« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/04/01

بسم الله الرحمن الرحيم

 الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)/التنبيه الثالث /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/التنبيه الثالث / الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)

لازال الكلام في التنبيه الثالث الذي ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)، وهو: عدم جريان الاستصحاب في المتيقن السابق إذا كان مما يستقل العقل به .

وقد وجّه بعض الأعلام تعرُّض الشيخ (قدّس سرّه) لهذا المطلب في موضعين ـ تارةً في مقام تقسيم الاستصحاب بلحاظ المستصحب، وأخرى في هذا التنبيه ـ بأنّ غرضه من ذكره هناك لم يكن إلا استيفاء الأقوال في المسألة، والإشارة إلى وجود قول بالتفصيل بين كون المستصحب مما يثبت بالدليل الشرعي وكونه مما يثبت بالدليل العقلي ، وأمّا غرضه في المقام فهو التصدّي لتحقيق نكتة عدم جريان الاستصحاب فيما إذا كان المستصحب مما يثبت بالدليل العقلي .

إلّا أنّ هذا التوجيه قابل للمناقشة؛ فإنّه لو كان الغرض هناك مجرّد استيفاء الأقوال والإشارة إلى أصل هذا التفصيل، لكان المناسب فنّياً أن يقتصر الشيخ على الإشارة إليه، بأن يقول مثلاً: ومن الأقوال التفصيل بين كون المستصحب شرعياً أو عقلياً ولم أجد من تنبه لذلك، وسيأتي تحقيقه، من دون حاجة إلى التعرّض للمطلب في كلا الموضعين على النحو المذكور. وعلى كل حال فما ذكر مجرد اعتذار لتكرار الشيخ المطلب في موردين .

وكيف كان فتحقيق مراد الشيخ (قدّس سرّه) من هذا التنبيه، وما يتفرّع عليه من مناقشات الأعلام، يتوقّف على تقديم مقدّمة:

وهي أنّ من الأفعال ما يستقلّ العقل العملي بإدراك حسنه أو قبحه؛ فإذا أدرك العقل ـ مثلاً ـ أنّ "الظلم قبيح" أو أنّ "العدل حسن"، تحقّقت لدينا قضية مشتملة على موضوع ومحمول، والعقل هو المدرك لهذه القضية بما لها من موضوع ومحمول ونسبة حكمية.

وحينئذٍ يقع الكلام في أنّ الحكم العقلي بعد ثبوته واليقين به، هل يتصوّر عروض الشكّ في بقائه ـ سواء نشأ الشك من ناحية الحكم أم من ناحية ما له دخل في موضوعه ـ لكي يكون مورداً للاستصحاب؟

ومختار الشيخ (قدّس سرّه): عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي؛ لعدم تصوّر الشكّ في بقاء الحكم العقلي مع بقاء موضوعه الذي حكم العقل عليه.

وتوضيح ذلك: أنّ العقل إنّما يحكم بعد إحراز الموضوع بتمام ما له دخل في حكمه من القيود والخصوصيات؛ إذ لا يمكن للعقل أن يستقلّ بحكمٍ مع تردّده في تمام موضوع ذلك الحكم. ومن هنا كان الموضوع المأخوذ في القضية العقلية ملحوظاً بجميع الحيثيات والقيود الدخيلة في مناط الحكم.

وعلى هذا الأساس، لا تتصوّر بالنسبة إلى العقل ـ بما هو حاكم ـ حالة متوسّطة بين إدراك ثبوت الحكم وإدراك عدم ثبوته؛ فإنّه إن أحرز الموضوع بتمام ما له دخل في حكمه حكم، وإن لم يحرزه كذلك لم يتحقّق منه الحكم. فالشكّ الطارئ إنّما يكشف عن عدم إحراز الموضوع الذي كان العقل قد حكم عليه سابقاً بتمام قيوده، لا عن الشكّ في بقاء الحكم العقلي على موضوعه بعينه.

ويتّضح ذلك بمثال الظلم؛ فإنّ العقل متى أحرز صدق عنوان الظلم بما هو ظلم حكم بقبحه، من غير دخل لخصوصية الفاعل في هذا الحكم؛ فلا فرق في قبحه بين صدوره من فاسق أو عادل، وإن كان صدوره من العادل موجباً لزوال عدالته إذا تحقّقت سائر شرائط ذلك.

وكذلك الحال في العدل؛ فإنّ العقل يدرك حسنه بما هو عدل، من غير دخل لخصوصية الفاعل فيه، فلا يختلف حكمه باختلاف كون الفاعل ملِكاً أو كاسباً، فاسقاً أو عادلاً؛ لأنّ المناط الذي أدرك العقل على أساسه الحسن قائم بنفس عنوان العدل، المعبّر عنه بـ"وضع الأمور مواضعها"، بحسب الفرض.

والحاصل: أنّ موضوع الحكم العقلي إنّما يكون موضوعاً له بما هو مشتمل على تمام الحيثيات والقيود التي أدرك العقل دخالتها في حكمه؛ فما دام ذلك الموضوع محفوظاً بتمام قيوده، فالحكم العقلي ثابت ولا يتصوّر الشكّ فيه من جهة العقل الحاكم. وأمّا إذا طرأ الشكّ من جهة فقد بعض تلك الخصوصيات أو تبدّلها، لم يكن الموضوع المشكوك هو عين الموضوع الذي تعلّق به الحكم العقلي سابقاً.

ومن هنا يظهر وجه عدم جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي؛ إذ مع إحراز بقاء موضوعه بتمام قيوده لا شكّ في الحكم حتى يحتاج إلى الاستصحاب، ومع الشكّ في بقاء بعض ما له دخل في الموضوع لا يحرز بقاء الموضوع السابق، فيختلّ اتحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة.

فالنتيجة: أنّه لا يجتمع في الحكم العقلي اليقين السابق والشكّ اللاحق مع وحدة الموضوع على النحو المعتبر في الاستصحاب؛ لأنّ بقاء الموضوع العقلي بتمام قيوده يستلزم بقاء حكم العقل، والشكّ في الحكم لا ينشأ إلا من الشكّ في بقاء ما له دخل في موضوعه، ومعه لا يحرز بقاء الموضوع الذي تعلّق به اليقين السابق. ومن ثمّ لا يكون الحكم العقلي، بما هو حكم عقلي، مورداً للاستصحاب.

ثم انه يتفرّع على ما تقدّم أمرٌ في غاية الأهمية، له مدخلية فيما سيأتي من البحث، وحاصله: أنّ ثبوت الحكم العقلي في موردٍ يستلزم ثبوت الحكم الشرعي بناءً على ثبوت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع من دون الحاجة إلى وجود دليل شرعي لفظي مستقل ، دال على الحكم.

نعم قد يرد في مورد حكم العقل نفسه دليلٌ شرعي مستقلّ يدلّ على الحكم، مع كون العقل أيضاً مدركاً له. ومن هنا لا بدّ من التمييز بين صورتين:

الصورة الأولى: أن يستقلّ العقل بإدراك حكمٍ في موردٍ من الموارد، من دون أن يكون بأيدينا دليلٌ شرعي خاصّ يدلّ عليه، ثم نستكشف ـ بناءً على قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ ثبوت الحكم الشرعي الموافق له.

ومثاله: ما لو استقلّ العقل بقبح الظلم أو حسن العدل؛ فإنّ المدرك ابتداءً في مثل ذلك هو العقل، فإذا لم يرد في المورد دليلٌ شرعي خاصّ، أمكن ـ بناءً على تمامية قاعدة الملازمة ـ استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي، فيقال: ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته، وما حكم العقل بحسنه على نحو الإلزام حكم الشارع بوجوبه.

وعليه، فليس المراد من موافقة الشارع للعقل في هذه الصورة وجودَ خطابٍ شرعي مستقلّ وصل إلينا في عرض الحكم العقلي، وإنّما المراد أنّ الحكم الشرعي يُستكشف من الحكم العقلي بواسطة قاعدة الملازمة. والكلام في أصل هذه الملازمة وكيفية تصويرها إنّما هو في مقام الثبوت، وأمّا إحرازها صغرى وكبرى والاستدلال عليها فله مقام آخر.

ويمكن تقريب ذلك بمثال ردّ الوديعة؛ فلو فرضنا استقلال العقل بلزوم ردّ الوديعة إلى صاحبه عند مطالبته به، ولم نعثر على دليلٍ شرعي خاصّ في المورد، أمكن استكشاف الوجوب الشرعي ـ بناءً على الملازمة ـ من ذلك الحكم العقلي.

الصورة الثانية: أن يقوم في المورد دليلٌ شرعي مستقلّ على الحكم، ويكون للعقل أيضاً حكمٌ موافقٌ له؛ فلدينا حينئذٍ حكمان متوافقان بحسب المتعلّق: حكمٌ عقلي، وحكمٌ شرعي ثابت بدليله الخاص، من دون أن يكون إثبات الثاني متوقّفاً على الاستدلال بالأول.

فلو فرضنا ورود دليلٍ شرعي خاصّ يدلّ على وجوب ردّ الوديعة، كان الوجوب الشرعي ثابتاً بذلك الدليل بنفسه، وإن كان العقل أيضاً مستقلاً بلزوم ردّها. وعليه، فليس استكشاف الحكم الشرعي في هذه الصورة مبنى على الملازمة، بل لكلٍّ من الحكمين مدركه، وإن اتّفقا وتطابقا في المورد.

وهذا بخلاف الأحكام التوقيفية التعبدية المحضة التي لا سبيل للعقل إلى إدراك خصوصياتها استقلالاً، كعدد ركعات الصلوات وخصوصية وجوب الصيام في شهر رمضان؛ فإنّ هذه الخصوصيات إنّما تعرف من طريق البيان الشرعي فقط، ولا مجال لإثباتها باستقلال العقل.

والحاصل: أنّ موافقة الحكم الشرعي للحكم العقلي تتصوّر على نحوين:

الأول: أن يكون الحكم العقلي هو الطريق إلى استكشاف الحكم الشرعي، بحيث لا يكون بأيدينا دليلٌ شرعي خاصّ في المورد، فنستكشف الحكم الشرعي من حكم العقل بناءً على قاعدة الملازمة.

والثاني: أن يكون الحكم الشرعي ثابتاً بدليلٍ شرعي مستقلّ، ويكون للعقل في المورد نفسه حكمٌ موافقٌ له؛ وحينئذٍ لا يكون الحكم العقلي دليلاً على الحكم الشرعي في مقام الإثبات، وإن اتّفق الحكمان في المتعلّق والنتيجة.

وبعبارةٍ أدقّ: تارةً تكون موافقة الحكم الشرعي للحكم العقلي مستكشفةً بقاعدة الملازمة، وأخرى تكون الموافقة بينهما اتفاقيةً في المورد، مع استقلال كلٍّ منهما بمدركه. وهذا التفصيل هو الذي ستظهر ثمرته فيما يأتي من البحث.

وتأسيساً على ما تقدّم، يقع البحث في المقام ضمن ثلاثة فروع:

الفرع الأول: الحكم العقلي بما هو حكم عقلي محض.

والبحث فيه عن إمكان جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي وعدمه. وقد ذهب الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) إلى عدم جريانه؛ باعتبار أنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوع حكمه بتمام ما له دخل فيه من الخصوصيات والقيود، فمع إحراز الموضوع بتمام قيوده يكون الحكم العقلي ثابتاً، ومع عدم إحرازه لا يتحقّق حكم العقل. ومن ثمّ لا يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم العقلي مع إحراز بقاء موضوعه على النحو الذي تعلّق به الحكم سابقاً، فلا يتأتّى فيه الاستصحاب.

الفرع الثاني: الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة.

وهو ما إذا استقلّ العقل بحكمٍ، واستكشفنا منه حكماً شرعياً على طبقه بناءً على الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، من دون أن يكون بأيدينا دليلٌ شرعي خاصّ مستقلّ يدلّ على ذلك الحكم. والكلام حينئذٍ في أنّ هذا الحكم الشرعي ـ بعد فرض ثبوته واستكشافه من الحكم العقلي ـ هل يجري فيه الاستصحاب عند الشكّ في بقائه، أو لا يجري؟

الفرع الثالث: الحكم الشرعي الثابت بدليلٍ شرعي مستقلّ، مع موافقته للحكم العقلي في المورد.

وهو ما إذا ثبت الحكم الشرعي بدليلٍ خاصّ، كآيةٍ أو رواية، وكان للعقل أيضاً حكم على طبق ذلك الحكم الشرعي، إلا أنّ الحكم الشرعي لم يُستكشف من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة، بل ثبت بدليله الشرعي الخاصّ مستقلاً عنه. والكلام حينئذٍ في أنّ وجود حكمٍ عقلي موافق له هل يمنع من جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي، أو أنّه لا أثر لهذه الموافقة، فيجري فيه الاستصحاب كسائر الأحكام الشرعية الثابتة بأدلّتها؟

فهذه فروع ثلاثة ينبغي عدم الخلط بينها والتمييز بين أحكامها؛ فإنّ الأول منها ناظرٌ إلى استصحاب نفس الحكم العقلي، وأمّا الثاني والثالث فناظران إلى استصحاب الحكم الشرعي، غاية الأمر أنّ منشأ إثبات الحكم الشرعي في الثاني هو الحكم العقلي بضميمة قاعدة الملازمة، في حين أنّ الحكم الشرعي في الثالث ثابتٌ بدليلٍ شرعي مستقلّ، وإن وافقه حكم العقل في المورد.

ولا ينبغي أن يُتوهم اختصاص الفرع الثالث بالأحكام الشرعية التي لا مجال للعقل إلى إدراكها، كجملةٍ من الأحكام التعبدية والتوقيفية؛ فإنّ محل الكلام أعمّ من ذلك، فانه قد يكون في المورد حكمٌ عقلي موافق للحكم الشرعي، إلا أنّ الدليل المثبت للحكم الشرعي ليس هو الحكم العقلي ولا قاعدة الملازمة، وإنّما هو الدليلٌ الشرعي المستقلّ. فالعبرة في التمييز بين الفرعين الثاني والثالث بمدرك الحكم الشرعي وطريق إثباته، لا بمجرد وجود حكمٍ عقلي موافق له أو عدمه.

والحاصل: أنّ المختار في المقام هو التفصيل؛ فإنّ الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة لا يجري فيه الاستصحاب، وأمّا الحكم الشرعي الثابت بدليلٍ شرعي مستقلّ فيجري فيه الاستصحاب، وإن كان العقل يحكم على طبقه في المورد. وسيأتي بيان الوجه في كلٍّ من القسمين ودليله.

الدليل على عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي

وقد ذكر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في مقام الاستدلال على عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي ما حاصله: "أنّ الاستصحاب إبقاء ما كان، والحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلاً للعقل الحاكم به"([1] ).

وتوضيح مراده (قدّس سرّه): أنّ جريان الاستصحاب يتوقّف على تحقّق يقينٍ سابق وشكٍّ لاحق في بقاء المتيقّن، مع إحراز بقاء موضوعه. وهذا المعنى لا يتأتّى في نفس الحكم العقلي؛ لأنّ العقل لا يحكم إلا بعد إحراز موضوع حكمه بتمام ما له دخل فيه من القيود والحيثيات.

ومن هنا ذكر الشيخ (قدّس سرّه) "فإن أدرك بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكماً قطعياً كما حكم أولاً"؛ بمعنى أنّ العقل إذا أحرز في الزمان اللاحق بقاء الموضوع بعينه، بتمام القيود والحيثيات التي كانت دخيلةً في حكمه سابقاً، فلا يبقى لديه شكّ في الحكم، بل يحكم به وجداناً وقطعاً كما حكم به في الحالة السابقة. وحينئذٍ لاتصل النوبة إلى الاستصحاب؛ لأنّ الحكم ثابتٌ بالدليل العقلي نفسه، لا بالأصل العملي.

ثم قال (قدّس سرّه): "وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، ولو ثبت مثله بدليل لكان حكماً جديداً حادثاً في موضوع جديد".

والوجه فيه واضح؛ فإنّ العقل إذا أحرز ارتفاع الموضوع السابق ـ ولو بارتفاع بعض القيود الدخيلة فيه ـ قطع بارتفاع حكمه؛ لأنّ الحكم العقلي تابع لموضوعه بما له من الخصوصيات التي أدرك العقل دخالتها فيه. ولو ثبت بعد ذلك حكمٌ مماثل للحكم السابق بدليلٍ آخر، لم يكن ذلك بقاءً للحكم الأول، بل كان حكماً آخر ثابتاً لموضوعٍ آخر، فلا يكون المورد من موارد الاستصحاب.

وعليه، فمع إحراز بقاء الموضوع يكون الحكم العقلي مقطوع البقاء، ومع إحراز ارتفاع الموضوع يكون الحكم مقطوع الارتفاع؛ فلا يتحقّق في شيءٍ من الصورتين شكٌّ في البقاء حتى يكون مورداً للاستصحاب.

ثم تعرّض الشيخ (قدّس سرّه) إلى فرض الشكّ في بقاء الموضوع، وبيّن أنّ منشأ هذا الشكّ لا يخلو من أحد نحوين:

النحو الأول: أن يكون الشكّ ناشئاً من اشتباه الأمور الخارجية.

كما لو استقلّ العقل بقبح شرب السمّ المهلك لما يترتّب عليه من هلاك النفس، ثم خُفّف السمّ بالماء وشُكّ خارجاً في أنّه هل بقي على وصف الإضرار والإهلاك أو زال عنه ذلك الوصف.

فالشكّ هنا ليس في القضية العقلية الكلية؛ فإنّ العقل لا يزال حاكماً بأنّ شرب ما يوجب هلاك النفس قبيح، ولم يطرأ على حكمه الكلي أيّ تردّد، وإنّما وقع الشكّ في انطباق موضوع ذلك الحكم على هذا الموجود الخارجي: هل هذا السائل بعد تخفيفه لا يزال مضرّاً مهلكاً أو لا؟

فالشبهة، حينئذ، موضوعية وهي خارجة عن محل البحث ، ولا ترجع إلى الشكّ في بقاء نفس الحكم العقلي الكلي الذي هو محلّ الكلام. وهذا هو المناسب لما تقرّر في المنطق والفلسفة من عدم البحث في الجزئيات لأن "الجزئي لا يقع كاسبا ولا مكتسبا"؛ فإنّ شأن العقل هو إدراكُ الكبريات ثبوتاً ونفياً، وأمّا تشخيص انطباق تلك الكبريات على الجزئيات والمصاديق الخارجية فليس هو محلّ البحث في استصحاب الحكم العقلي. فالشكّ في بقاء إضرار هذا السمّ بعد تخفيفه يرجع إلى اشتباه المصداق الخارجي، لا إلى تردّد العقل في كبرى قبح شرب المضرّ المهلك.

النحو الثاني: أن يكون منشأ الشكّ عدم تعيّن موضوع الحكم العقلي تفصيلاً، بأن يحتمل دخل خصوصيةٍ كانت موجودةً ثم ارتفعت، أو خصوصيةٍ كانت معدومةً ثم حدثت، في موضوع حكم العقل.

وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ (قدّس سرّه) بقوله: "وإن كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلاً واحتمال مدخلية موجود مرتفع أو معدوم حادث في موضوعية الموضوع، فهذا غير متصوّر في المستقلات العقلية".

وحاصل مراده: أنّ فرض حكم العقل مع عدم تعيّن موضوعه لديه بتمام ما له دخل في ذلك الحكم فرضٌ غير معقول؛ لأنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلا بعد إحراز موضوعه ومعرفته بما له من القيود والحيثيات الدخيلة في مناط حكمه. فلو احتمل العقل دخل خصوصيةٍ ما في الموضوع ولم يحرز وجودها أو عدمها، لم يكن له استقلال بالحكم من الأساس.

ويمكن تقريب محلّ الكلام بما يذكر في دوران الأمر بين المحذورين؛ حيث يعلم المكلّف إجمالاً بأنّ الفعل إمّا واجب وإمّا حرام، ولا يمكنه الاحتياط بالموافقة القطعية لكلا الاحتمالين، فيحكم العقل بالتخيير بحسب ما يقتضيه المقام.

وتقريب جهة الشكّ في استمرار هذا التخيير: أنّه قد يقال إنّ التخيير ثابت للمكلّف ما دام لم يختر أحد الطرفين، فإذا اختار أحدهما ارتفع موضوع التخيير وتعيّن عليه البقاء على ما اختاره؛ وقد يقال، في مقابل ذلك، إنّ الاختيار الأول لا يوجب سقوط التخيير، بل يبقى حكم العقل بالتخيير مستمراً.

ويمكن تمثيل ذلك ـ على نحو التقريب ـ بما لو كان المكلّف مخيّراً بين طرفين، كـالإناء الشرقي والإناء الغربي، فقيل له: أنت مخيّر ما لم تختر أحدهما؛ فإذا اختار الإناء الشرقي مثلاً، وقع الكلام في أنّ هذا الاختيار هل يكون قيداً رافعاً لموضوع التخيير، بحيث يتعيّن عليه بعد ذلك البقاء على اختياره الأول، أو أنّ التخيير يبقى على حاله ولا يكون الاختيار الأول موجباً لارتفاعه؟

فلو وقع الكلام بعد اختيار المكلّف أحد الطرفين في أنّ التخيير العقلي هل هو باقٍ، فيجوز له الانتقال في الواقعة اللاحقة إلى الطرف الآخر، أو أنّ اختياره الأول كان دخيلاً في موضوع حكم العقل، بحيث يرتفع التخيير بعده ويتعيّن عليه الاستمرار على ما اختاره، فقد يُتوهم إمكان استصحاب التخيير العقلي السابق عند الشكّ في بقائه.

إلا أنّ هذا الفرض، على مبنى الشيخ (قدّس سرّه)، لا يفتح باب الاستصحاب في الحكم العقلي؛ لأنّ العقل إذا كان مستقلاً بالتخيير فلا بدّ أن يكون قد أدرك موضوع حكمه بتمام حدوده وقيوده. فإن أدرك أنّ الاختيار الأول لا دخل له في موضوع التخيير، حكم ببقاء التخيير قطعاً، وإن أدرك دخله فيه حكم بارتفاع التخيير بعد تحقق الاختيار. وأمّا فرض استقلال العقل بالحكم مع تردّده في أنّ هذه الخصوصية دخيلة في موضوع حكمه أو غير دخيلة، فهو الذي لا يتصوّر في المستقلات العقلية.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ الإشكال المفروض في المقام هو أنّ التخيير هل يبقى مستمراً بعد الانتخاب إلى النهاية أم لا؟ وهذه الحالة الترددية ـ بحسب مبنى الشيخ ـ لا يتعقّلها العقل في نفس موضوع حكمه؛ لأنّ حكم العقل واحد، وهو فرع إحراز الموضوع بتمام ما له دخل فيه، فإمّا أن يتصوّر العقل جميع الخصوصيات الدخيلة في الموضوع فيحكم، وإمّا أن لا يحرز تمام الموضوع فلا يستقلّ بالحكم من الأصل. فلا معنى لأن يستقلّ العقل بحكمٍ مع بقائه متردّداً في حدود الموضوع الذي حكم عليه.

والحاصل: أنّ الحكم العقلي لا يتّصف بالشكّ في البقاء على النحو المصحّح للاستصحاب؛ لأنّ العقل إن أحرز بقاء موضوع حكمه بتمام قيوده حكم ببقاء الحكم قطعاً، وإن أحرز ارتفاع الموضوع حكم بارتفاعه قطعاً، وإن كان التردّد ناشئاً من اشتباه الأمر الخارجي كان الشكّ في المصداق لا في القضية العقلية الكلية وهو خارج عن محل الكلام لأن الكلام في الحكم العقلي لا في المصداق الخارجي ، وهذا كما ذكرنا ينسجم مع القاعدة القائلة: "بأن الجزئي لا كاسب ولا مكتسب". وأمّا فرض تردّد العقل في حدود الموضوع الذي استقلّ بالحكم عليه ـ بأن لا يعلم أنّ خصوصيةً ما دخيلةٌ فيه أو غير دخيلة ـ فهو غير متصوّر عند الشيخ؛ إذ استقلال العقل بالحكم فرع إحراز موضوعه بتمام ما له دخل في ذلك الحكم.

وعلى هذا يبتني ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من عدم جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي. وهذا هو مبناه في المقام، وسيأتي بيان ما أورده الأعلام عليه ومناقشة تمامية هذا المبنى.

والحاصل: أنّا إذا رجعنا إلى العقل في مسألة كون التخيير ابتدائياً أو استمرارياً، فإنّ المرجع في تعيين حدود موضوع هذا التخيير هو العقل نفسه؛ فإن أدرك أنّ موضوع التخيير يرتفع باختيار أحد الطرفين، كما لو اختار المكلّف الإناء الشرقي، قطع بارتفاع حكمه بالتخيير بعد الاختيار، ولا يتطرّق إليه الشكّ في بقائه. وإن أدرك أنّ الاختيار الأول لا دخل له في موضوع التخيير، وأنّ الموضوع باقٍ بعده، قطع ببقاء حكمه بالتخيير.

فليس من المعقول ـ على مبنى الشيخ (قدّس سرّه) ـ أن يقال للعقل: إنّ المكلّف كان مخيّراً بين الإناء الشرقي والغربي، وقد اختار الإناء الشرقي أولاً، فهل يبقى التخيير بعد ساعة أو يرتفع؟ ثم يُفرض تردّد العقل في الجواب مع كونه مستقلاً بأصل الحكم؛ فإنّ هذا التردّد يرجع في حقيقته إلى عدم إحراز حدود موضوع حكمه، وهو لا ينسجم مع استقلاله بالحكم من الأصل.

فالعقل، بما هو حاكم في القضية ومدركٌ لموضوع حكمه بتمام قيوده، إمّا أن يحرز بقاء الموضوع فيحكم ببقاء التخيير، وإمّا أن يحرز ارتفاعه فيحكم بارتفاع التخيير؛ وأمّا أن يستقلّ بالحكم مع إجمال موضوعه لديه وتردّده في أنّ خصوصيةً ما دخيلة فيه أو غير دخيلة، فهذا هو الذي ينفيه الشيخ (قدّس سرّه) في المستقلات العقلية.

وهذا أصلٌ ينبغي التحفّظ عليه؛ لما سيظهر من أنّه أصبح محوراً لمناقشات الأعلام وإيراداتهم على مبنى الشيخ (قدّس سرّه) في المقام.

والنتيجة تتلخّص في أمرين:

أولاً: أنّ العقل إذا استقلّ بحكمٍ، فلا بدّ أن يكون موضوع حكمه معلوماً لديه تفصيلاً، بجميع ما له دخلٌ في ذلك الحكم من القيود والحيثيات؛ إذ استقلاله بالحكم فرع إحراز تمام موضوعه.

ثانياً: أنّه لا يتصوّر الإجمال والتردّد في حدود موضوع الحكم العقلي مع فرض استقلال العقل بالحكم؛ لأنّ فرض الإجمال في الموضوع يلازم عدم إحراز تمام موضوع الحكم، ومع عدم إحرازه لا يستقلّ العقل بالحكم من الأصل. ومن ثمّ، فالعقل بما هو حاكم إمّا أن يحرز ثبوت موضوع حكمه فيحكم، وإمّا أن يحرز انتفاءه فلا يكون الحكم السابق ثابتاً؛ ولا تتصوّر حالةٌ وسطى يجتمع فيها استقلال العقل بالحكم مع تردّده في حدود موضوع ذلك الحكم.

 

وللكلام تتمة…

 

{{ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ }}

 


[1] - فرائد الأصول (ج3، ص215 ـ 216).
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo