« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/03

بسم الله الرحمن الرحيم

 راي الشيخ الاعظم (قدس)/التنبيه الثالث /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/التنبيه الثالث / راي الشيخ الاعظم (قدس)

قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) دافع عن مختاره، وحرّر محلّ النزاع تحريراً دقيقاً من خلال ما أفاده في تقريب مدّعاه.

وقد أسّس (قدّس سرّه) في المقام قاعدةً حاصلها: أنّ العقل لا يستقلّ بحكمٍ إلا بعد إحراز موضوعه بجميع ما له دخلٌ في ذلك الحكم؛ إذ لا بدّ للعقل، بما هو حاكم، من أن يكون عالماً بموضوع حكمه بتمام قيوده وحيثيّاته الدخيلة فيه. ومقتضى ذلك انتفاء الإجمال والإهمال عن موضوع الحكم العقلي؛ فإنّ موضوعه لا بدّ أن يكون معلوماً لديه بتمام ما له دخلٌ في حكمه.

وعلى أساس هذه القاعدة يقع الكلام في أنّ الحكم العقلي هل يمكن استصحابه عند طروّ ما يوجب الشكّ في بقائه؟

والجواب: أنّ استصحاب الحكم العقلي لا يجري؛ لانتفاء الركن الثاني من أركان الاستصحاب، وهو الشكّ في البقاء؛ فإنّ العقل مع بقاء موضوع حكمه بتمام قيوده يقطع ببقاء الحكم، فلا يتصوّر الشكّ فيه، ومع تبدّل الموضوع أو طروّ ما يحتمل دخله فيه لا يكون الشكّ شكّاً في بقاء الحكم السابق على موضوعه، فلا يتحقّق موردٌ لاستصحاب الحكم العقلي.

ويتفرّع على ذلك عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف ابتداءً من حكم العقل؛ فإنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي يدور مدار الموضوع الذي أدرك العقل حكمه، ومع عدم إحراز بقائه لا يمكن إحراز بقاء الحكم الشرعي المستكشف منه بالاستصحاب.

والحاصل: أنّ الكلام في المقام إنّما يقع في جواز استصحاب الحكم العقلي، وما يستند إليه ابتداءً من الحكم الشرعي، وقد ظهر عدم جريان الاستصحاب فيهما عند طروّ ما يوجب الشكّ في الحكم من ناحية الموضوع. وكل هذا من جهة الحكم.

وأمّا من جهة الموضوع ، فقد ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) أيضاً ـ ونكتفي بالإشارة إليه من دون إطالة ـ أنّ الموضوع تارةً يكون مدركه ودليله الظنّ، كما تقدّم البحث عنه في أوائل مباحث الاستصحاب، وأخرى يكون مدركه الروايات التعبّدية. وقد ورد هذا المطلب في نسخ «فرائد الأصول» على نحوين؛ ففي بعض النسخ أُثبت في صلب المتن، وفي بعضها الآخر أُدرج في الحاشية والهامش.

ثمرة البحث: مسألة إجزاء فعل الناسي وقبح تكليفه عقلاً.

والمهمّ في المقام هو الانتقال ـ على وفق ما سلكه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ـ إلى استجلاء الثمرة المترتّبة على ما تقدّم، وبيان الأثر العملي لهذا المبنى؛ فإنّ للمسألة ثمراتٍ وقع بعضها مورداً للبحث والنقاش بين الأعلام. ونقتصر منها على مسألةٍ فقهيّةٍ ابتلائيّة، ليتّضح من خلالها وجه استدلال بعضهم في قبال ما أسّسه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في المقام.

قال (قدّس سرّه)، بعد تقرير ما تقدّم: "وممّا ذكرنا يَظْهَرُ مَا فِي تَمَسُّكِ بَعْضِهِمْ لِإِجْزَاءِ مَا فَعَلَهُ النَّاسِي لِجُزْءٍ مِنَ الْعِبَادَةِ أَوْ شَرْطِهَا بِاسْتِصْحَابِ عَدَمِ التَّكْلِيفِ الثَّابِتِ حَالَ النِّسْيَانِ"([1] ). ولتوضيح محلّ الكلام نقول: إنّ المكلّف إذا عرض له النسيان بالنسبة إلى جزءٍ من أجزاء العبادة أو شرطٍ من شرائطها، فهل يمكن أن يتوجّه إليه التكليف بذلك الجزء أو الشرط حال كونه ناسياً له؟

لا إشكال في أنّ المانع من توجّه التكليف إليه في هذه الحال ليس حكماً شرعياً تعبّدياً مستنداً إلى جعل الشارع، وإنّما منشؤه حكم العقل؛ فإنّ العقل يستقلّ بقبح توجيه الخطاب الفعلي إلى الغافل والناسي بما هو غافلٌ أو ناسٍ؛ لعدم قابليّته، في حال غفلته ونسيانه، للانبعاث عن ذلك الخطاب.

ولتقريب المطلب عرفاً نقول: لو اتّفق شخصٌ مع صاحبه على الحضور في موعدٍ معيّن، ثم حلّ الموعد وقد نسيه صاحبه نسياناً تامّاً، لم يكن من المعقول أن يُطلب منه ـ بما هو ناسٍ وغافل ـ أن ينبعث عمّا هو غافلٌ عنه؛ فإنّ الانبعاث عن التكليف فرع الالتفات إليه وإلى متعلّقه. نعم، إذا ذُكّر ارتفع نسيانه وصار ملتفتاً، وعندئذٍ يكون قابلاً لتوجّه الخطاب إليه، إلّا أنّ هذه حالٌ أخرى غير حال النسيان المفروضة في محلّ الكلام.

وعليه، فقبح تكليف الناسي حال نسيانه ناشئٌ من الحكم العقلي؛ لأنّ التكليف الفعلي إنّما يصحّ في حقّ من يمكنه الانبعاث عنه، والناسي بما هو ناسٍ لا يمكنه ذلك. ومن هنا كان عدم توجّه التكليف إليه في حال النسيان مستنداً إلى الحكم العقلي، لا إلى الدليلٍ الشرعيّ التعبّدي.

وهذا أصل المطلب ممّا لا إشكال فيه؛ فإنّ محلّ البحث إنّما هو الناسي في ظرف نسيانه، وأمّا بعد ارتفاع النسيان وحصول الالتفات فقد تبدّل الحال، وصار المكلّف قابلاً لتوجّه الخطاب إليه، فلا ينبغي الخلط بين الحالتين.

ومن هنا يتّضح فرض المسألة: فإنّ المكلّف إذا نسي جزءاً من أجزاء الصلاة أو شرطاً من شرائطها، لم يكن حال نسيانه مكلّفاً بالإتيان بذلك الجزء أو الشرط على نحو التكليف الفعلي المنجِّز؛ لامتناع تكليف الناسي بما هو ناسٍ.

والحاصل : فانّ المصلّي إذا نسي جزءاً من صلاته، أو شرطاً منها، لا يكون مكلّفاً بالإتيان به حين النسيان بلا شبهة؛ إذ تكليف الناسي غير معقول.

والمراد من "عدم المعقوليّة" هنا أنّ منشأ سقوط التكليف حال النسيان أمرٌ عقلي، لا أنّ الشارع أسقط التكليف بجعلٍ شرعيّ خاص؛ وهذه نكتةٌ ينبغي التحفّظ عليها، لما سيترتّب عليها من أثرٍ في إمكان التمسّك بالاستصحاب وعدمه.

وبذلك يظهر الفرق بين المقام وبين الموارد التي يكون عدم التكليف فيها مستنداً إلى التشريع نفسه؛ فالحائض ـ مثلاً ـ لا يصحّ منها الصوم حال الحيض، ولكنّ ذلك ليس لأنّ العقل يستقلّ بقبح تكليفها بالصوم بما هي حائض، بل لقيام الدليل الشرعي على الحكم المختصّ بها. وكذلك الحال في صوم يومي العيدين؛ فإنّ عدم مشروعيّة الصوم فيهما مستندٌ إلى نهي الشارع، لا إلى امتناعٍ عقلي؛ إذ لا يرى العقل، بما هو عقل، فرقاً يقتضي استحالة التكليف بالصوم بين اليوم الثلاثين من شهر رمضان واليوم الأوّل من شوّال، وإنّما ثبت الفرق بينهما من ناحية التشريع الشرعي.

وهذا بخلاف الناسي؛ فإنّ الكلام فيه ناظرٌ إلى مرتبةٍ سابقة على الجعل الشرعي، وهي قابلية المكلّف لتوجّه الخطاب الفعلي إليه؛ فهل يعقل أن يُكلَّف الناسي بما نسيه حال كونه ناسياً؟

والجواب: أنّ العقل يحكم بعدم معقولية ذلك؛ لأنّ الانبعاث عن التكليف فرع الالتفات، والمفروض انتفاؤه حال النسيان.

ومن هنا تنشأ الثمرة التي أراد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) التنبيه عليها: فإذا كان عدم التكليف الثابت حال النسيان مستنداً إلى حكم العقل، فهل يمكن ـ بعد ارتفاع النسيان ـ استصحاب ذلك العدم لإثبات إجزاء العبادة التي أتى بها المكلّف فاقدةً للجزء أو الشرط المنسي؟

هنا يقع محلّ البحث؛ فإنّ المسألة وإن كانت بحسب نتيجتها مسألةً فقهيّةً ترتبط بصحّة عبادة الناسي وإجزائها، إلّا أنّ تحقيق إمكان الاستدلال عليها باستصحاب عدم التكليف يتوقّف على المبنى الأصولي المتقدّم في جريان الاستصحاب في الحكم العقلي او الشرعي الذي كان مدركه العقل. ومن هذه الجهة يتدخّل علم الأصول لتحرير ملاك المسألة وبيان إمكان جريان الاستصحاب فيها أو عدم إمكانه، وهو ما سيأتي بيانه.

الاتجاهات الفقهيّة في إجزاء العمل الناقص: المشهور في قبال القائلين بالإجزاء إذا اتّضح أنّ الناسي حال نسيانه لا يتوجّه إليه التكليف الفعليّ بالجزء أو الشرط المنسي؛ لامتناع تكليف الناسي بما هو ناسٍ، وقع الكلام في حكمه بعد ارتفاع النسيان وحصول الالتفات: فهل يكون ما أتى به حال النسيان مجزياً عن المأمور به التامّ، أو يجب عليه تدارك ما فات بحسب ما يقتضيه المقام؟

وقد ذُكر في المسألة اتجاهان:

الاتجاه الأوّل: ما نُسب إلى المشهور، من عدم إجزاء العمل الناقص في نفسه؛ فلو تذكّر المكلّف بعد الفراغ، لزمته الإعادة مع بقاء الوقت، وأمّا القضاء بعد خروج الوقت فيتبع دليله، كما أنّه لو التفت في أثناء العمل وجب عليه تدارك الجزء المنسي إذا كان قابلاً للتدارك ولم يلزم منه محذور آخر.

وتقريب هذا الاتجاه: أنّ الأمر الأوّلي إنّما تعلّق بالمركّب التامّ المشتمل على جميع أجزائه وشرائطه، ولم يتعلّق بالمركّب الناقص. فلو فرضنا ـ مثلاً ـ أنّ الصلاة المأمور بها مركّبة من عشرة أجزاء، ثم أتى المكلّف ـ لنسيانه ـ بتسعة أجزاء، فما وقع منه في الخارج لم يكن مطابقاً بتمامه لما تعلّق به الأمر؛ إذ المأمور به هو المركّب التامّ، والمأتيّ به هو المركّب الناقص.

ومن هنا يقع البحث في الإجزاء: هل يمكن أن يكون الإتيان بالمركّب الناقص مسقطاً للأمر المتعلّق بالمركّب التامّ؟

وهذه من المسائل المهمّة في مبحث الإجزاء؛ فإنّ الإجزاء إنّما يكون مورداً للبحث حيث يقع الكلام في كفاية ما أتى به المكلّف عن المأمور به الواقعي. وأمّا إذا أتى بنفس المأمور به بجميع أجزائه وشرائطه، فلا إشكال في حصول الامتثال وسقوط الأمر، ولا يبقى مجالٌ للبحث عن الإجزاء بهذا المعنى.

ومن هنا بُحث في علم الأصول عن إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الاختياري، وعن إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن المأمور به الواقعي، ونحو ذلك من الموارد التي يقع فيها الكلام في كفاية المأتيّ به عن التكليف الأوّلي.

وعلى هذا الأساس قيل: إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية عدم إجزاء المركّب الناقص عن المركّب التامّ؛ لأنّ المكلّف لم يأتِ بما تعلّق به الأمر بتمامه، ومجرّد كونه معذوراً في ترك الجزء أو الشرط بسبب النسيان لا يقتضي بنفسه صحّة العمل الناقص وإجزاءه؛ فإنّ المعذوريّة عن المخالفة شيء، وإجزاء المأتيّ به الناقص عن المأمور به التامّ شيءٌ آخر.

فالناسي وإن لم يكن مستحقّاً للعقاب على ترك ما نسيه، إلّا أنّ سقوط الأمر بالمركّب التامّ يتوقّف على إحراز امتثاله، أو على قيام دليلٍ خاصّ يدلّ على أنّ الشارع اكتفى في حقّ الناسي بالمركّب الناقص. فإذا لم يقم مثل هذا الدليل، كان مقتضى القاعدة عدم الإجزاء، فتجب الإعادة في الوقت، وأمّا القضاء خارج الوقت فيثبت على وفق المبنى والدليل في باب القضاء.

وبهذا يتّضح أنّ محلّ النزاع ليس في معذوريّة الناسي حال نسيانه؛ فإنّ ذلك مفروغٌ عنه في محلّ الكلام، وإنّما النزاع في أمرٍ آخر، وهو: هل معذوريّته في ترك الجزء أو الشرط تستلزم إجزاء العمل الناقص، أو أنّ الإجزاء يحتاج إلى دليلٍ زائد؟

الاتجاه الثاني: ما يقابل الاتجاه المتقدّم، وهو القول بإجزاء ما أتى به الناسي، وعدم وجوب الإعادة في الوقت، ولا القضاء في خارجه، على أساس دعوى قيام الدليل على الإجزاء.

فبينما يرى الاتجاه الأوّل أنّ مجرّد النسيان لا يكفي لإثبات إجزاء الناقص عن التامّ، وأنّ الإجزاء يحتاج إلى دليل، ذهب أصحاب الاتجاه الثاني إلى إمكان إقامة الدليل على كفاية ما أتى به الناسي.

ومن هنا ينتقل البحث إلى فحص هذا الدليل وبيان مدى تماميّته.

ومن الأدلّة التي تمسّك بها بعضهم لإثبات الإجزاء استصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان، وهو الذي تعرّض له الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بالمناقشة.

وحاصل البحث: أنّه إذا لم يقم دليلٌ اجتهاديّ خاصّ ـ من كتابٍ أو سنّةٍ أو غيرهما ـ على إجزاء العمل الناقص الصادر من الناسي، فهل يمكن إثبات الإجزاء بواسطة الأصل العملي؟

وقد تمسّك بعضهم بالاستصحاب، وهو الذي أشار إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بقوله: "وهو استصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان".

وتقريب الاستصحاب: أنّ المكلّف حال نسيانه للجزء أو الشرط لا يكون مكلّفاً به تكليفاً فعليّاً؛ لما تقدّم من امتناع تكليف الناسي بما هو ناسٍ. فلو نسي ـ مثلاً ـ التشهّد في الصلاة، كان حال نسيانه غير مكلّفٍ بالإتيان به فعلاً؛ لعدم إمكان انبعاثه نحو ما هو غافلٌ عنه.

فعدم التكليف في حال النسيان متيقّن.

فإذا فرغ من الصلاة ثم ارتفع نسيانه وتذكّر الجزء الذي تركه، وقع الشكّ ـ على هذا التقريب ـ في تجدّد التكليف عليه بعد التذكّر: فهل يجب عليه تدارك ما فات بإعادة العمل، أو لا يتوجّه إليه تكليفٌ بذلك؟

فيقال: إنّه كان حال النسيان متيقّناً بعدم التكليف، وبعد ارتفاع النسيان يشكّ في ثبوت التكليف عليه، فيُستصحب عدم التكليف السابق.

وبناءً على تماميّة هذا الاستصحاب، يقال بعدم وجوب الإعادة، ويُراد من ذلك إثبات كفاية ما صدر منه حال النسيان وعدم لزوم تدارك العمل من جديد

لأنّ التكليف بالتدارك بعد التذكّر مشكوكٌ بعد أن كان عدم التكليف متيقّناً حال النسيان، فيستصحب ذلك العدم.

فصار حاصل هذا الاتجاه: أنّ عدم التكليف حال النسيان ثابتٌ يقيناً، وبعد ارتفاع النسيان يشكّ في تبدّله إلى التكليف، ومقتضى الاستصحاب إبقاء ذلك العدم وعدم الحكم بوجوب التدارك.

وهنا يتدخّل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ليمنع من جريان هذا الاستصحاب؛ فإنّ عدم التكليف في حال النسيان لم يكن مستنداً إلى دليلٍ شرعيّ تعبّدي، وإنّما كان مستنداً إلى حكم العقل بامتناع تكليف الناسي بما هو ناسٍ. ومع ارتفاع النسيان وعود الالتفات يرتفع الموضوع الذي أدرك العقل في حقّه عدم إمكان التكليف، ومن ثمّ يقع الكلام في إمكان إبقاء ذلك العدم بالاستصحاب بعد تبدّل حال المكلّف من النسيان إلى الالتفات.

وهذه هي النقطة التي ترتبط مباشرةً بما أسّسه الشيخ الأعظم في البحث السابق من أنّ موضوع الحكم العقلي لا إجمال فيه، وأنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي لا يصحّ استصحابه عند تغيّر ما له دخلٌ في موضوع حكم العقل، وسيأتي تفصيل وجه منعه (قدّس سرّه) من هذا الاستصحاب.

والحاصل: أنّ المسألة وإن كانت بحسب نتيجتها مسألةً فقهيّةً، إلّا أنّ تحقيقها يبتني على ميزانٍ أصولي؛ فإنّ المشهور بنوا ـ بحسب هذا التقريب ـ على مقتضى القاعدة الأوّلية، وهي عدم إجزاء المأتيّ به الناقص عن المأمور به التامّ ما لم يقم دليلٌ على الإجزاء؛ لأنّ الأمر إذا تعلّق بمركّبٍ مشتملٍ على عشرة أجزاء مثلاً، وأتى المكلّف بتسعةٍ منها، لم يتحقّق التطابق بين المأمور به والمأتيّ به، فلا يُحرز سقوط الأمر بمجرّد الإتيان بالمركّب الناقص. ومن هنا تجب الإعادة في الوقت، وأمّا القضاء في خارج الوقت فيتبع دليله .

وفي قبال ذلك، قُرّب القول بالإجزاء بأنّ المكلّف حال نسيانه لم يكن مخاطباً بالجزء المنسي تكليفاً فعليّاً؛ لقبح تكليف الناسي بما هو ناسٍ، فإذا ارتفع نسيانه والتفت بعد الفراغ، وشكّ في تجدّد التكليف عليه بالتدارك، استُصحب عدم التكليف الثابت حال النسيان، فيُنفى بذلك وجوب التدارك بعد الالتفات؛ سواء أكان بالإعادة في الوقت أم بالقضاء في خارجه، كلٌّ بحسب مورده. وأمّا إثبات عنوان "الإجزاء" بهذا الأصل، وما قد يثار حوله من شبهة الأصل المثبت، فهو بحثٌ آخر خارجٌ عن أصل تقريب الاستدلال في المقام. وقد نُسب هذا الاستدلال إلى صاحب "القوانين".

وقد ناقش الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) هذا التقريب، وحكم بعدم تماميّة الاستصحاب المذكور؛ معلّلاً ذلك بأنّ: "عدم التكليف الثابت في حال النسيان مستندٌ إلى حكم العقل بقبح تكليف الغافل والناسي"([2] ). وتوضيح مراده: أنّ عدم التكليف في حال النسيان لم يكن ثابتاً بدليلٍ شرعيّ تعبّدي حتى يُقال ببقائه عند الشك، وإنّما كان مستنداً إلى حكم العقل بقبح تكليف الناسي بما هو ناسٍ. وهذا الحكم العقلي لا يتطرّق إليه الشك مع انحفاظ موضوعه؛ لما تقدّم من أنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوع حكمه بتمام قيوده.

وعليه، فما دام النسيان باقياً، فالعقل قاطعٌ بعدم إمكان توجيه التكليف الفعلي إلى الناسي، فلا شكّ حينئذٍ حتى يجري الاستصحاب. وأمّا إذا ارتفع النسيان وحصل الالتفات، فقد ارتفع القيد الذي كان دخيلاً في موضوع حكم العقل، وأصبح المكلّف ملتفتاً بعد أن كان ناسياً؛ فلا يكون عدم التكليف في الحالة الثانية بقاءً لذلك العدم الثابت في الحالة الأولى على نحوٍ يصحّ استصحابه بناءً على مبنى الشيخ.

وبعبارةٍ أخرى: مع بقاء موضوع الحكم العقلي لا شكّ، ومع حصول الشكّ لا يكون الموضوع العقلي السابق محفوظاً؛ ومن ثمّ يختلّ ما يتقوّم به الاستصحاب من إحراز بقاء الموضوع واتحاد القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة.

فإن قيل: إنّ هذا الإشكال إنّما يتمّ بناءً على مختار الشيخ الأعظم في عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي، فما الموجب لإلزام صاحب «القوانين» بهذا المبنى مع احتمال عدم التزامه به؟

فإنه يقال / إنّ المقصود في المقام ليس إثبات موافقة صاحب "القوانين" لمبنى الشيخ، وإنّما بيان مناقشة الشيخ لهذا الاستدلال على وفق مبناه هو؛ فإنّ جريان الاستصحاب في الأحكام التي يكون مدركها العقل وقع مورداً للبحث بين الأعلام، وقد خالف بعضهم الشيخ في ذلك. ومن ثمّ، فتماميّة ردّ الشيخ إنّما تُدرس في ضوء الأساس الذي شيّده سابقاً في حقيقة موضوع الحكم العقلي وإمكان استصحاب الحكم الشرعي المستند إليه.

وهذا يكشف عن أهميّة البحث الأصولي في مقام التطبيق؛ فإنّ المسألة تبدأ فرعاً فقهيّاً في حكم عبادة الناسي، ثم يرجع تحقيقها إلى مبنى أصولي، وهو مدى إمكان استصحاب عدم التكليف الذي كان منشؤه حكم العقل.

ومحصّل هذا الوجه الذي ناقشه الشيخ: استصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان إلى ما بعد ارتفاع النسيان والفراغ من العمل، لينفى به وجوب التدارك.

وهذا هو المثال الأوّل الذي ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في تطبيق المبنى المتقدّم. وقد تعرّض بعده لمثالٍ آخر يرتبط بصاحب "الفصول"، نطوي الكلام عنه اختصاراً، وننتقل إلى تطبيقٍ آخر يتّضح من خلاله أثر المبنى في أصلي البراءة والاشتغال. وقبل الدخول في التطبيق، لا بدّ من الإشارة إجمالاً إلى المراد بالبراءة والاشتغال؛ فإنّهما من الأصول العمليّة التي عقد لها الأصوليّون أبحاثاً واسعة، وقد بسط الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) الكلام فيهما وحرّر ما يتعلّق بهما من الفروع والتنبيهات. غير أنّ محلّ حاجتنا هنا يقتضي الاقتصار على المقدار الذي يتوقّف عليه البحث.

الأوّل: البراءة العقليّة

مورد البراءة العقليّة هو الشكّ في التكليف مع عدم قيام الحجّة والبيان المنجِّز عليه. فإذا احتمل المكلّف ثبوت تكليفٍ من المولى، ولم يصل إليه بيانٌ معتبرٌ عليه بعد الفحص في المورد الذي يجب فيه الفحص، حكم العقل بعدم استحقاقه العقاب على مخالفة ذلك التكليف المحتمل.

وهذا هو المعبّر عنه بقاعدة: قبح العقاب بلا بيان". فالمراد بالبيان هنا ما يصلح للحجّية والتنجيز بحسب الطرق المعتبرة، لا مطلق ما يمكن افتراضه من وسائل غير معتبرة؛ فإذا لم يصل إلى المكلّف بيانٌ منجِّز، لم يصحّ عقلاً مؤاخذته على مخالفة تكليفٍ لم تقم عليه الحجّة.

وينبغي التفريق بين هذه البراءة العقليّة وبين البراءة الشرعيّة المستفادة من الأدلّة التعبّدية، كحديث الرفع:

"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ: الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَمَا لَا يَعْلَمُونَ…".

فالأولى مستندةٌ إلى استقلال العقل بقبح العقاب من دون بيان، وأمّا الثانية فمستندةٌ إلى جعل الشارع ودليله التعبّدي، والبحث في المقام ناظرٌ إلى الأولى.

الثاني: قاعدة الاشتغال العقلي

وأمّا الاشتغال، فمورده ـ بالقدر الذي نحتاج إليه هنا ـ ما إذا تنجّز التكليف على المكلّف، ثم وقع الشكّ في حصول امتثاله وفراغ الذمّة منه؛ فإنّ العقل لا يكتفي بالامتثال المشكوك بعد إحراز أصل الاشتغال، بل يحكم بلزوم تحصيل ما يوجب إحراز الفراغ عن التكليف المنجَّز.

ومن هنا قيل: "الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني".

فإذا علم المكلّف بثبوت تكليفٍ في ذمّته، ثم أتى بفعلٍ وشكّ في أنّه محقّقٌ لما اشتغلت به ذمّته وموجبٌ لسقوط التكليف أو لا، لم يكن مجرّد احتمال الامتثال كافياً في إحراز الفراغ؛ لأنّ التكليف بعد تنجّزه لا يُرفع اليد عنه إلا بما يحرز معه الخروج عن عهدته.

وعليه، فالبراءة والاشتغال ـ بالمعنى المبحوث عنه هنا ـ حكمان عقليّان: فالعقل في مورد عدم البيان يحكم بقبح العقاب، وفي مورد تنجّز التكليف والشكّ في الخروج عن عهدته يحكم بلزوم إحراز الفراغ.

ومن هنا يتّصل البحث بما تقدّم في استصحاب الحكم العقلي: فهل يمكن أن يُستصحب ما ثبت في مورد البراءة العقليّة بعد تبدّل بعض الخصوصيّات، فيقال ببقاء حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان؟ وهل يمكن استصحاب ما ثبت في مورد الاشتغال بعد تغيّر الحالة التي كان العقل يحكم فيها بلزوم تحصيل الفراغ؟

وبعبارةٍ جامعة: هل الحكم الذي كان مستنده استقلال العقل في ظرفٍ مخصوص قابلٌ للإبقاء بالاستصحاب عند طروّ الشك، أو أنّ العقل ما دام موضوع حكمه محفوظاً لا يشكّ، وإذا تبدّل ما له دخلٌ في موضوع حكمه لم يكن الحكم اللاحق استمراراً للحكم السابق حتى يجري فيه الاستصحاب؟

وهذا هو الذي سيتّضح من خلال التطبيقين الآتيين في البراءة والاشتغال، إن شاء الله تعالى.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - فرائد الأصول، ج٣، الشيخ الأنصاري، ص٢١٨.
[2] - فرائد الأصول، ج٣، ص٢١٨.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo