« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/03/25

بسم الله الرحمن الرحيم

التنبيه الثاني/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثاني

ما زال الكلام فيما ذهب إليه المحقق النراقي وتابعه السيد الخوئي من التفصيل في جريان الاستصحاب بين الأحكام الكلية الالهية وغيرها من الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية وذلك من اجل تعارض الاستصحاب الوجودي فيها بالاستصحاب العدمي وقد ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الأعظم قد تعرض لهذا التفصيل في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب اعني جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات. وقد تقدّم أنّ هذا المبحث طويل الذيل، كثير التشعّب. وبعد ما تقدم منا من استعراض للاقوال في المسألة وصل بنا الكلام إلى الرأي الأخير ـ بحسب ذكرنا للآراء ـ هو رأي سماحة سيّدنا السيستاني (مدّ ظلّه).

وقد استعرضنا في البحث السابق بعض ما أفاده (مدّ ظلّه)، ونشرع الآن في بيان ما ورد في عبارته الشريفة، مع التوقّف عند المواطن التي تحتاج إلى شيءٍ من التوضيح والبيان.

ومحلّ الكلام ـ كما هو معلوم ـ إنّما هو في جواب سماحته عن دعوى التعارض بين استصحاب الوجود واستصحاب العدم، ومدى تماميّة هذا التعارض في المقام.

فنقول: ذكر سماحة السيّد (مدّ ظلّه) ثلاثة أوجه لدفع التعارض: ونحن نسلط الضوء في المقام على ماذكره بعنوان الوجه الثاني وأما الوجه الأوّل: فهو ما أفاده المحقّق النائيني (قدّس سرّه)، وقد تقدّم بيانه، وحاصله: ابتناء المطلب على عدم ترتّب الأثر على الحكم الإنشائي؛ بناءً على مسلكه في التفريق بين مرتبتين للحكم: مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعليّة.

وقد فرّع المحقّق النائيني على ذلك أنّ جريان الاستصحاب مشروط بترتّب أثرٍ شرعي على المستصحب. وعليه، فإذا أُريد إجراء استصحاب عدم الجعل ـ مع غضّ النظر عن استصحاب بقاء المجعول ـ وقع السؤال عن الأثر المترتّب على هذا الاستصحاب: ما الفائدة من استصحاب عدم الجعل في حدّ نفسه؟ وما الأثر الشرعي المترتّب عليه؟

وحاصل جوابه: أنّ الآثار الشرعيّة إنّما تترتّب على المجعولات، لا على مرتبة الجعل بما هي جعل، ومن ثَمّ لا يكون لاستصحاب عدم الجعل أثرٌ شرعي يصحّح جريانه.

وقد بيّنّا سابقاً أنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) تصدّى للجواب عن هذا الإشكال؛ لأنّه يلتزم بوقوع التعارض بين الاستصحابين، فكان لا بدّ له من دفع ما أورده المحقّق النائيني من عدم الأثر في استصحاب عدم الجعل.

كما تقدّم أنّ الشيخ الوحيد تبنّى ما أفاده المحقّق النائيني، واستفاد من تقريره وثبّته في مقام المناقشة لما ذهب إليه أستاذه السيّد الخوئي (قدّس سرّه).

والشاهد في المقام أنّ عمدة كلام المحقّق النائيني ترجع إلى نفي الأثر عن الحكم الإنشائي، وقد استوفينا البحث في ذلك عند التعرّض لعبارات الشيخ الوحيد. وأما الوجه الثالث فمن أراد الوقوف عليه فليراجع كلام السيد في رسالة

وأما الوجه الثاني:، فحاصله: أنّ مورد البحث والنزاع إنّما يتمحّض في الشكّ في سعة الجعل وضيقه.

وهذا التعبير ـ أعني "الشكّ في سعة الجعل وضيقه" ـ وارد بعينه في كلمات السيّد الخوئي (قدّس سرّه)، حيث فصّل في موارد الشكّ:

فأمّا الشكّ في بقاء أصل الجعل وعدمه، فقد أرجعه إلى الشكّ في النسخ، وقرّر خروجه عن محلّ البحث.

وأمّا الشبهة الموضوعيّة، فهي خارجة عن محلّ الكلام أيضاً.

وأمّا مورد الشبهة الحكميّة الكلّيّة، فهو ما إذا كان أصل الجعل معلوماً، وإنّما وقع الشكّ في سعته وضيقه؛ وهذا هو الذي تقدّم بيانه في كلمات السيّد الخوئي (قدّس سرّه).

والحاصل: أنّ سيّدنا (مدّ ظلّه) يرى أنّ هذا هو مرجع البحث ومحطّ الكلام في المقام.

وبيان ذلك: أنّه (مدّ ظلّه) قال: رسالة الاستصحاب:

"أن مورد البحث إنما يكون في الشك في سعة الجعل وضيقه وأن الوجوب المنشأ هل هو وجوب الجلوس إلى الزوال - أي المقيد بما قبل الزوال كما في عبارة الفاضل النراقي والشيخ الأعظم الأنصاري - أم إلى الغروب - أي أنه وجوبٌ منشأٌ ممتدٌّ إلى الغروب مثلاً؟"([1] ).

وتوضيح مراده (مدّ ظلّه): أنّ المكلّف يعلم بأصل إنشاء الشارع للوجوب، فلا شكّ له في أصل الجعل، وإنّما يشكّ في حدوده وسعته: هل الوجوب الذي أنشأه الشارع كان ضيّقاً، بحيث اقتصر جعله على الجلوس إلى الزوال، أم كان واسعاً، بحيث امتدّ متعلّق الجعل إلى الجلوس بعد الزوال وإلى الغروب؟

فالشكّ، على هذا، متعلّق بسعة ما جعله المولى وضيقه من أوّل الأمر، وهذا هو المراد بالشكّ في سعة الجعل وضيقه في مثال وجوب الجلوس.

ومثاله أيضاً: ما إذا دار أمر النجاسة المجعولة بين أن تكون محدودةً بالغسلة الأولى، بحيث ترتفع بها، النجاسة وبين أن يكون جعلها أوسع من ذلك، بحيث تبقى إلى الغسلة الثانية. فالمفروض أنّ أصل جعل النجاسة معلوم، وإنّما الشكّ في مقدار سعة هذا الجعل: هل جعل الشارع النجاسة على نحوٍ ترتفع معه بالغسلة الأولى، أو جعلها على نحوٍ يستمرّ بقاؤها إلى أن تتحقّق الغسلة الثانية؟

ولبيان مراد سيّدنا (مدّ ظلّه) في المقام بشكل واضح ، لا بدّ من تقريب المسألة محل النزاع بحيث يترتب عليها القول بجريان الاستصحاب العدمي وبالتالي القول بتعارض الاستصحابين كما ذهب إليه القوم.

فنقول :

أن للمكلّف بحسب ما ذكر من مثال وجوب الجلوس مقدارا متيقّناً من الجعل، وهو وجوب الجلوس إلى الزوال، وأمّا وجوب الجلوس من الزوال إلى الغروب فهو مشكوك فيه. وحيث إنّ جعل هذا الوجوب الزائد يتضمّن كلفةً ومؤونةً تشريعيّة زائدة، وإثباتها يحتاج إلى دليل،

فمع الشكّ يكون مقتضى الأصل عدم ثبوتها، فيقال بجريان استصحاب عدم الجعل بالنسبة إلى هذا المقدار الزائد.

وبعبارةٍ أخرى: المعلوم أنّ الشارع جعل وجوب الجلوس إلى الزوال، فهذا المقدار متيقّن من ناحية الجعل، وأمّا جعل وجوب الجلوس لما بعد الزوال وإلى الغروب فهو مشكوك فيه. فالشكّ هنا ناظر إلى مقام الجعل نفسه، بمعنى الشكّ في أنّ الشارع هل أنشأ واعتبر من أوّل الأمر وجوباً يمتدّ إلى الغروب، أم لم يجعل إلا وجوباً محدوداً بالزوال؟

وعلى هذا التقريب، يقال بجريان استصحاب عدم جعل الوجوب في المقدار الزائد، أي استصحاب عدم إنشاء الشارع واعتباره وجوبَ الجلوس إلى الغروب.

وكذا الكلام في المثال الثاني : فإذا تنجّس الشيء، ودار أمر ارتفاع نجاسته وحصول طهارته بين الغسلة الواحدة والغسلتين؛ فإنّ المكلّف بعد تحقّق الغسلة الأولى يشكّ في أنّ الشارع هل اعتبر الغسلة الثانية قيداً في حصول الطهارة وارتفاع النجاسة، أو لم يعتبرها كذلك؟

فعلى هذا التقريب يمكن ان يقال: إنّ اعتبار الغسلة الثانية قيداً في حصول الطهارة مؤونةٌ زائدة مشكوكة، فيجري استصحاب عدم جعلها وعدم اعتبارها شرطاً في ارتفاع النجاسة.

والنتيجة على هذا المبنى: نفي جعل الوجوب الممتدّ إلى الغروب في المثال الأوّل، ونفي جعل الغسلة الثانية قيداً في حصول الطهارة وارتفاع النجاسة في المثال الثاني؛ وذلك كلّه بلحاظ مرتبة الجعل والإنشاء.

فأفاد سيّدنا (مدّ ظلّه) أنّ ما تقدّم هو تقريب القوم لدعوى جريان استصحاب عدم الجعل، إلا أنّ التدقيق في حقيقة الجعل ومتعلّقه يقتضي إعادة النظر في أصل هذا التقريب وتحرير محلّ النزاع.

ويمكن بيان ما أفاده ضمن محاور:

المحور الأوّل: أنّ مصبّ الشكّ في محلّ الكلام هو سعة الجعل وضيقه، والجعل بما هو إنشاءٌ تشريعي أمرٌ وحداني؛ فالمولى إمّا أن يكون قد أنشأ الحكم بحدٍّ ضيّق، وإمّا أن يكون قد أنشأه بحدٍّ واسع. ومن ثَمّ، فالتردّد إنّما هو في هويّة الجعل الصادر من المولى وحدوده، لا في ضمّ جعلٍ زائد إلى جعلٍ متيقّن.

المحور الثاني: أنّ الأمر في المثال الأوّل دائر بين جعل وجوب الجلوس المحدود بالزوال، وجعل وجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب، كما أنّه في المثال الثاني دائر بين جعل النجاسة على نحوٍ ترتفع بالغسلة الأولى، وجعلها على نحوٍ لا ترتفع إلا بالغسلة الثانية.

فليس المفروض ـ بحسب هذا التصوير ـ وجود جعلٍ متيقّن، ثمّ الشكّ في إضافة جعلٍ آخر إليه، بل الموجود في عالم التشريع جعلٌ واحد مردّد بين حدّين مختلفين.

المحور الثالث: إذا كان الجعل الواحد مردّداً بين هذين الاحتمالين، وكان احتمال كلٍّ منهما في نفسه مساوياً لاحتمال الآخر، فأين هو القدر المتيقّن في مرحلة الجعل حتى يقال: إنّ هذا المقدار معلوم الجعل، والزائد عليه مشكوك الجعل، فيستصحب عدمه؟

وهذه هي النكتة التي ينطلق منها الإشكال على تقريب القوم لاستصحاب عدم الجعل.

ثمّ قال سيّدنا (مدّ ظلّه): "وهكذا في سائر الأمثلة.."

أي إنّ هذا البيان لا يختصّ بمثالي وجوب الجلوس والنجاسة، بل ينسحب على سائر الموارد التي صُوّر فيها التعارض بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل.

ومن أمثلة ذلك: الشكّ في حرمة وطء الحائض بعد النقاء من الدم وقبل الاغتسال؛ فإنّ الشكّ يرجع إلى أنّ الحرمة هل جُعلت بنحوٍ ضيّق يختصّ بحال وجود الدم، أو جُعلت بنحوٍ واسع يمتدّ إلى ما بعد انقطاع الدم وإلى حين الاغتسال؟

فعلى تقريب القوم يقال: إنّ القدر المتيقّن من الجعل هو ثبوت الحرمة حال وجود الدم، وأمّا جعل الحرمة لما بعد النقاء وقبل الاغتسال فهو مشكوك؛ فيجري استصحاب عدم جعل الحرمة في هذا المقدار الزائد، في مقابل استصحاب بقاء الحرمة المجعولة الثابتة سابقاً.

إلا أنّ سيّدنا (مدّ ظلّه) يناقش في أصل هذا التصوير؛ فإنّ تقريب استصحاب عدم الجعل على هذا النحو مبنيّ على افتراض وجود قدرٍ متيقّن في نفس المجعول، وقدرٍ زائد مشكوك فيه، ثمّ إجراء الأصل في المقدار الزائد، وهو ما يجعله شبيهاً بتقريب الانحلال في باب الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

ولهذا قال (مدّ ظلّه): "إذ أساس هذا التقريب - يبتني- على أن يكون للمجعول الذي شرّعه الشارع قدرٌ متيقن وقدرٌ آخر مشكوك فيه، حتى يتأتّى استصحاب عدم جعل المقدار المشكوك؛ وهو نظير دعوى الانحلال في مبحث الشك بين الأقل والأكثر الارتباطيين".

وتوضيح ذلك: أنّ البحث في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ـ كما هو مقرّر في محله من مباحث العلم الإجمالي وأصالة الاشتغال ـ يدور حول إمكان تحليل المعلوم بالإجمال إلى مقدارٍ معلوم تفصيلاً ومقدارٍ زائد مشكوك فيه، بحيث يكون الأقلّ متيقّن الثبوت على كلّ تقدير، ويكون الشكّ متمحّضاً في الزائد، فيتأتّى حينئذٍ البحث عن جريان الأصل المؤمّن فيه، وما إذا كان العلم الإجمالي منحلّاً حقيقةً أو حكماً.

فلو دار أمر الدين ـ مثلاً ـ بين خمسة دراهم وعشرة، أمكن أن يقال: إنّ الخمسة معلومة الثبوت على كلّ تقدير؛ لأنّ الدين إن كان خمسة فهي تمام الواجب، وإن كان عشرة فالخمسة داخلة فيها، فيكون أصل ثبوت الخمسة متيقّناً، والزائد عليها مشكوكاً فيه.

وبمقايسة المقام على هذا الباب، قيل: إنّ وجوب الجلوس إلى الزوال متيقّن، وامتداد الوجوب إلى الغروب مشكوك، فيجري ـ بلحاظ مرتبة الجعل ـ استصحاب عدم جعل الوجوب في المقدار الزائد، أي إلى الغروب. وكذلك في مثال النجاسة، يقال بجريان استصحاب عدم جعل النجاسة على نحوٍ يستدعي الغسلة الثانية.

وفي المقابل، بلحاظ مرتبة المجعول، يكون المكلّف عالماً بثبوت الحكم سابقاً وشاكّاً في بقائه لاحقاً؛ ففي مثال الجلوس يعلم بثبوت الوجوب إلى الزوال، ثمّ يشكّ في بقائه بعد الزوال، فيجري استصحاب بقاء المجعول.

ومن هنا صُوّر التعارض بين الأصلين: فمن ناحية الجعل يجري استصحاب عدم جعل الحكم في المقدار الزائد، ومن ناحية المجعول يجري استصحاب بقاء الحكم الثابت سابقاً؛ فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان.

وهذا هو أصل التقريب الذي طرحه المحقّق النراقي، ثمّ شيّده السيّد الخوئي (قدّس سرّه) وبنى عليه دعوى تعارض الاستصحابين في الشبهات الحكميّة.

إلا أنّ سيّدنا (مدّ ظلّه) يناقش في الركيزة التي يقوم عليها هذا التقريب؛ وهي دعوى وجود قدرٍ متيقّن وقدرٍ زائد مشكوك في مرحلة الجعل.

ولذلك يقول (مدّ ظلّه): "إنّ متعلق الجعل في أمثال المقام مرددٌ بين أمرين متباينين؛ فإمّا أن يكون المجعول هو وجوب الجلوس إلى الزوال، وإمّا أن يكون وجوب الجلوس إلى الغروب، وكذا في الأحكام الوضعية: إمّا أن تكون النجاسة المستدامة قد حُكم ببقائها إلى الغسلة الأولى، وإمّا أن تكون باقيةً إلى الغسلة الثانية".

والنكتة المستفادة من هذه العبارة: أنّ التردّد في المقام ليس ـ بالدقّة ـ بين الأقلّ والأكثر في نفس الجعل، بحيث يكون أحدهما متيقّناً والآخر مشكوكاً، بل هو تردّد بين جعلين متباينين بحسب متعلّقهما وحدّهما.

فوجوب الجلوس المحدود بالزوال جعلٌ، ووجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب جعلٌ آخر مغاير له؛ كما أنّ جعل النجاسة على نحوٍ ترتفع بالغسلة الأولى غير جعلها على نحوٍ تستمرّ إلى الغسلة الثانية.

وعليه، فالحادث في عالم التشريع أمرٌ واحد مردّد بين فردين متباينين: إمّا إنشاء الحكم بحدّه الضيّق، وإمّا إنشاؤه بحدّه الواسع. وليس لدينا في مرتبة الجعل إنشاءٌ متيقّن مركّب من مقدارٍ ثابت ومقدارٍ زائد مشكوك، حتى يُفكّك بينهما ويقال: إنّ الأول معلوم والثاني مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه.

وبعبارةٍ أدقّ: المولى لم يُنشئ أوّلاً وجوب الجلوس إلى الزوال، ثمّ نشكّ في أنّه أضاف إليه إنشاءً آخر من الزوال إلى الغروب؛ بل المفروض أنّه صدر منه إنشاءٌ واحد آني، وهذا الإنشاء مردّد الهوية بين أن يكون متعلّقه وجوب الجلوس المحدود بالزوال، وبين أن يكون متعلّقه وجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب.

فإذا كان الأمر كذلك، لم يكن أحد هذين الجعلين متيقّناً والآخر مشكوكاً حتى يتأتّى استصحاب عدم الزائد على طريقة الأقلّ والأكثر، بل كلّ واحد منهما محتمل الحدوث في عرض الآخر، والتردّد بينهما تردّد بين متباينين.

وهنا يظهر منشأ اعتراض سيّدنا (مدّ ظلّه) على أصل تقريب استصحاب عدم الجعل: فإنّ تصوير "القدر المتيقّن والزائد المشكوك" إنّما يصحّ إذا أمكن تحليل الجعل نفسه إلى أقلّ متيقّن وأكثر مشتمل على ذلك الأقلّ، وأمّا إذا كان الجعل أمراً وحدانياً مردّداً بين هويّتين متباينتين، فلا مجال لهذا التحليل في مرحلة الجعل، وإن أمكن تصوّر الأقلّ والأكثر بلحاظ امتداد الحكم وآثاره في مرحلة المجعول.

توضيح ذلك: ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه النكتة تمثّل مفتاح الحلّ والتحقيق في المقام بحسب ما يراه سيّدنا (دام ظلّه)؛ فإنّ المدّعى أنّه ليس لدينا في مرحلة الجعل أمرٌ واحد صادرٌ من المولى، مشتملٌ على مرتبةٍ دنيا متيقّنة ومرتبةٍ عليا مشكوكة، بحيث يكون الأقلّ محفوظاً ومندرجاً في الأكثر، حتى يقال: إنّ الأقلّ قدرٌ متيقّن، والزائد عليه مشكوك في أصل جعله، فيجري استصحاب عدم الجعل بلحاظه.

وهذا بخلاف ما لو دار أمر الدين الخارجي بين الأقلّ والأكثر؛ كما إذا طالب شخصٌ آخر بدينٍ مردّد بين خمسة دراهم وعشرة، مع العلم بأصل اشتغال الذمّة؛ فإنّ اشتغال الذمّة بالخمسة معلومٌ على كلّ تقدير: لأنّ الدين إن كان في الواقع خمسة دراهم فهي تمام ما اشتغلت به الذمّة، وإن كان عشرة فالخمسة محفوظةٌ في ضمن العشرة. فثبوت الخمسة لا يتوقّف على تعيين أحد الطرفين، بل هو معلومٌ على كلا التقديرين، ومن هنا يصحّ جعله قدراً متيقّناً، ويكون الشكّ متمحّضاً في الخمسة الزائدة.

وأمّا في محلّ الكلام، فالأمر ـ بحسب تحقيق سيّدنا (دام ظلّه) ـ ليس من هذا القبيل؛ إذ لا تركيب في مرحلة الجعل على نحوٍ يكون أحد الطرفين مندرجاً في الطرف الآخر، بل التردّد واقع بين جعلين متغايرين وهويّتين تشريعيّتين متباينتين.

فالمولى حين أنشأ الحكم، إمّا أنشأ وجوب الجلوس المحدود بالزوال، وهذا جعلٌ بحدّه وهويّته الخاصّة، وإمّا أنشأ وجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب، وهذا جعلٌ آخر مغاير للأوّل بحدّه وهويّته. فليس جعل وجوب الجلوس إلى الغروب عبارةً عن جعل وجوب الجلوس إلى الزوال مع ضمّ جعلٍ آخر إليه بالنسبة إلى ما بعد الزوال، حتى يكون الجعل الأوّل متيقّناً والجعل الزائد مشكوكاً، بل كلّ واحدٍ منهما جعلٌ وحدانيّ مغاير للآخر.

وعليه، فالتردّد في مرحلة الإنشاء ليس بين أقلٍّ وأكثر يكون الأقلّ محفوظاً في ضمن الأكثر، وإنّما هو بين وجودين إنشائيّين متباينين: إنشاء الوجوب المحدود بالزوال، وإنشاء الوجوب الممتدّ إلى الغروب.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا يصحّ تحليل الجعل إلى مقدارٍ متيقّن ومقدارٍ زائد مشكوك، ليقال بجريان استصحاب عدم جعل الزائد؛ لأنّ هذا التحليل فرع كون الأكثر مشتملاً ـ في نفس مرحلة الجعل ـ على الأقلّ بنحو الاندراج، والمفروض أنّ سيّدنا (دام ظلّه) يمنع ذلك، ويرى أنّ كلّ واحد من الجعلين مغايرٌ للآخر في هويّته وحدّه.

ومن هنا يتوجّه السؤال الأساس: أين هو القدر المتيقّن في نفس مرحلة الجعل حتى يصحّ التمسّك باستصحاب عدم الجعل في المقدار الزائد؟

ولذلك قال سيّدنا (دام ظلّه) ـ: "نعم، ومجعوله إمّا الوجوب إلى الزوال، أو الوجوب إلى الغروب، أو النجاسة؛ إمّا النجاسة تنتهي بالأوّل، وإمّا النجاسة تنتهي بالثاني، أو الملكيّة، أو الزوجيّة وأمثال ذلك - وسواء أكانت أحكاماً تكليفيّةً أم أحكاماً وضعيّةً - فإنّ وجوب الجلوس إلى الزوال أمرٌ، ووجوب الجلوس إلى الغروب أمرٌ آخر، وكذا النجاسة وغيرها"([2] ).

ومفاد كلامه (دام ظلّه): أنّ ما تقدّم لا يختصّ بالأحكام التكليفيّة، كوجوب الجلوس، بل يجري بعينه في الأحكام الوضعيّة أيضاً، كالنجاسة والملكيّة والزوجيّة؛ فإنّ الحكم المحدود بحدٍّ معيّن مغايرٌ للحكم المحدود بحدٍّ آخر، فكما أنّ وجوب الجلوس إلى الزوال أمرٌ ووجوب الجلوس إلى الغروب أمرٌ آخر، كذلك النجاسة المحدودة بالغسلة الأولى غير النجاسة الممتدّة إلى الغسلة الثانية.

والحاصل ما أفاده (دام ظلّه) بقوله: "وعلى هذا فليس لدينا - هاهنا - قدرٌ متيقّنٌ، حتى نستصحب عدم جعل المقدار الآخر الذي هو مشكوك فيه.."

وهذه العبارة تمثّل النتيجة المترتّبة على ما تقدّم؛ فإنّه بعد فرض كون الجعل الضيّق والجعل الواسع متباينين في مرحلة الجعل، لا يبقى مجالٌ لتصوير أحدهما قدراً متيقّناً والآخر مشتملاً عليه مع زيادة، حتى يقال: إنّ المقدار الأقلّ معلوم الجعل، والمقدار الزائد مشكوك الجعل، فيجري استصحاب عدمه.

بل حقيقة الأمر أنّ المسألة ترجع إلى قضيّة منفصلة، مفادها: إمّا أنّ المجعول هو وجوب الجلوس إلى الزوال، وإمّا أنّ المجعول هو وجوب الجلوس إلى الغروب

وتوضيح المطلب: أنّ تقريب القوم مبنيّ على تصوير المقام بنحو الأقلّ والأكثر، بحيث يكون وجوب الجلوس إلى الزوال قدراً متيقّناً، ويكون امتداد الوجوب إلى الغروب أمراً زائداً مشكوكاً فيه، فيتأتّى حينئذٍ استصحاب عدم جعل المقدار الزائد.

إلّا أنّ سيّدنا (دام ظلّه) يناقش في أصل هذا التصوير؛ لأنّ التردّد ـ بالدقّة ـ ليس بين أقلٍّ وأكثر في نفس الجعل، بل بين جعلين متباينين: جعلٍ تعلّق بوجوب الجلوس إلى الزوال، وجعلٍ آخر تعلّق بوجوب الجلوس إلى الغروب.

ومنشأ ذلك أنّ الجعل عبارة عن إنشاءٍ اعتباريّ يصدر من المولى في مقام التشريع، وهذا الإنشاء حادثٌ وحدانيّ في وعاء الاعتبار. والمشكوك عندنا إنّما هو هويّة هذا الحادث الصادر من المولى: هل الصادر منه هو إنشاء وجوب الجلوس المحدود بالزوال، أو الصادر منه إنشاء وجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب؟

فالمكلّف لا يعلم أيّ هذين الجعلين هو الذي تحقّق في عالم التشريع، ومن هنا يكون التردّد بينهما تردّداً بين فردين متباينين، لا بين جعلٍ متيقّن وجعلٍ زائد مشكوك.

وعليه، لا يكون جعل وجوب الجلوس إلى الزوال ـ بما هو جعلٌ مخصوص ـ قدراً متيقّناً محفوظاً على كلا التقديرين؛ لأنّ الصادر إن كان هو جعل الوجوب إلى الغروب، فهو جعلٌ مغاير لجعل الوجوب المحدود بالزوال. ومن هنا لا مجال لدعوى وجود قدرٍ متيقّن في مرحلة الجعل حتى يُستصحب عدم جعل المقدار الآخر المشكوك فيه.

والنتيجة: ما أفاده سيّدنا (مدّ ظلّه) بقوله:"ولا يمكن لنا القول بأنا نعلم - تفصيلاً - بوجوب الجلوس إلى الزوال؛ إذ الأمر دائرٌ بين أن يكون الواجب هو الجلوس إلى الزوال أو كونه الجلوس إلى الغروب، فهما حُكمان ووجوبان متغايران، لا وجوبٌ واحدٌ"

وتوضيح مراده (مدّ ظلّه): أنّه لا يصحّ تصوير المقام على أساس وجود وجوبٍ واحدٍ ذي حدّين، يكون الحدّ الأقصر منه ـ وهو الوجوب إلى الزوال ـ معلوماً بالتفصيل، ويكون امتداده إلى الغروب مشكوكاً فيه؛ بل الموجود في مقام الجعل مردّدٌ بين وجوبين متغايرين: وجوب الجلوس المحدود بالزوال، ووجوب الجلوس الممتدّ إلى الغروب. فكلّ واحدٍ منهما حكمٌ مغايرٌ للآخر، وليس الوجوب الأوّل جزءاً من الوجوب الثاني حتى يقال بكونه قدراً متيقّناً منه.

والشاهد على هذا التصوير: ما تقدّم في مبحث استصحاب الكلّي من القسم الثاني، حيث يدور الأمر بين الفرد القصير والفرد الطويل؛ كما لو علمنا بوجود كلّي الحيوان في ضمن فردٍ مردّد بين البقّ والفيل، فإنّ الموجود في الخارج إمّا هذا الفرد القصير وإمّا ذاك الفرد الطويل، وهما وجودان متغايران، وإن كان عنوان الحيوان منطبقاً على كليهما.

فإذا انقضى المقدار الذي يُعلم معه بانتهاء أمد الفرد القصير، وقع الشكّ في بقاء كلّي الحيوان؛ لاحتمال أن يكون الموجود من أوّل الأمر هو الفرد الطويل. وليس معنى ذلك أنّ الفرد الطويل هو الفرد القصير مضافاً إليه مقدارٌ زائد من البقاء، بل كلٌّ منهما فردٌ مغايرٌ للآخر في وجوده.

وهكذا في محلّ الكلام؛ فإنّ وجوب الجلوس إلى الغروب ليس هو وجوب الجلوس إلى الزوال مضافاً إليه وجوبٌ في القطعة الزمانيّة الواقعة بين الزوال والغروب، بل الأمر مردّدٌ من أوّل الأمر بين جعل وجوبٍ محدود بالزوال وجعل وجوبٍ ممتدّ إلى الغروب، وهما حكمان متغايران.

وسيأتي تتمّة الكلام والجواب، وبيان الفارق وجهة الربط بين المسألتين.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - تقريرات أبحاث السيّد السيستاني بقلم السيّد محمد علي الربّاني، ص172.
[2] - المصدر السابق، ص273.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo