« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/04

بسم الله الرحمن الرحيم

راي الشيخ الاعظم (قدس)/التنبيه الثالث /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/التنبيه الثالث /راي الشيخ الاعظم (قدس)

لازال الكلام فيما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، في ذيل التنبيه الثالث من التطبيقات منها: المسألة الفقهيّة المعروفة، والتي تقدم الكلام فيها : من أنّ المصلّي إذا نسي جزءاً من أجزاء صلاته وأتى بها ناقصةً، ثم تذكّر بعد ذلك، فهل يتوجّه إليه التكليف بالإعادة في الوقت أو القضاء في خارجه، أو لا؟

فقد ذهب المشهور إلى وجوب الإعادة أو القضاء؛ بناءً على أنّ المأتيّ به الناقص لا يُجزي عن المأمور به التامّ، ولا دليل على إجزاء الناقص وسقوط التكليف به. وفي مقابل ذلك، نُسب إلى المحقّق القمّي، صاحب "القوانين"، القول بالإجزاء، وقد قُرّب هذا القول بالتمسّك باستصحاب عدم التكليف؛ بدعوى أنّ الناسي حال نسيانه لا يتوجّه إليه التكليف، فإذا ارتفع النسيان وتذكّر الجزء المنسيّ شُكّ في تجدّد التكليف وتوجّهه إليه بالإعادة أو القضاء، فيُستصحب عدم التكليف الثابت في حال النسيان إلى ما بعد التذكّر.

إلّا أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) اعترض على هذا التقريب، ومنع من صحّة التمسّك بالاستصحاب في المقام بما أفاده ؛ من أنّ الحكم بعدم توجّه التكليف إلى الناسي حال نسيانه إنّما هو حكم عقلي، فالعقل يحكم بقبح توجيه الخطاب إلى الناسي من حيث هو ناسٍ، والحكم العقلي لا يجري فيه الاستصحاب([1] ).

وبهذا، تكون هذه المسألة من التطبيقات التي استعان بها الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لتوضيح ما أسّسه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة.

ومنها : إنّ الأصول العمليّة تارةً يكون مدركها الشرع، وأُخرى يكون مدركها العقل، وقد جرت عادة الأصوليّين على تقديم البحث عن الأصول العقليّة، وهما: "البراءة العقليّة" و"الاشتغال العقليّ".

أمّا البراءة العقليّة، فمدركها قاعدة "قبح العقاب بلا بيان"، ومفادها: أنّ العقل يستقلّ بقبح معاقبة المولى لعبده على فعلٍ أو تركٍ ما لم يبيّن له التكليف المتعلّق به. والتعبير بـ"قبح العقاب بلا بيان" تعبيرٌ أصوليّ مدرسيّ اشتهر على ألسنة الأصوليّين عنواناً لهذه القاعدة العقليّة، وليس لفظاً مأخوذاً بعينه من دليلٍ شرعيّ.

وأمّا البراءة الشرعيّة، فمدركها الأدلّة اللفظية النقليّة، كحديث الرفع الشريف في قوله (صلّى الله عليه وآله): "وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ: الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا لَا يَعْلَمُونَ…" ([2] )، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ([3] )فالفرق بين البرائتين من ناحية المدرك: أنّ الدالّ على إحداهما هو العقل، والدالّ على الأخرى هو الشرع.

وليس محلّ الكلام هنا في البراءة الشرعيّة ولا في الاشتغال الشرعيّ، وإنّما الكلام في جريان الاستصحاب في الحكم العقلي؛ فلو أُريد التمسّك بالاستصحاب في موردٍ كانت الحالة السابقة فيه ثابتةً بحكم العقل، وقع الكلام في صحّة هذا الاستصحاب.

فمن تطبيقات جريان الاستصحاب في الحكم العقلي ما ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بقوله: "ما إذا قُطِعَ بالبراءة عن وجوب غسل الجمعة والدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع ـ أو العثور عليه ـ فإنّ مجرّد الشكّ في حصول الاشتغال كافٍ في حكم العقل بالبراءة، ولا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة ـ أي استصحاباً ـ والحكم بعدم ارتفاعها ظاهراً" ([4] )وتوضيح المطلب: أنّه لو فُرض عدم قيام أيّ بيانٍ شرعيّ على وجوب غسل الجمعة أو الدعاء عند رؤية الهلال، كان المكلّف قاطعاً بعدم استحقاق العقاب على تركهما؛ لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان. فإذا ورد الشرع، ثم شكّ المكلّف في أنّ الشارع هل أوجب عليه غسل الجمعة أو الدعاء عند رؤية الهلال أم لا، كان هذا الشكّ شكّاً بدويّاً في أصل ثبوت التكليف، لا شكّاً في المكلَّف به بعد الفراغ عن أصل التكليف.

وقد يُتوهّم إمكان إجراء الاستصحاب في المقام، بتقريب أن يقال: إنّ المكلّف كان قبل ورود الشرع قاطعاً بالبراءة وعدم التكليف، ثم بعد وروده شكّ في ثبوت التكليف، فيستصحب عدم التكليف السابق، ويحكم ظاهراً ببقاء البراءة.

إلّا أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) يمنع من هذا التقريب، ويمكن بيان وجه المنع بأمرين:

الأول: أنّ الملاك الذي استند إليه القطع بالبراءة في الحالة السابقة لم يرتفع في الحالة اللاحقة؛ فإنّ منشأ حكم العقل بالبراءة هو عدم البيان، وهذا المناط بعينه متحقّق في ظرف الشكّ؛ إذ المفروض أنّه لم يصل إلى المكلّف بيانٌ على ثبوت الوجوب. فالعقل بنفسه يستقلّ في الحالة اللاحقة بقبح العقاب بلا بيان، كما كان يستقلّ بذلك في الحالة السابقة. ومن ثَمَّ لا تصل النوبة إلى الاستصحاب لاثبات القبح في الحالة اللاحقة ؛ لأنّ البراءة ثابتة بالفعل بحكم العقل القطعي، فلا حاجة إلى إثباتها تعبّداً بالأصل العملي.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ الاستصحاب لو جرى لأثبت البراءة ظاهراً، مع أنّ العقل يحكم بالبراءة رأساً ما دام موضوع حكمه، وهو عدم البيان، متحقّقاً؛ فلا وجه للرجوع إلى الأصل العملي مع وجود الحكم العقلي القطعي.

الثاني: أنّ العقل لا يتطرّق إليه الشكّ في موضوع حكمه؛ لأنّه لا يحكم إلا بعد إحراز موضوعه بحدوده وقيوده كما تقدم . وموضوع حكمه في المقام هو "عدم البيان"، وهذا الموضوع متحقّق وجداناً في ظرف الشكّ؛ إذ المفروض عدم وصول بيانٍ من الشارع على ثبوت التكليف. وعليه، فالعقل لا يشكّ في بقاء حكمه حتى يُراد إحرازه بالاستصحاب، بل يستقلّ في الحالة اللاحقة بنفس الحكم الذي استقلّ به في الحالة السابقة، لتحقّق موضوعه في كلتا الحالتين.

ولتقريب المطلب نقول : لو قام دليلٌ لفظيّ على وجوب التصدّق على عشرة مساكين، فتصدّق المكلّف على خمسةٍ منهم، لم يكن له أن يتمسّك باستصحاب التكليف لإثبات وجوب التصدّق على الخمسة الباقين؛ لأنّ الدليل اللفظي نفسه قائمٌ على وجوب استيعاب العشرة، فلا تصل النوبة مع وجوده إلى الاستصحاب. والمثال إنّما هو للتقريب والتوضيح.

وكذلك الحال في المقام؛ فإنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان قائمٌ بنفسه ما دام البيان مفقوداً، فلا موجب للعدول عنه إلى استصحاب البراءة السابقة.

والحاصل: أنّ البراءة العقليّة لا تحتاج في بقائها إلى الاستصحاب؛ لأنّ موضوعها، وهو عدم البيان، كما كان متحقّقاً في الحالة السابقة فهو متحقّق في الحالة اللاحقة أيضاً، فيستقلّ العقل بقبح العقاب في كلتا الحالتين. ومن هنا لا يقال: إنّ البراءة السابقة تُستصحب، بل يقال: إنّ البراءة العقليّة ثابتةٌ بالفعل لتحقّق موضوعها، فلا مورد للاستصحاب مع بقاء الحكم العقلي قائماً بمناطه وموضوعه.

وأمّا الاشتغال العقلي: فلا بدّ في مورده من إحراز أصل التكليف وتنجّزه في عهدة المكلّف، بصرف النظر عن منشأ إحرازه، ولو كان دليلاً شرعيّاً؛ فإذا ثبت أصل التكليف وتردّد المكلَّف به بين أمرين أو أكثر، استقلّ العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني عمّا اشتغلت به الذمّة.

ومثاله: ما إذا علم المكلّف بوجوب الصلاة إلى القبلة، ولكن اشتبهت عليه جهة القبلة وتردّدت بين الجهات الأربع؛ فإنّ أصل التكليف بالصلاة إلى القبلة معلومٌ ومنجّز، وإنّما التردّد في تشخيص المكلَّف به، وحينئذٍ يستقلّ العقل بلزوم الإتيان بما يوجب إحراز الامتثال والفراغ اليقيني.

ومن هنا قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): "المثال الثاني ما إذا حكم العقل عند اشتباه المكلَّف به بوجوب السورة في الصلاة، ووجوب الصلاة إلى أربع جهات، ووجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة" ([5] )وحاصل مرامه: أنّ هذه الموارد من تطبيقات قاعدة الاشتغال العقلي؛ لأنّ المفروض فيها إحراز أصل التكليف وعدم التردّد في اشتغال الذمّة به، وإنّما وقع التردّد في المكلَّف به؛ لعدم إحرازه تفصيلاً. وحيث كان التكليف منجّزاً، استقلّ العقل بلزوم إحراز الفراغ عنه بالإتيان بجميع ما يتوقّف عليه اليقين بالامتثال.

ففي مثال القبلة، إذا كان المكلّف مأموراً بالصلاة إليها، ولكنه لم يعرف جهتها بعينها وتردّدت عنده بين الجهات الأربع، كان أصل التكليف محرزاً، والجهل إنّما تعلّق بتشخيص القبلة، فيحكم العقل بلزوم الإتيان بما يحرز معه امتثال ذلك التكليف. وعلى هذا الأساس، لو أتى المكلّف ببعض ما يقتضيه الاحتياط، كما لو صلّى إلى جهتين، ثم وقع الكلام في لزوم الإتيان بالباقي، فقد يُتوهّم إمكان إثبات ذلك بالاستصحاب؛ فيقال: إنّه كان قبل الشروع في الامتثال ملزماً بالصلاة إلى الجهات الأربع، وبعد الإتيان بصلاتين يشكّ في بقاء لزوم الإتيان بالباقي، فيستصحب ذلك.

إلّا أنّ هذا التقريب غير تامّ عند الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، وهو نظير ما تقدّم في البراءة العقليّة؛ لأنّ حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني لا يزال قائماً بنفسه، والمكلّف بعد الصلاة إلى جهتين لم يحرز فراغ ذمّته عن التكليف المنجّز، فلا حاجة إلى الاستصحاب لإثبات لزوم الإتيان بالباقي، بل العقل بنفسه يحكم بلزومه ما دام اليقين بالفراغ لم يحصل.

والنكتة في ذلك: أنّ المناط في حكم العقل ليس بقاء العلم التفصيلي بالتكليف في كلّ آن، وإنّما المناط إحراز فراغ الذمّة عمّا ثبت اشتغالها به؛ فما دام المكلّف لم يحرز الفراغ، بقي حكم العقل بلزوم تحصيله. ومن هنا لا يكون تبدّل حال المكلّف، من العلم بوجود التكليف الفعلي في السابق إلى عدم العلم بوجوده فعلاً في اللاحق، موجباً لتغيّر حكم العقل؛ لأنّ ذلك لا يحقّق اليقين بالفراغ.

ولهذا قال الشيخ (قدّس سرّه): "بل إذا كانت الحالة السابقة لم تكن إلا بحكم العقل الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف»، ثم قال: «نعم، الفرق بين هذا الزمان والزمان السابق حصول العلم بوجود التكليف فعلاً بالواقع في السابق وعدم العلم به في هذا الزمان، وهذا لا يؤثر في حكم العقل المذكور" ([6] )

وعليه، فإذا كان اليقين بالفراغ لا يحصل إلا بالصلاة إلى الجهات الأربع، لم يسقط حكم العقل بالإتيان بالباقي بمجرّد الصلاة إلى جهتين أو ثلاث؛ كما أنّه في مثال السورة لا يحصل الفراغ اليقيني إلا بالإتيان بما يحرز معه امتثال التكليف، وفي الشبهة المحصورة لا يحصل ذلك إلا بما يقتضيه حكم العقل من الاجتناب عن أطرافها.

والحاصل: أنّ مورد الاشتغال العقلي نظير مورد البراءة العقليّة من هذه الجهة؛ فكما أنّ العقل في مورد البراءة يستقلّ بقبح العقاب ما دام البيان مفقوداً، كذلك يستقلّ في مورد الاشتغال بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني ما دام التكليف منجّزاً ولم يُحرز امتثاله. ففي كلا الموردين يكون حكم العقل قائماً بالفعل بقيام موضوعه، فلا تصل النوبة إلى استصحاب الحالة السابقة.

تنبيه: قد تركنا البحث في موضعين من كلام الشيخ (قدّس سرّه) تجنّباً للاطالة:

الأول: البحث في أنّ ما ذكره هل يختصّ بالحكم العقلي المستقلّ، أو يشمل الحكم العقلي غير المستقلّ أيضاً.

والثاني: البحث في أنّ مدرك حجّية الاستصحاب هل هو التعبّد الشرعي المحض المستفاد من الأخبار، أو إفادته الظنّ بالبقاء بناءً على عدّه دليلاً عقليّاً؛ فإنّ البحث يختلف باختلاف المبنى في حجّية الاستصحاب، وسيأتي ما يرتبط بذلك في محلّه.

تحرير المطلب عند الشيخ الأعظم: ثم انه يمكن استخلاص ضابطةٍ كلّية من مجموع ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في المقام، وجعلها أساساً لما سيأتي من كلمات الأعلام، وهي التفصيل في جريان الاستصحاب بلحاظ سنخ الدليل الذي ثبت به المستصحب.

فإن كان المستصحب حكماً شرعيّاً ثبت بدليلٍ نقلي، من كتابٍ أو سنّة، فلا مانع من هذه الجهة عن جريان الاستصحاب فيه، مع استجماع سائر شرائطه المعتبرة.

وأمّا إذا كان المستصحب ثابتاً بالدليل العقلي، فلا يجري الاستصحاب عند الشيخ الأعظم؛ لا في نفس الحكم العقلي، ولا في الحكم الشرعي المستكشف منه بالملازمة.

والوجه في ذلك: أنّ العقل لا يحكم بشيء إلا بعد إحراز موضوع حكمه بجميع ما له دخلٌ فيه من القيود والحيثيّات؛ فلا إجمال في موضوع الحكم العقلي من حيث ما أخذه العقل موضوعاً لحكمه. وعليه، فعند تبدّل بعض الخصوصيّات لا يخلو الأمر من أحد فرضين:

فإمّا أن يبقى الموضوع بجميع ما له دخلٌ في حكم العقل، وحينئذٍ يستقلّ العقل ببقاء الحكم نفسه، فلا حاجة إلى الاستصحاب.

وإمّا أن ينتفي بعض ما له دخلٌ في موضوع حكمه، وحينئذٍ لا يكون الموضوع السابق باقياً، فلا مجال لاستصحاب الحكم الثابت له.

ومن ثَمَّ لا يتصوّر ـ بلحاظ موضوع حكم العقل ـ أن يحرز العقل موضوع حكمه ثم يتردّد في حكمه مع بقائه؛ لأنّه متى أحرز الموضوع بحدوده استقلّ بالحكم، ومتى لم يبقَ الموضوع بتلك الحدود لم يبقَ الحكم العقلي السابق.

فالنتيجة: أنّ منشأ المنع من استصحاب الحكم العقلي أو الحكم الشرعي المستند إلى العقلي عند الشيخ الأعظم يرجع إلى أنّ موضوع الحكم العقلي لا يتطرّق إليه الإجمال من ناحية العقل الحاكم؛ فإن بقي الموضوع بقي الحكم العقلي بنفس دليله، وإن ارتفع الموضوع ارتفع الحكم بارتفاعه، فلا تتكوّن حالة شكّ في البقاء على النحو الذي يتقوّم به الاستصحاب.

وقد تعرّض الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لهذا المطلب في "فرائد الأصول" كما ذكرنا سابقا في موضعين:

الموضع الأول: في تقسيمات الاستصحاب، عند تقسيمه بلحاظ الدليل الدالّ على المستصحب إلى ما ثبت بالدليل العقلي وما ثبت بالدليل النقلي.

الموضع الثاني: في التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب، حيث أعاد تحرير المطلب وطبّقه على جملةٍ من الموارد (فرائد الأصول، ج3، ص215 وما بعدها).

تحرير مبنى صاحب الكفاية في المقام : وتمهيداً للمراجعة واستيفاء البحث، يمكن بيان أصول نظرية صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في ضمن نقاط:

أولاً: الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع إثباتاً لا نفياً:

إنّ قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، المعبّر عنها بأنّ "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع"، إنّما تجري في جانب الإثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت ؛ بمعنى أنّ العقل إذا أدرك حكماً على نحوٍ يستكشف منه الحكم الشرعي، ثبت الحكم الشرعي بالملازمة.

وأمّا في جانب النفي، فلا ملازمة بين عدم حكم العقل وعدم حكم الشرع؛ فإنّ عدم استقلال العقل بالحكم لا يستلزم عدم ثبوت الحكم الشرعي واقعاً، بل غاية ما يقتضيه ذلك انتفاء طريق استكشافه من ناحية العقل، وأمّا الحكم الشرعي في نفسه فقد يكون باقياً وإن لم يعد العقل مستقلاً بإدراكه.

وهنا يظهر الفرق بين مسلك الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية (قدّس سرّهما)؛ فإنّ مبنى الشيخ يقتضي عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي عند ارتفاع ما كان دخيلاً في موضوع الحكم العقلي؛ لأنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوعه بجميع قيوده، فإذا ارتفع بعض ما له دخلٌ فيه ارتفع الموضوع العقلي، ومعه لا مجال لاستصحاب الحكم المستكشف منه.

وأمّا صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، فلا يرى أنّ انتفاء الحكم العقلي يستلزم انتفاء الحكم الشرعي؛ إذ الملازمة إنّما تقتضي استكشاف الحكم الشرعي عند ثبوت الحكم العقلي، ولا تقتضي أن يكون عدم الحكم العقلي كاشفاً عن عدم الحكم الشرعي.

ثانياً: اختلاف النظر العقلي عن النظر العرفي في تشخيص الموضوع:

إنّ العقل لا يستقلّ بحكمٍ إلا بعد إحراز موضوعه بجميع ما له دخلٌ في حكمه من القيود والخصوصيّات؛ فما يكون دخيلاً في حكم العقل يكون مأخوذاً في موضوعه بنحوٍ لا يبقى معه الحكم العقلي عند ارتفاعه.

إلّا أنّ ارتفاع الموضوع بحسب الدقّة العقليّة لا يستلزم ارتفاعه بحسب النظر العرفي؛ فقد تكون خصوصيّةٌ ما دخيلةً في موضوع الحكم العقلي بنحوٍ يرتفع الحكم العقلي بزوالها، ولكنّ العرف لا يراها مقوّمةً للموضوع، بل يراها من الجهات الموجبة لثبوت الحكم له مع بقاء الموضوع نفسه بعد زوالها.

ومن هنا افترق مسلك صاحب الكفاية عن مسلك الشيخ الأعظم؛ فإنّ ما يكون دخيلاً في موضوع الحكم بالدقّة العقليّة، بحيث يوجب زواله تبدّل الموضوع عقلاً، قد لا يكون كذلك بحسب النظر العرفي، بل يكون من قبيل الحيثيّة التعليليّة التي لا يوجب ارتفاعها زوال ذات الموضوع عرفاً.

وحيث إنّ الاستصحاب حكمٌ شرعيّ واردٌ بلسان العرف، كان المرجع في تشخيص وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة وبقاء موضوع المستصحب هو النظر العرفي، لا الدقّة العقليّة. وعليه، فقد يرتفع الحكم العقلي لارتفاع بعض القيود الدخيلة في موضوعه، ومع ذلك يبقى الموضوع عرفاً، فيصحّ استصحاب الحكم الشرعي السابق.

ثالثاً: ابتناء الاستصحاب على النظر العرفي:

والوجه في ذلك أنّ أدلّة الاستصحاب، كقوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشكّ"، ملقاةٌ إلى العرف، فيُرجع في تشخيص مفاهيمها وموضوعاتها إلى الفهم العرفي.

ومن هنا لا يراد من إبقاء اليقين بقاء نفس صفة اليقين حقيقةً؛ فإنّ اليقين السابق قد زال وجداناً بطروّ الشكّ، وإنّما الملحوظ عرفاً هو عدم نقض ما تعلّق به اليقين السابق بالشكّ اللاحق. فالمناط في صدق البقاء والنقض واتحاد القضيّتين هو النظر العرفي، لا التدقيق العقلي.

تنبيه: الفرق بين الحيثيّة التقييديّة والحيثيّة التعليليّة

الحيثيّة التقييديّة: هي الخصوصيّة المأخوذة في قوام الموضوع، بحيث يكون الحكم منصبّاً على الذات المقيّدة بها، فإذا ارتفعت تلك الخصوصيّة ارتفع الموضوع الذي تعلّق به الحكم.

وأمّا الحيثيّة التعليليّة: فهي الجهة التي تكون منشأً لثبوت الحكم للموضوع من دون أن تكون مأخوذةً في قوامه، بحيث يمكن بقاء الموضوع بعد زوالها.

وعلى هذا الأساس يتّضح محلّ الفرق بين المسلكين؛ فإنّ الخصوصيّة التي يكون لها دخلٌ في موضوع الحكم العقلي بحيث يرتفع الحكم العقلي بزوالها، قد لا تكون مقوّمةً للموضوع بحسب النظر العرفي، بل قد يراها العرف مجرّد حيثيّة تعليليّة، مع بقاء ذات الموضوع بعد ارتفاعها.

فإذا فُرض أنّ الحكم العقلي كان ثابتاً للموضوع بلحاظ خصوصيّةٍ معيّنة، ثم ارتفعت تلك الخصوصيّة، فإنّ العقل لا يحكم ببقاء حكمه بعد ارتفاع ما كان دخيلاً في موضوعه. ولكن إذا كان الحكم الشرعي قد استُكشف سابقاً من ذلك الحكم العقلي، ورأى العرف أنّ الموضوع الشرعي لا يزال باقياً بعد زوال تلك الخصوصيّة، أمكن الشكّ في بقاء الحكم الشرعي، وحينئذٍ يكون مورداً للاستصحاب.

والحاصل: أنّ الفرق الاساس بين الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية (قدّس سرّهما) يرجع إلى أمرين مترابطين:

أحدهما: أنّ عدم حكم العقل لا يستلزم عند صاحب الكفاية عدم حكم الشرع؛ لأنّ الملازمة بينهما إنّما هي في جانب الإثبات، لا في جانب النفي.

والآخر: أنّ ارتفاع موضوع الحكم بالدقّة العقليّة لا يستلزم ارتفاع موضوع الحكم الشرعي بحسب النظر العرفي؛ لأنّ المدار في باب الاستصحاب على بقاء الموضوع عرفاً. ومن ثَمَّ قد يرتفع الحكم العقلي، ومع ذلك يبقى مجالٌ لاستصحاب الحكم الشرعي المستكشف منه، إذا صدق عرفاً بقاء الموضوع واتحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة.

وستأتي تفاصيل ما أفاده الأعلام في هذه المسألة ومناقشاتهم تباعاً، إن شاء الله تعالى.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - ـ فرائد الأصول، ج3، ص281.
[2] -(الكافي، ج2، ص463).
[3] -الإسراء: 15.
[4] - فرائد الأصول، ج3، ص219.
[5] -فرائد الأصول، ج3، ص219.
[6] -فرائد الأصول، ج3، ص220.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo