« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/02

بسم الله الرحمن الرحيم

عدم جريان الاستصحاب في المتيقن السابق إذا كان مما يستقل به العقل/التنبيه الثالث /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/التنبيه الثالث / عدم جريان الاستصحاب في المتيقن السابق إذا كان مما يستقل به العقل

تقدّم الكلام فيما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من التفصيل في حجية الاستصحاب بلحاظ الدليل الدالّ على المستصحَب؛ فحكم بعدم جريان الاستصحاب فيما إذا كان الحكم المستصحَب ثابتاً بالدليل العقلي، بخلاف ما إذا كان ثابتاً بالدليل الشرعي، فإنّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه من هذه الجهة.

وتقريب ما أفاده (قدّس سرّه) في وجه المنع : أنَّ العقل لا يحكم بحكمٍ إلا بعد إحراز موضوعه بتمام ما له دخلٌ في حكمه من الخصوصيّات والقيود؛ ضرورة أنَّ الحاكم لا بدّ أن يكون محيطاً بحدود موضوع حكمه. وعليه، فمتى أحرز العقل تحقّق الموضوع بتمام قيوده وخصوصيّاته حكم بما يقتضيه، وأمّا مع انتفاء بعض ما أخذه دخيلاً في الموضوع فلا يبقى موضوعٌ لذلك الحكم العقلي.

ومن هنا، لا يتصوّر الإجمال في موضوع الحكم العقلي من حيث ما له الدخل في حكم العقل؛ إذ لو كان بعض القيود مشكوك الدخل في موضوع حكمه، لم يكن العقل محرِزاً لموضوع حكمه بحدوده، فلا يصدر منه الحكم من أساسه. فعدم حكم العقل عندئذٍ ليس ناشئاً عن تردّده وشكّه في بقاء حكمه مع إحراز موضوعه، بل لعدم إحراز الموضوع الذي يدور الحكم العقلي مداره.

وهذا هو المراد ممّا أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في قوله: "فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل" فرائد الأصول، ج ٣، ص ٢١٦؛ فإنَّ موضوع الحكم العقلي لا يكون مجملاً لدى العقل الحاكم، بل لا بدّ أن يكون معلوماً لديه بتمام ما يعتبره دخيلاً في حكمه. وهذا بخلاف الحكم الشرعي؛ فإنّه يمكن أن يكون موضوعه الواقعي مشتملاً على خصوصيّةٍ دخيلةٍ في الحكم لا يعلم المكلّف بمدخليّتها، فيطرأ الشك من هذه الجهة، ويتصوّر معه جريان الاستصحاب عند تماميّة سائر أركانه.

ثم أورد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) على ما أفاده إشكالاً، وتصدّى للجواب عنه، فقال في تقريب الإشكال: "فكيف يُستصحب الحكم الشرعي مع أنّه كاشف عن حكم عقلي مستقل؟".

وقد استظهر السيّد اليزدي (قدّس سرّه) في حاشيته على الفرائد أنَّ الأنسب في التعبير أن يقال: "كان المناسب التعبير بأنّه تابع لحكم عقلي كما عبّر بذلك فيما سبق"([1] ). والظاهر أنَّ مراد الشيخ من التعبير بالكاشفيّة هاهنا يرجع إلى هذا المعنى بعينه، أعني كون الحكم الشرعي مستنداً إلى الحكم العقلي وتابعاً له، كما يكشف عنه مساق كلامه.

وقبل التعرّض لما أفاده في تقريب الاشكال والجواب عنه ، يحسن بنا تحرير الأقسام المتصوّرة في المقام؛ فإنَّ الحكم تارةً يكون عقلياً محضاً، وأخرى يكون شرعياً تعبدياً محضاً، وثالثةً يكون شرعياً مستنداً إلى الحكم العقلي وتابعاً له بمقتضى قاعدة الملازمة، ورابعةً يكون حكماً شرعياً قد وافق حكماً عقلياً في مورده ، من غير أن يكون مستنداً إليه أو متفرّعاً عليه.

وعليه، فالصور المتصوّرة أربع:

الصورة الأولى: الحكم العقلي المحض بما هو حكم العقل؛ ومقتضى ما تقدّم عن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) عدم جريان الاستصحاب فيه؛ لأنَّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوع حكمه بتمام ما له دخلٌ فيه من القيود والخصوصيّات، فلا يُعقل إجمال موضوع حكمه لديه. فإذا تمّ الموضوع بحدوده حكم العقل بما يقتضيه، وإذا اختلّ بعض ما يعتبره دخيلاً فيه لم يبقَ موضوعٌ لذلك الحكم العقلي. ومن هنا لا يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم العقلي مع الشكّ في بقاء بعض قيود موضوعه على نحوٍ يكون مورداً للاستصحاب؛ لما تقدّم من قوله (قدّس سرّه): "فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل".

الصورة الثانية: الحكم الشرعي التعبّدي المحض؛ والمراد بتعبّديته هنا أنَّ ملاكه ونكتته الواقعيّة غير مبيّنين لنا، كما في كثير من أحكام الصلاة والصوم والحج وسائر الأحكام التعبديّة. وهذا القسم لا يجري فيه ما تقدّم من محذور الحكم العقلي، فيجري فيه الاستصحاب عند تماميّة أركانه وشرائطه، على وفق التفاصيل المبحوثة في محلّها.

الصورة الثالثة: الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي والتابع له؛ بأن يستقلّ العقل بحكمٍ، ويثبت الحكم الشرعي تبعاً لذلك الحكم العقلي بمقتضى قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. وهذا هو محلّ الإشكال الذي أورده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) على نفسه.

الصورة الرابعة: الحكم الشرعي الذي وافق حكماً عقلياً في مورده، إلا أنَّ الدليل الشرعي عليه مستقلّ عن الدليل العقلي، فلا يكون الحكم الشرعي مستنداً إلى حكم العقل ولا متفرّعاً عليه، وإن تصادقا في النتيجة. وهذا القسم لا يلحق بالحكم العقلي من جهة الاستصحاب، بل يكون المدار فيه على مفاد الدليل الشرعي وحدود الموضوع المأخوذ فيه.

وبعد اتّضاح هذه الأقسام يقع الكلام في الإشكال الذي أورده الشيخ (قدّس سرّه) على نفسه، حيث قال(قده): "فإن قلتَ: فكيف يُستصحب الحكم الشرعي مع أنّه كاشف عن حكم عقلي مستقلّ؟! فإنّه إذا ثبت حكم العقل بردّ الوديعة، وحكم الشارع على [طبقِهِ بـ] وجوب الردّ، ثمّ عرض ما يوجب الشكّ — مثل الاضطرار والخوف — فيُستصحب الحكم مع أنّه كان تابعاً للحكم العقليّ".

وتقريب الإشكال: أنَّ العقل يستقلّ بحسن ردّ الوديعة إلى صاحبها وقبح خيانة الأمانة، وعلى طبق هذا الإدراك العقلي يثبت الحكم الشرعي بوجوب ردّ الوديعة بمقتضى قاعدة الملازمة. فإذا عرضت بعد ذلك حالة توجب الشكّ في بقاء الوجوب الشرعي، كالخوف أو الاضطرار، فقد يُتوهّم إمكان استصحاب وجوب الردّ؛ لأنَّ المستصحَب ـ بحسب الظاهر ـ حكم شرعي، مع أنَّ هذا الحكم الشرعي لم يكن حكماً تعبّدياً مستقلاً، بل كان مستنداً إلى الحكم العقلي وتابعاً له. وحينئذٍ يقع السؤال: كيف يُمنع من استصحاب الحكم العقلي، مع الالتزام بجريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إليه والتابع له؟

وقد أجاب الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) عن ذلك بقوله: "قلتُ: أمّا الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي فحاله حال الحكم العقلي في عدم جريان الاستصحاب".

وحاصل جوابه: أنَّ مجرّد كون المستصحَب حكماً شرعياً لا يكفي في جريان الاستصحاب، بل لا بدّ من ملاحظة الدليل الذي استند إليه ذلك الحكم وحدود الموضوع الذي ثبت بمقتضاه. فإذا كان الحكم الشرعي مستنداً إلى الحكم العقلي، وكان ثبوته تابعاً له بمقتضى الملازمة، جرى عليه ما جرى على الحكم العقلي نفسه؛ لأنَّ العقل إنّما حكم بعد إحراز موضوعه بتمام قيوده، فإذا تبدّلت بعض الخصوصيّات التي احتمل مدخليّتها في الحكم لم يبقَ إحراز وحدة الموضوع الذي ثبت له الحكم أوّلاً، فلا مجال لاستصحاب الحكم الشرعي التابع له.

ومن أمثلة ذلك: وجوب حفظ النفس المحترمة؛ فإنَّ أصل لزوم حفظها وحرمة إتلافها ممّا يستقلّ به العقل، فإذا ثبت الحكم الشرعي تبعاً لهذا الإدراك العقلي، كان حاله حال الحكم العقلي من هذه الجهة. فلو فرض الشكّ في بقاء وجوب إنقاذ نفسٍ في موردٍ ما من جهة الشكّ في بقاء ما به قوام موضوع حكم العقل، لم يكن ذلك شكّاً في بقاء الحكم مع إحراز موضوعه، بل يرجع إلى الشكّ في تحقّق الموضوع الذي استقلّ العقل بالحكم على تقدير ثبوته؛ فلا يمكن إبقاء الحكم السابق بالاستصحاب مع عدم إحراز وحدة الموضوع.

وبذلك يظهر أنَّ مجرد موافقة الحكم الشرعي للحكم العقلي لا تقتضي المنع من استصحابه، وإنّما المانع هو استناد الحكم الشرعي إلى الحكم العقلي وتبعيّته له. ومن هنا تفترق الصورة الثالثة عن الصورة الرابعة من الصور المتقدمة ؛ ففي الثالثة يكون الدليل على الحكم الشرعي هو الحكم العقلي وما يقتضيه من الملازمة، فيلحقه حكمه في عدم جريان الاستصحاب، وأمّا في الرابعة فالحكم الشرعي ثابت بدليل شرعي مستقلّ، وإن وافق حكم العقل في مؤدّاه، فلا يسري إليه محذور الدليل العقلي، بل يجري فيه الاستصحاب عند تماميّة أركانه.

والنتيجة: أنَّ عدم جريان الاستصحاب ـ بلحاظ هذه النكتة ـ يثبت في موردين: أحدهما: الحكم العقلي بما هو حكم عقلي؛ لعدم تعقّل إجمال الموضوع في حكم العقل. وثانيهما: الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي والتابع له؛ لأنَّ حاله من هذه الجهة حال مستنده العقلي. وأمّا الحكم الشرعي التعبّدي المحض، وكذا الحكم الشرعي الثابت بدليل شرعي مستقلّ وإن وافق حكماً عقلياً في مورده، فلا يشمله هذا المحذور، ويجري فيه الاستصحاب مع تماميّة سائر شرائطه.

لذا قال الشيخ (قدّس سرّه): "نعم، لو ورد في مورد حكم العقل حكمٌ شرعيّ من غير جهة العقل، وحصل التغيّر في حالٍ من أحوال موضوعه ممّا يحتمل مدخليّته وجوداً أو عدماً في الحكم… جرى الاستصحاب"

والمراد من ذلك: أنَّ الحكم الشرعي في هذه الصورة لم يكن تابعاً للحكم العقلي ولا مستنداً إليه، وإنّما تصادق الحكمان الشرعي والعقلي في موردٍ واحد، مع كون مدرك الحكم الشرعي دليلاً شرعياً مستقلاً، لا نفس الحكم العقلي بمقتضى الملازمة.

ومثاله: وجوب ردّ الوديعة؛ فإنّه لو فُرض ثبوت وجوب الردّ بدليلٍ شرعي مستقلّ، لا من جهة حكم العقل، ثم طرأ تغيّرٌ على بعض حالات الموضوع وخصوصيّاته ممّا يُحتمل دخله وجوداً أو عدماً في بقاء الحكم ـ كالخوف أو الاضطرار أو الاختيار الذي يُحتمل كونه دخيلاً في وجوب الردّ ـ وقع الشكّ في بقاء الحكم الشرعي بعد ذلك التغيّر.

فإن قيل: هل يجري الاستصحاب في مثل هذا المورد، أو لا يجري؟

قلنا: يجري الاستصحاب؛ لأنَّ الحكم المستصحَب حكمٌ شرعي ثابت بدليلٍ شرعي مستقلّ، لا حكمٌ شرعي مستند إلى الحكم العقلي وتابعٌ له. وعليه، يُحكم ببقاء وجوب ردّ الوديعة استصحاباً عند تماميّة سائر أركانه.

وبذلك يتّضح الفرق بين هذه الصورة والصورة المتقدّمة؛ فإنَّ مجرّد تصادق الحكم الشرعي مع الحكم العقلي في موردٍ واحد لا يوجب إلحاق الأوّل بالثاني في عدم جريان الاستصحاب، وإنما الموجب لذلك هو استناد الحكم الشرعي إلى الحكم العقلي وتبعيّته له.

وأمّا مع استقلال الدليل الشرعي، فلا يسري إليه المحذور المتقدّم في الحكم العقلي.

والحاصل مما تقدّم أنَّ الصور المتصوّرة في المقام أربع:

الصورة الأولى: الحكم الشرعي التعبّدي المحض، الذي لا يستند إلى إدراكٍ عقلي؛ كما في الخصوصيّات التوقيفيّة للأحكام الشرعية، ككون صلاة الصبح ركعتين، أو ترتّب بعض الأحكام على طلوع الفجر، أو اختصاص وجوب الصوم بشهر رمضان دون غيره من الشهور. فإنَّ تعيين هذه الخصوصيّات ليس ممّا يستقلّ العقل بإدراكه، بل مردّه إلى جعل الشارع وتعبّده؛ ولذا يجري الاستصحاب في هذا القسم عند تماميّة أركانه.

الصورة الثانية: الحكم الشرعي الوارد في مورد حكم العقل، ولكن بدليلٍ شرعي مستقلّ ومن غير جهة العقل؛ وهذا أيضاً يجري فيه الاستصحاب، كما تقدّم في مثال وجوب ردّ الوديعة.

الصورة الثالثة: الحكم العقلي بما هو إدراكٌ عقلي مستقلّ؛ وهذا لا يجري فيه الاستصحاب؛ لما تقدّم من امتناع إجمال الموضوع في حكم العقل.

الصورة الرابعة: الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي والتابع له؛ وهذا أيضاً لا يجري فيه الاستصحاب؛ لأنَّ حاله من هذه الجهة حال الحكم العقلي الذي استند إليه.

والنتيجة: أنَّ الاستصحاب يجري عند الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في الصورة الأولى والثانية، أعني: الحكم الشرعي التعبّدي المحض، والحكم الشرعي الثابت بدليلٍ شرعي مستقلّ وإن تصادق في مورده مع حكم العقل؛ ولا يجري في الصور، أعني: الحكم العقلي، والحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي والتابع له.

تنبيه: بعد أن قرّر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) التفصيل المتقدّم قال: "ومن هنا يجري استصحاب عدم التكليف في حالٍ يستقلّ العقل بقبح التكليف فيه، وذلك لأنَّ العدم الأزلي ليس مستنداً إلى حكم العقل بالقبح، وإن كان المورد ممّا يقبح فيه التكليف عقلاً".

وتوضيح مراده (قدّس سرّه): أنَّ مجرّد كون المورد ممّا يستقلّ العقل بقبح التكليف فيه لا يمنع من جريان استصحاب عدم التكليف؛ لأنَّ العدم السابق المتيقّن ليس مستنداً إلى حكم العقل بالقبح، بل يمكن أن يكون عدم التكليف ثابتاً بمقتضى دليلٍ شرعي مستقلّ، كما في قوله (صلّى الله عليه وآله): "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ"([2] ). فلو فُرض أنَّ الصبي كان غير مميّز، بحيث لا يميّز بين الأفعال ولا يتأتّى منه قصد الامتثال لو كُلّف، ثم بلغ سنّاً شُكّ معه في حصول التمييز له وخروجه عن حالته السابقة، أمكن استصحاب عدم التمييز، كما أمكن استصحاب عدم التكليف. ولا ينافي ذلك استقلال العقل بقبح تكليف غير المميّز؛ لأنَّ عدم التكليف لم يثبت في المقام من جهة حكم العقل بالقبح فحسب، بل ثبت بمقتضى الدليل الشرعي المستقلّ، فتصادق العقل والشرع في هذا المورد، من غير أن يكون الحكم الشرعي متولّداً من الحكم العقلي أو مستنداً إليه.

وعليه، فإذا شككنا في حصول التمييز للصبي، أمكن استصحاب عدمه، وإن كان العقل يستقلّ بأنَّ غير المميّز لا يصلح لتوجّه التكليف إليه، وكان تكليفه من موارد القبح العقلي؛ إذ لو التفت العقل إلى حاله لحكم بقبح تكليفه. إلا أنَّ ذلك لا يمنع من استصحاب عدم التكليف؛ لأنَّ عدم التكليف في المورد ثابتٌ بلسان الدليل الشرعي، لا على أساس كونه حكماً شرعياً مستنداً إلى حكم العقل بالقبح.

وبعبارةٍ أخرى: ليس كلّ موردٍ استقلّ العقل بقبح التكليف فيه خارجاً عن دائرة الاستصحاب، وإنما يمتنع الاستصحاب فيما إذا كان المستصحَب نفس الحكم العقلي، أو كان الحكم الشرعي مستنداً إلى ذلك الحكم العقلي وتابعاً له. وأمّا إذا كان عدم التكليف ثابتاً بدليل شرعي مستقلّ، فلا يمنع تصادقه مع حكم العقل بالقبح من استصحابه.

وهذا البيان يمهّد لإيراد إشكالٍ في المقام، وهو: هل يُعقل توجّه الخطاب الشرعي إلى المكلّف حال كونه ناسياً؟

ومنشأ الإشكال: أنَّ العقل يستقبح مخاطبة الناسي حال نسيانه؛ لأنَّ الناسي غير ملتفتٍ إلى نسيانه، فلو وُجّه إليه الخطاب على نحوٍ يوجب التفاته إلى ما نسيه، لصار ذاكراً وخرج عن كونه ناسياً.

وعليه، فإذا نسي المكلّف فعلاً من أفعال الصلاة، كالركوع أو التشهّد، ولم يأتِ به، وقع الكلام في أنَّه هل يصحّ القول بأنَّه كان مخاطباً بالمركّب قبل عروض النسيان، وأنَّ ذلك الخطاب يبقى متوجّهاً إليه في أثناء النسيان؟ أو يقال: إنَّه غير مخاطبٍ به حال النسيان؛ لعدم إمكان توجيه الخطاب إليه في تلك الحال؟

وعلى الثاني، يثار سؤالٌ آخر، وهو أنَّه إذا ارتفع النسيان بعد ذلك، فهل يمكن استصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان، والحكم ببقاء عدم الخطاب، أو لا مجال لذلك؟

وهنا تظهر الثمرة الفقهية لهذا البحث؛ فإنَّه إذا قيل بأنَّ الناسي لا يمكن توجيه الخطاب إليه حال نسيانه، وكان منشأ عدم توجّه الخطاب إليه هو حكم العقل بقبح مخاطبته، ثم ارتفع النسيان ووقع الشكّ في ثبوت التكليف بعد ذلك، لم يمكن استصحاب عدم التكليف الثابت في حال النسيان؛ لأنَّ منشأه ـ بحسب الفرض ـ حكم العقل، وقد تقدّم أنَّ الحكم العقلي لا يجري فيه الاستصحاب، كما لا يجري في الحكم الشرعي إذا كان مستنداً إليه وتابعاً له.

ومن هنا يرتبط البحث بما ذكره بعض الفقهاء في الموارد التي يمكن فيها تدارك المنسي بعد ارتفاع النسيان، كما في القضاء ونحوه؛ إذ يقع الكلام في منشأ توجّه التكليف بعد ارتفاع النسيان، مع فرض عدم إمكان توجّه أصل الخطاب إلى الناسي في حال نسيانه.

والحاصل: أنَّ التفصيل المتقدّم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المستند إليه من جهة، وبين الحكم الشرعي الثابت بدليلٍ مستقلّ من جهةٍ أخرى، تترتّب عليه ثمرةٌ فقهية في أمثال هذه الموارد؛ فإن كان عدم التكليف ثابتاً بدليلٍ شرعي مستقلّ أمكن استصحابه عند تماميّة أركانه، وأمّا إذا كان عدم التكليف مستنداً إلى حكم العقل بقبح توجيه الخطاب، فلا مجال لاستصحابه على مبنى الشيخ الأعظم (قدّس سرّه). وإن كانت موارد هذه الثمرة قليلةً أو نادرةً، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ مزيد بسطٍ وتتمّة للكلام فيما يستقبل.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - حاشية فرائد الأصول، ج٣، ص٢٤٦.
[2] - الخصال، الشيخ الصدوق، ص٩٣.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo