العقل له.

والوجه في ذلك أنّ "الملازمة إنّما تكون في مقام الإثبات والاستكشاف، لا في مقام الثبوت"؛ بمعنى أنّ حكم العقل يكون كاشفاً عن ثبوت الحكم الشرعي، فإذا أدرك العقل الحسن أو القبح ثبت الحكم الشرعي على طبقه، وأمّا عدم إدراك العقل للحكم فلا يكون كاشفاً عن عدم ثبوت الحكم الشرعي؛ فالملازمة جارية في جانب الإثبات، دون جانب النفي.

وعليه، فإذا طرأت خصوصيةٌ يحتمل دخلها في مناط الحكم، وانتفت فتوقّف العقل عن إدراك بقاء الحسن أو القبح، أمكن مع ذلك أن يكون الحكم الشرعي باقياً واقعاً؛ لأنّ عدم إدراك العقل لا يساوق عدم الحكم الشرعي، ومن هنا يتصوّر الشك في بقاء الحكم الشرعي، وهو الأساس الذي يبتني عليه البحث في جريان الاستصحاب في المقام.

تحقيق في إدراكات العقل العملي وتطبيقها على قبح الكذب وحرمته

تنبيهٌ وتحقيق: ينبغي الالتفات هنا إلى أنّ مدار البحث كلّه منعقدٌ على إدراكات العقل العملي؛ أي ما يدركه العقل من حسن الأفعال وقبحها. ومثال ذلك حسن الصدق وقبح الكذب فتارةً يلحظ الكذب بعنوانه الذاتي المجرّد، وتارةً يلحظ بما هو مصداقٌ للظلم.

فإن قيل: ما المراد بالظلم في باب الكذب حينما علّل العقل قبحه بكونه ظلماً؟

قلنا: مقتضى كونه ظلماً هو إيقاع المخاطَب في الجهل وتغريره بإخباره بخلاف الواقع؛ فالإنسان حينئذٍ يظلم غيره من جهة حمله على اعتقاد ما لا واقع له، والظلم دائرٌ مدار سلب حقّ الغير أو منع الغير من حقه ؛ إذ إمّا أن يعتدي المكلّف بسلب حقّ غيره فيكون ظالماً، وإمّا أن يمنعه من استيفاء حقّه. ومن هنا امتنع تصوّر الظلم في حقّ الباري جلّ وعلا؛ لانتفاء ثبوت حقٍّ لأحدٍ في قباله سبحانه حتى يُتصوّر سلبه أو منعه. والحاصل: أنّ الطرف المقابل كأنّ له حقّاً في تلقّي الأمور على واقعها؛ وإلا فمجرد الإخبار بخلاف الواقع — مع غضّ النظر عن المخاطَب — لا يتّضح فيه وجه الظلم: أهو ظلمٌ للنفس؟ مع أنّ المتكلّم ملتفتٌ وعامدٌ إلى إخباره حين يقول مثلاً: "أمطرت السماء»" فلا يتحقّق الظلم بالنسبة للمتكلّم نفسه، بل بلحاظ إيقاع الغير في خلاف الواقع.

ويتفرّع على هذا التفريق أثرٌ مهمّ: وهو أنّ تحريم الكذب بعنوانه الأوّلي شيء، وتحريمه بلحاظ كونه ظلماً شيءٌ آخر.

فإذا كان تحريم الكذب بلحاظ عنوان الظلم، فلو فرضنا أنّ المتكلّم كذب في موضعٍ لا يسمعه فيه أحد، فهل يترتّب عليه عنوان الحرمة حينئذٍ؟ أو تكلّم بلغةٍ لا يفهمها أحد، فهل يمثّل ذلك حرمةً عليه؟

وتارةً يُقال: إنّ الكذب بما هو كذب — أي بما هو عنوانٌ مستقلّ — محرّمٌ شرعاً.

ومقتضى التحقيق بالرجوع إلى مناسبات الحكم والموضوع (هامش مناسبات الحكم والموضوع: هي المرتكزات الذهنية والقرائن الارتكازية العرفية التي يُستكشف بها مراد الشارع، ويُحدَّد بها سعة موضوع الحكم وضيقه بحسب ما يراه العرف ملائماً لطبيعة ذلك الحكم.) ، لعلّ المراد من الكذب المحرّم ما كان في ظرف وجود سامع؛ فلو جلس الإنسان في غرفته منفرداً وهو ملتفت، وتحدّث بحديثٍ مخالفٍ للواقع، فأين يقع المحذور إذا كان الملاك هو الظلم؟ إذ هو لم يظلم أحداً في هذا الفرض.

والمتحصّل من مراجعة الروايات أنّ مناسبات الحكم والموضوع قد تقتضي اختصاص حرمة الكذب بما إذا وُجد سامعٌ يُلقى إليه الكلام، بحيث يتحقّق إيقاعه في الغرر من خلال نقل خلاف الواقع إليه. وإن كان قد يُحتاط ـ في كلمات بعض الفقهاء ـ في فرض تكلّم الإنسان بما يخالف الواقع من دون وجود سامع، بلحاظ جهة القباحة المحتملة في نفس الفعل.

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه العناوين قد لا تتحقّق إذا تكلّم الشخص بينه وبين نفسه؛ إذ لا يوجد حينئذٍ مخاطَب يُراد إفهامه خلاف الواقع، ولا يتحقّق إيقاع الغير في الجهل أو تغريره به.

وأمّا حقيقة الإخبار: فإنّ نظرية المشهور تختلف عن مسلك السيد الخوئي (قده) في حقيقة الإخبار والإنشاء؛ فالمشهور يرى أنّ الإخبار عبارة عن الحكاية عن النسبة التامة، في مقابل الإنشاء الذي يكون مفاده إيجاد المعنى باللفظ.

وأمّا السيد الخوئي (قده) فيرى أنّ الإنشاء ليس إيجاداً للمعنى باللفظ، وإنّما هو إبراز للاعتبار النفساني باللفظ، كما يرى أنّ الإخبار عبارة عن إبراز قصد الحكاية عن أمرٍ ما بالمظهر الخارجي.

وعليه، فالفارق بين المسلكين يرجع إلى حقيقة ما يحقّقه المتكلّم باللفظ؛ فبحسب المشهور يكون الإخبار حكايةً عن النسبة التامة، ويكون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ، بينما بحسب مسلك السيد الخوئي يكون الإنشاء إبرازاً للاعتبار النفساني، ويكون الإخبار إبرازاً لقصد الحكاية بالمظهر الخارجي.

فعلى كلا المسلكين يرد التساؤل نفسه: لو أبرز المتكلّم قصد الحكاية وأظهره بالمظهر الخارجي، ولكن من دون وجود سامعٍ يتوجّه إليه الكلام، فهل تثبت الحرمة حينئذٍ، أو أنّ الحرمة تترتّب على الإخبار عند وجود المخاطَب وتحقّق جهة التغرير به؟

وهذا بحث آخر يُطلب في محلّه، وإنّما الغرض هنا هو البناء على ما سيق لأجله الكلام، وبيان أثر هذا التفصيل في محلّ البحث.

وتعود الى ما ذكر في صاحب الكفاية (قدس) : "إذ التلازم بين الحكم الشرعي والحكم العقلي في القضايا التي دليل الحكم فيها هو العقل، إنّما هو في مقام تحقّق الحكم وثبوته، لا في مقام عدم الحكم. وتأتي تتمّة كلامه، وهي التي يبتني عليها توضيح الفرق بين ثبوت الحكم الشرعي عند حكم العقل، وبين انتفائه عند عدم حكم العقل.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]


[1] - هذه الملازمة تبحث مفصلاً في مباحث حجية الدليل العقلي والملازمات العقلية.
[2] - الحيثية التقيدية: هي القيد الذي يكون جزءاً مقوماً لموضوع الحكم بحيث يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، وتمايز الموضوعات بتمايزها.
[3] - الحيثية التعليلية: هي الواسطة في الثبوت والمناط الذي يترتب عليه جعل الحكم على الذات، من دون أن تكون جزءاً من الموضوع المقوِّم له.
[4] - كفاية الأصول، ص386.
[5] - المصدر نفسه.
[6] - الطوسي، محمد بن الحسن. تهذيب الأحكام. ج1، ص8، ح11.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo