48/03/26
التنبيه الثاني/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية
الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثاني
تقدّم الكلام فيما أفاده سيّدنا السيستاني (مدّ ظلّه) في مقام المنع من جريان استصحاب عدم الجعل، وحاصل ما أفاده: أنّ هذا الاستصحاب فاقدٌ لأحد ركنيه، وهو اليقين السابق؛ إذ لا يتوفّر في المقام يقينٌ سابق بعدم الجعل حتى يُستصحب عند الشك في بقائه.
وتوضيح ذلك: أنّ الأمر في محلّ الكلام لا يدور بين قدرٍ متيقّنٍ وزائدٍ مشكوك، بحيث يكون أصل الجعل معلوماً، وإنما يقع الشك في سعته وضيقه، كما هو الحال في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر؛ بل الشك متعلّقٌ من أوّل الأمر بأصل الجعل وهويّته، وأنّ المجعول هل هو هذا الحكم المحدود بهذا الحدّ، أو حكمٌ آخر محدود بحدٍّ آخر.
وعليه، فليس في البين جعلٌ واحدٌ معلوم الحدوث مردّدٌ بين كونه قصيراً أو طويلاً، حتى يقال: إنّ أصل الجعل متيقّن، وإنما الشك في امتداده وسعته؛ بل الأمر مردّدٌ بين جعلين متغايرين، كلٌّ منهما مباينٌ للآخر، وتكون نسبة المكلّف إليهما على حدٍّ سواء؛ فهو شاكّ في ثبوت كلّ واحدٍ منهما من أوّل الأمر.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ الشك في المقام شكٌّ في الحدوث، لا في البقاء؛ لأنّ ما يراد استصحابه لم يكن حدوثه متيقّناً سابقاً، ثم طرأ الشك في بقائه، بل هو مشكوك الحدوث من رأس. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يتحقّق اليقين السابق الذي يتقوّم به الاستصحاب، فلا موضوع لاستصحاب عدم الجعل.
وهذا هو محصّل ما أفاده سيّدنا (مدّ ظلّه) في تقريب المنع عن استصحاب عدم الجعل من ناحية اختلال ركن اليقين السابق.
ثمّ قال(مدّ ظلّه): "ولا يمكن لنا القول بأنّا نعلم وجوب الجلوس إلى الزوال، إذ الأمر دائر بين أن يكون الواجب هو الجلوس إلى الزوال أو الجلوس إلى الغروب، فهنا حكمان ووجوبان لا وجوب واحد" ([1] ).
وتوضيح ما أفاده: أنّه لا يمكن القول بأنّ المعلوم هو وجوب الجلوس إلى الزوال، وأنّ الشكّ إنّما هو في امتداد ذلك الوجوب إلى الغروب؛ لأنّ لازم ذلك فرض وجوبٍ واحدٍ معلومٍ إلى الزوال، مشكوكٍ في امتداده بعده، مع أنّ المفروض على مبناه (مدّ ظلّه) أنّ الأمر دائر بين وجوبين متغايرين: وجوب الجلوس المحدود بالزوال، ووجوب الجلوس المحدود بالغروب.
وعليه، فالشكّ إنّما هو في أصل الإنشاء الصادر من المولى: هل أنشأ الوجوب المحدود بالزوال، أو أنشأ الوجوب المحدود بالغروب؟ فلا يكون الوجوب إلى الزوال قدراً متيقّناً والوجوب بعده مشكوكاً، بل كلّ واحدٍ من الوجوبين مشكوكٌ في أصل جعله، ومن ثَمَّ لا يوجد في المقام قدرٌ متيقّن.
ثمّ أردف (دام ظلّه) قائلاً: "وبالجملة، إن أنكرنا الانحلال فلا يجري الاستصحاب العدمي…".
ومراده من الانحلال: انحلال أحد المحتملين إلى قدرٍ متيقّن ومقدارٍ زائدٍ مشكوك؛ فإذا أنكرنا ذلك، كان كلّ واحدٍ من الجعلين مشكوكاً من أوّل الأمر، فلا يقين سابق بعدم أحدهما ليكون مورداً للاستصحاب، بل يكون الشكّ فيه بدويّاً، فلا يجري الاستصحاب العدمي.
ثمّ قال (دام ظلّه): (هذا كلّه في الجعل).
وأمّا بالنسبة إلى المجعول، فقال (دام ظلّه): "وكذلك الكلام بالنسبة إلى المجعول، فإنّه لو شككنا في تحقّق وجوب الجلوس إلى الزوال، أو في تحقّق الجلوس إلى الغروب، فلا يمكن استصحاب أيّ منهما…".
توضيح ذلك: أنّ المجعول مرتبط بالجعل، فإذا لم يكن أحد الجعلين بخصوصه محرزاً، لم يكن المجعول المترتّب عليه بخصوصه محرزاً أيضاً؛ إذ فعلية الحكم إنّما تكون بفعلية موضوعه بعد ثبوت أصل جعله، والمفروض أنّ الجعل مردّد بين الوجوب المحدود بالزوال والوجوب المحدود بالغروب، فلا يمكن استصحاب أحد المجعولين بخصوصه.
نعم، المعلوم هو أصل الوجوب الجامع بينهما؛ فإنّ الوجوب إمّا أن يكون إلى الزوال وإمّا أن يكون إلى الغروب، فلو كان الأثر مترتّباً على الكلّي أمكن استصحابه، إلا أنّ محلّ الكلام ليس في الكلّي، بل في الفرد بخصوصه، وكلّ واحدٍ من الفردين مشكوكٌ من أول الأمر، فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيه.
إلى هنا انتهى ما أفاده السيّد (مدّ ظلّه) في بيان أحد الوجوه المطروحة لحلّ التعارض، وبه يتمّ الكلام في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب الذي ذكرها الشيخ الأعظم والتي يبحث فيه عن جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات .
وقبل الدخول في التنبيه الثالث ، لا بأس بالإشارة إجمالاً إلى مسار المباحثة وذلك وفق منهج الشيخ الأعظم كما ذكرنا مرارا؛ فقد وقع الكلام أوّلًا في تعريف الاستصحاب، ثمّ في بيان بعض الأمور التي قدّمها الشيخ قبل الدخول في الأقوال، ثمّ في بيان الأقوال في حجّية الاستصحاب وحدود جريانه؛ ومنها القول بالحجّية مطلقًا، ومنها ما اختاره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع، والاستدلال عليه، ومنها ما ذُكر من الأقوال المفصِّلة الأخرى؛ كالتفصيل بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وبين الأحكام الكلّية والأحكام الجزئية، إلى غير ذلك من التفاصيل التي تعرّض لها الأعلام. ولا يخفى أنّ بعض هذه المباحث قد أُدرجت ضمن تنبيهات الاستصحاب، وبعضها الآخر ضمن الأمور التي قدّمها الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).
وبعد أن انتهى الكلام في التنبيه الأول المتعلق بجريان الاستصحاب في الكلي، والتنبيه الثاني المتعلق بجريان الاستصحاب في التدريجيات، وصل بنا الكلام إلى التنبيه الثالث وفق منهجية الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في رسالة الاستصحاب.
وينبغي الإشارة الى إن الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) قد تعرض لما ذكره في هذا التنبيه أعني التنبيه الثالث في موضعين من رسالته؛ فقد تعرض له أولا ضمن الأمر السادس من الأمور التي قدمها قبل الدخول في الأقوال - وبالدقة في الوجه الثاني من وجوه تقسيم الاستصحاب باعتبار دليل المستصحب -، ثمّ أعاد البحث عنه هنا في التنبيه الثالث. ولم تشتمل الإعادة على زيادةٍ كثيرة، وإن كان قد وسّع بعض جهات البحث وشيّد أركان المسألة ودفع ما يرد عليها من إشكالات.
ومن هنا قد يقع السؤال عن وجه تكرار الشيخ (قدّس سرّه) لهذه المسألة في موضعين، مع أنّ ذلك ليس من عادته؛ إذ كان من الممكن أن يشير إليها في الموضع الأول إجمالاً، ثمّ يُرجئ تفصيلها إلى التنبيه الثالث، إلا أنّه تعرّض لها في كلا الموضعين بشيءٍ من التفصيل.
وقد أشار الشيخ (قدّس سرّه) عند تعرّضه لها في الموضع الأول إلى أنّه لم يجد من فصّل فيها، الأمر الذي قد يُستظهر منه أنّ هذا التفصيل من مبتكراته (رضوان الله عليه)، ولا سيّما أنّ الأعلام عند مناقشة هذا التفصيل ينسبونه إليه. وأمّا عند إعادته للمسألة في التنبيه الثالث، فلم يذكر هذه العبارة، وإنّما أعاد أصل البحث، وشيّد أركانه، وتعرّض لدفع الإشكالات الواردة عليه.
فما هي هذه المسألة التي حظيت بهذا المقدار من اهتمام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، حتى تعرّض لها في موضعين؟
فنقول المسألة هي : أن الحكم الشرعي تارةً يثبت بالدليل الشرعي ، سواء أكان الكتاب أو السنّة المطهّرة أو الإجماع، وأخرى يثبت بالدليل العقلي.
ومن هنا، لابد من توضيح المراد من كون العقل دليلاً على الحكم الشرعي.
وتوضيح ذلك : إنّ العقل قد يدرك أموراً كثيرة؛ كاستحالة وجود الممكن بلا مؤثّر، واستحالة الدور، واستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، إلا أنّ هذه المدركات العقلية ليست هي محلّ الكلام في المقام؛ إذ البحث إنّما هو في المورد الذي يدرك فيه العقل حكماً، ويستتبعه الحكم الشرعي بمقتضى الملازمة المعروفة: "كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع".
وحينئذٍ يقع السؤال: ما هي الموارد التي يستقلّ العقل بإدراكها ويستتبع حكمُه فيها حكماً شرعياً؟
قد ذكروا أنّ هذه الموارد محدودة جدّاً، بل لعلّها ترجع في حقيقتها إلى أصلٍ واحد، وهو حسن الأشياء وقبحها، ثمّ أُرجع ذلك بصورة أخصّ إلى حسن العدل وقبح الظلم.
وهذا هو الذي يُعبّر عنه بـ العقل العملي، في مقابل العقل النظري؛ فإنّ العقل النظري يتعلّق بإدراك ما هو واقع وثابت في نفسه، كامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، فيكون شأن العقل إدراك ذلك الواقع. وأمّا العقل العملي، فمحلّه ما يرتبط بحسن الأفعال وقبحها، كحسن العدل وقبح الظلم.
وبعد اتّضاح ذلك نقول: إنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) يرى أنّه إذا حكم العقل في مورد ـ أو أدرك، بناءً على ما يقال من أنّ شأن العقل الإدراك لا الحكم ـ واستتبع ذلك حكماً شرعياً بمقتضى الملازمة، كان لدينا حكم شرعي دلّ عليه العقل، لا الكتاب ولا السنّة.
وهنا فصّل الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بين الحكم الشرعي الذي يكون دليله شرعياً، والحكم الشرعي الذي يكون دليله عقلياً؛ فالأول يجري فيه الاستصحاب عند تمامية أركانه على ما تقدّم، وأمّا الثاني، وهو الحكم الشرعي المستكشف من حكم العقل، فلا يجري فيه الاستصحاب.
وعليه، فلا بدّ أولاً من تحرير محلّ النزاع؛ فإنّ الكلام ليس في نفس الحكم العقلي بما هو حكم عقلي، وإنّما الكلام في الحكم الشرعي الملازم للحكم العقلي والمستكشف منه: فإذا كان الحكم الشرعي ثابتاً بالآية أو الرواية جرى فيه الاستصحاب مع تمامية أركانه، وأمّا إذا كان ثبوته مستكشفاً من حكم العقل، فقد منع الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من جريان الاستصحاب فيه.
ومن هنا يقع البحث عن النكتة التي دعت الشيخ (قدّس سرّه) إلى هذا التفصيل.
وبعبارة أخرى : لماذا لا يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من الدليل العقلي؟
وتوضيح ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): أنّ العقل إنّما يحكم بعد إحراز تمام موضوع حكمه؛ بمعنى أنّ الموضوع بتمام ما له دخلٌ في الحكم من خصوصيات وقيود لا بدّ أن يكون حاضراً لدى العقل حتى يستقلّ بالحكم عليه. فإن أحرز تمام الموضوع حكم، وإن لم يحرزه لم يحكم.
ومن هنا لا تتصوّر بالنسبة إلى الحكم العقلي حالةٌ متوسّطة بين الحكم وعدمه؛ لأنّ الموضوع إن كان محرزاً بتمام قيوده وخصوصياته، قطع العقل بالحكم، وإن لم يكن محرزاً كذلك، قطع بعدم حكمه. فلا يتصوّر الشكّ في بقاء الحكم العقلي بعد تبدّل بعض ما له دخل في موضوعه؛ إذ مع بقاء الموضوع بتمام خصوصياته يبقى حكم العقل قطعاً، ومع عدم إحراز بقائه بتمامها لا يكون للعقل حكم.
وهذا بخلاف الحكم الشرعي المستفاد من الدليل الشرعي؛ فإنّه يمكن أن يكون ثبوته معلوماً في زمان، ثمّ يعرض الشكّ في بقائه، وحينئذٍ إذا كانت له حالة سابقة متيقّنة أمكن استصحابها مع تمامية سائر الأركان.
وعلى هذا الأساس بنى الشيخ (قدّس سرّه) تفصيله؛ فإن كان الحكم الشرعي ثابتاً بدليلٍ شرعي، أمكن فرض اليقين السابق بثبوته والشكّ اللاحق في بقائه، فيجري فيه الاستصحاب مع تمامية أركانه. وأمّا إذا كان الحكم الشرعي مستكشفاً من حكم العقل، فلا يتصوّر فيه الشكّ على النحو المعتبر في الاستصحاب؛ لأنّ العقل إن أحرز تمام الموضوع حكم، وإن لم يحرزه لم يحكم، فلا تتكوّن عنده حالة يقينٍ بالحكم يعقبها شكٌّ في بقائه.
وبعبارة أخرى: إنّ المانع من جريان الاستصحاب في الحكم المستكشف بالدليل العقلي يرجع ـ على مبنى الشيخ (قدّس سرّه) ـ إلى عدم تحقّق الشكّ في البقاء الذي هو أحد ركني الاستصحاب؛ فإنّ حكم العقل يدور مدار إحراز موضوعه بتمام ما له دخلٌ فيه، فلا يتصوّر مع ذلك الشكّ في بقاء حكمه.
نعم، قد يقال: إنّا نجد وجداناً موارد نقطع فيها بالحكم سابقاً ثمّ نشكّ فيه لاحقاً، فكيف يقال بعدم تصوّر الشكّ في المقام؟ وسيأتي التعرّض لذلك في ضمن الإشكالات الواردة على هذا المبنى وما ذكر في دفعها. والمقصود في هذه المرحلة إنّما هو تحرير أصل نظرية الشيخ (قدّس سرّه) وتقريب البرهان الذي أقامه عليها، ثمّ يقع الكلام بعد ذلك فيما أُورد عليها من إشكالات ودفاعات، ثمّ في كلمات سائر الأعلام.
وقد تعرّض الشيخ (قدّس سرّه) كما ذكرنا سابقا لهذه المسألة في موضعين من مباحث الاستصحاب : الأول: في الأمر السادس من الأمور التي قدمها قبل الدخول في الأقوال.
الثاني: في التنبيه الثالث، حيث أعاد بيانها وشيّد أركانها وتعرّض لما يرد عليها.
وكيف كان فقد قال (قدس سره): في التنبيه الثالث " أنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ به العقل ـ كحرمة الظلم وقبح التكليف بما لا يطاق ونحوهما من المحسّنات والمقبّحات العقلية ـ"([2] )وتوضيح مراده: أنّ محلّ الكلام ليس مطلق ما يدركه العقل، بل خصوص المحسّنات والمقبّحات العقلية؛ فإنّ للعقل مدركاتٍ أخرى لا تدخل في محلّ البحث، كاستحالة اجتماع النقيضين، فإنّ هذه قضية عقلية نظرية لا تتّصف في نفسها بالحسن والقبح. وإنّما الحسن والقبح وصفان للفعل؛ فيدرك العقل حسن فعلٍ وقبح آخر.
ومن هنا وقع البحث المعروف بين العدلية وغيرهم في مسألة الحسن والقبح؛ فذهب العدلية إلى أنّ للأفعال ـ بقطع النظر عن ورود الشرع ـ حسناً وقبحاً يدركهما العقل، فلا يتوقّف اتصاف الفعل بالحسن أو القبح على حكم الشارع، بل العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، ويستتبع ذلك الحكم الشرعي على أساس الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
ومن أمثلة ذلك حسن ردّ الوديعة إلى أهلها؛ فإنّ العقل يدرك حسنه، ويتبعه الحكم الشرعي، فلا يكون منشأ إدراك الحسن في هذا المورد نفس ورود الحكم الشرعي، بل العقل مستقلّ بإدراك حسنه، ثمّ يستكشف من ذلك حكم الشارع.
نعم، قد يطرأ على بعض الأفعال عنوانٌ آخر يوجب تغيّر حكمها من حيث الحسن والقبح، كما في الصدق والكذب ونحوهما، وقد وقع الكلام في ذلك مفصّلاً، وتعرّض له صاحب الفصول، كما تعرّض الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لجانبٍ منه في مباحث القطع.
وعليه، فمراد الشيخ (قدّس سرّه) من قوله: (إذا كان ممّا يستقلّ به العقل) ليس مطلق المدركات العقلية، وإنّما خصوص ما يستقلّ العقل بإدراك حسنه أو قبحه من الأفعال، ويستكشف منه الحكم الشرعي.
ثمّ أردف الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) قائلاً: "فلا يجوز استصحابه؛ لأنّ الاستصحاب إبقاء ما كان".
وهذه العبارة تشير إلى حقيقة الاستصحاب؛ فإنّ جريانه يتوقّف على ثبوت شيءٍ سابقاً، ثمّ الشكّ في بقائه لاحقاً، ليكون الاستصحاب إبقاءً لما كان.
ثمّ قال (قدّس سرّه): "والحكم العقلي ـ وهذه نقطة مهمّة ـ موضوعه معلوم تفصيلاً للعقل الحاكم به".
وهذه هي النكتة الأساس في كلامه؛ فإنّ العقل إنّما يحكم بعد إحراز موضوع حكمه بتمام ما له دخلٌ فيه من القيود والخصوصيات، فلا يصدر الحكم العقلي إلا بعد العلم التفصيلي بموضوعه. ولا يضرّ التعبير عن العقل بـ"الحاكم" بدل "المدرك"؛ فإنّ التعبير بـ"حكم العقل" مستعمل في كلماتهم كثيراً، وإن كان شأن العقل ـ بالدقّة ـ هو الإدراك.
ثمّ قال (قدّس سرّه): "فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به قطعياً كما حكم به في الأول، وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، ولو ثبت مثله بدليل لكان حكماً جديداً حادثاً في موضوع جديد".
وحاصل مراده: أنّ الأمر بالنسبة إلى الحكم العقلي يدور بين بقاء الموضوع وارتفاعه؛ فإن أحرز العقل بقاء الموضوع بتمام خصوصياته في الآن الثاني، حكم ببقاء الحكم قطعاً، كما حكم به في الآن الأول، فلا شكّ حتى يحتاج إلى الاستصحاب. وإن أحرز ارتفاع الموضوع، قطع بارتفاع الحكم أيضاً، ولو ثبت بعد ذلك حكم مماثل للحكم السابق بدليلٍ آخر، لم يكن بقاءً لذلك الحكم، بل كان حكماًجديداً ثابتاً لموضوعٍ جديد.
وهذا كلّه بلحاظ الدقّة العقلية، لا بالنظر إلى المسامحة العرفية؛ فإنّ العرف قد يرى الموضوع اللاحق عين الموضوع السابق، فيصدق عنده إبقاء ما كان، وأمّا العقل فلا مجال في حكمه لهذه المسامحة؛ لأنّ حكمه تابع لموضوعه بتمام حدوده وخصوصياته.
وعلى هذا الأساس يكون أمر الحكم العقلي دائراً بين الوجود والعدم؛ فمع تمامية الموضوع يدرك العقل الحكم، ومع عدم تماميته لا يحكم. ومجرّد الشكّ في تمامية الموضوع لا يفتح مجالاً لاستصحاب الحكم العقلي، بل لا يكون للعقل حكم مع عدم إحراز موضوعه.
وهذا نظير ما يقال في باب الحجّية من أنّ الشكّ في الحجّية يساوق عدم الحجّية؛ إذ لا معنى لأن يقال: لا نعلم أنّ هذا حجّة ومع ذلك نرتّب عليه آثار الحجّية، بل الحجّة إمّا محرزة وإمّا غير محرزة. وكذلك في المقام: العقل إمّا أن يدرك الحكم بعد إحراز موضوعه، وإمّا أن لا يدركه.
وهذا هو المقدار الذي نريد إثباته في هذه المرحلة؛ إذ المقصود فعلاً تشييد ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) وتصوير مبناه بتمامه، ثمّ يأتي الكلام في ما ذُكر دفاعاً عنه وما أُورد عليه، ليتّضح بعد ذلك موقف الأعلام من أصل هذا التفصيل.
وللكلام بقية..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]