48/03/24
التنبيه الثاني/تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/تنبيهات الاستصحاب /التنبيه الثاني
ما زال الكلام فيما أفاده شيخُنا الأستاذ (قدّس سرّه)، وحاصلُ مختاره: أنَّ الحكم ليس له في مقام الثبوت إلا مرتبةٌ واحدة، وهي مرتبة الجعل والإنشاء؛ فمتى صدر الجعل من المولى وتحقّق الإنشاء، فقد تمَّ الحكم من ناحيته، ولا تعقبه مرتبةٌ أخرى تكون مرتبةً ثانيةً لنفس الحكم، بحيث يقال: إنّه كان إنشائياً ثم صار فعلياً.
وعليه، فما يُعبَّر عنه بـ"فعلية الحكم بفعلية موضوعه" لا يراد به ـ على هذا المبنى ـ حدوثُ مرتبةٍ جديدة للحكم بعد مرتبة إنشائه، بل المراد تحقّقُ موضوع الحكم في الخارج بتمام قيوده وشرائطه؛ فإنَّ المرحلة اللاحقة للجعل ليست مرحلةً من مراحل الحكم، وإنما هي مرحلةُ وجود موضوعه خارجاً.
وذلك لأنَّ الحكم الكلّي قد تمَّ جعلُه وإنشاؤه من قِبَل المولى، ولا يتوقّف تحقّقُه بما هو جعلٌ واعتبارٌ على وجود موضوعه في الخارج؛ إذ القضيّةُ الحقيقيّة تتكفّل جعلَ الحكم على الموضوع المقدَّر وجودُه، فإذا تحقّق ذلك الموضوع خارجاً بتمام ما أُخذ فيه من القيود، كان الخارج مصداقاً لما فُرض موضوعاً في مقام الجعل، وترتّب عليه الأثر. ومن هنا كان التعبير الأدقّ على هذا المبنى هو فعلية الموضوع، لا فعلية الحكم؛ لأنَّ المتجدّد خارجاً إنما هو وجود الموضوع، وأمّا الحكم فقد تمَّ جعلُه وإنشاؤه من قبل.
وقد مثّل (قدّس سرّه) لذلك بما لو أنشأ الشارع وجوب الحج على المستطيع، فقال ـ بمؤدّى القضية الشرعية ـ: "أوجبتُ الحجَّ على المستطيع". فإذا لوحظت إلى جانب الاستطاعة الشرائطُ العامّة للتكليف، كالبلوغ والعقل، كان الموضوع المأخوذ للحكم هو المكلَّف الواجدَ لمجموع ما اعتُبر فيه من القيود والشرائط. وحينئذٍ، ما لم تجتمع تلك القيود خارجاً لم تتحقّق فعلية الموضوع؛ فالبالغ العاقل غير المستطيع لا يكون موضوعاً فعلياً لوجوب الحج، كما أنَّ واجد الاستطاعة مع فقد بعض ما يعتبر في التكليف لا تتحقّق فيه فعلية الموضوع على الفرض.
وأمّا إذا اجتمعت القيود والشرائط المأخوذة في الموضوع، بأن وُجد في الخارج مكلَّفٌ بالغٌ عاقلٌ مستطيع، فقد تحقّق الموضوع بتمامه وصار فعلياً. وليس معنى ذلك أنَّ الحكم قد انتقل من مرتبة الإنشاء إلى مرتبة أخرى تسمّى "مرتبة الفعلية"، بل الحكم هو نفس ذلك الجعل والإنشاء السابق، وإنما الذي تجدّد هو تحقّق موضوعه في الخارج؛ وبانطباق الموضوع المأخوذ في القضية المجعولة على هذا الفرد الخارجي يترتّب عليه الأثر، فيثبت في حقّه وجوب الحج.
والحاصل: أنَّ الجعل والإنشاء شأنُ الحكم، والفعلية شأنُ الموضوع؛ ولا توجد ـ على هذا المبنى ـ فعليتان: فعليةٌ للموضوع وفعليةٌ للحكم مترتبةٌ عليها، بل الحكم قد تمَّ بجعله، فإذا وُجد موضوعه خارجاً بتمام قيوده كان ذلك الموضوع فعلياً وترتّب عليه الحكم المجعول، من غير أن يستدعي ذلك افتراضَ مرتبةٍ جديدة في نفس الحكم.
والشاهد على ذلك ما صرّح به شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)بقوله: "لاستحالةِ وجودِهِ في الخارجِ تَبَعاً لوجودِ موضوعِهِ فيهِ، وإلَّا لَزِمَ خُلْفُ فرضِ أنَّهُ أمرٌ اعتباريٌّ…"([1] ).
وهذا مبنيٌّ على كون الحكم أمراً اعتبارياً، فلا يعقل أن يوجد في الخارج تبعاً لوجود موضوعه؛ لأنّ الخارج ظرف الأمور التكوينية، والاعتبار بما هو اعتبار لا يكون أمراً خارجياً.
وقد تقدّم منّا سابقاً، في مقام التمييز بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، أنّ المحقق العراقي (قدّس سرّه) ذهب إلى أنّ الأحكام التكليفية ليست من الأمور الاعتبارية، بل هي من الأمور الواقعية التكوينية. وعلى هذا المبنى لا تكون الأحكام التكليفية أموراً اعتبارية؛ إذ الأمر الاعتباري لا ينطبق على الخارج، كما أنّ الموجود الخارجي لا يكون اعتبارياً، بل هو أمر تكويني.
ثم ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): "وحينئذٍ فإذا زال تغيره بنفسه ، فبطبيعة الحال يشك في بقاء فعلية فاعليتها .."([2] ).
ومورد كلامه ما إذا تنجّس الماء بالتغيّر، بأن تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة، ثم زال تغيّره بنفسه، أي من دون اتصاله بمادّة أو عاصم يوجب زوال النجاسة؛ فقد وقع الكلام في بقاء نجاسته بعد زوال التغيّر.
فإنّ نجاسة الماء حال تغيّره كانت معلومة، وبعد زوال التغيّر بنفسه يقع الشك في بقائها، فيبدو بحسب ظاهر التعبير أنّ الشك قد تعلّق ببقاء الحكم. إلا أنّ هذا التعبير لا بدّ من تفسيره على ضوء المبنى المتقدّم؛ فإنّ الحكم الكلّي بما هو جعل وإنشاء قد تمّ، ولا معنى لحدوث مرتبة أخرى له عند وجود موضوعه في الخارج.
ومن هنا بيّن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) حقيقة متعلّق الشك بقوله: "فَبِطَبيعَةِ الحالِ يُشَكُّ في بَقاءِ فِعْلِيَّةِ فاعِلِيَّتِها، فَلا مانِعَ مِنَ اسْتِصْحابِ بَقائِها، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجوبُ التَّحَرُّكِ نَحْوَ الِاجْتِنابِ عَنْهُ".
فالمراد ليس الشك في بقاء نفس الحكم الكلّي؛ لأنّه قد تمّ جعله وإنشاؤه، وإنّما الشك في بقاء فعلية فاعليته ومحركيته بالنسبة إلى الموضوع الخارجي. ومن هنا يكون التعبير عن ذلك بالشك في بقاء الحكم مسامحياً، وأمّا بالدقة فمتعلّق الشك هو بقاء فاعلية الحكم ومحركيته.
ثم قال (قدّس سرّه): "ومن هذا القبيل حرمة وطء الحائض، فإنّ فعليّتها إنّما هي بفعليّة اتّصاف المرأة بالحيض، أي بخروج دم الحيض منها، ومن المعلوم أنّ المراد من فعليّتها فعليّة فاعليّتها ومحرّكيتها، لاستحالة فعليّة نفسها في الخارج، وعلى هذا، فإذا انقطع دم الحيض وشُكّ في بقاء فعليّة فاعليّتها إلى زمان اغتسالها من حدث الحيض، فلا مانع من استصحاب بقائها، ويترتّب عليه وجوب العمل بأحكام الحائض"([3] ).
وحاصل مراده (قدّس سرّه): أنّ حرمة وطء الحائض قد تمّ جعلها وإنشاؤها، فإذا تحقّق الحيض خارجاً تحقّق موضوعها، وصارت الحرمة ذات فاعلية ومحركية بالنسبة إلى المكلّف. فإذا انقطع الدم وشُكّ في بقاء ذلك إلى زمان الاغتسال، كان الشك في بقاء فعلية فاعلية الحرمة ومحركيتها، لا في بقاء أصل الحكم بما هو جعل وإنشاء.
والحاصل: أنّ الحكم الكلّي قد أُنشئ وتمّ جعله، ولا تتحقّق له بوجود موضوعه في الخارج مرتبة أخرى تسمّى فعلية الحكم؛ وإنّما الذي يتحقّق خارجاً هو الموضوع، وبتحقّقه تتحقّق فعلية فاعلية الحكم ومحركيته. وعليه، فالطولية إنّما هي في مقام تحقّق الموضوعات والأفراد الخارجية، لا في نفس الحكم بما هو جعل وإنشاء.
وقد أشكل شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) على ما تقدّم بما حاصله: أنّ لازم هذا المبنى توقّف جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية على تحقّق الموضوع وفعليته في الخارج؛ لأنّ فعلية فاعلية الحكم ومحركيته إنما تكون بفعلية موضوعه، فإذا لم يوجد الموضوع خارجاً لم تتحقّق فعلية الفاعلية والمحركية، فلا يكون هناك ما يشكّ في بقائه ليستصحب.
وهذا ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: "إنّ القول بأنّ جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة يتوقّف على وجود الموضوع في الخارج وفعليّته".
إلّا أنّ لازم ذلك أن يكون إجراء الاستصحاب من شأن المكلّف عند تحقّق الموضوع خارجاً، مع أنّ سيرة الفقهاء في مقام الاستنباط جارية على خلاف ذلك؛ فإنهم يجرون الاستصحاب في الشبهات الحكمية من غير توقف على وجود موضوع الحكم خارجاً، كما قال (قدّس سرّه): "مع أنّ الفقهاء كافة يتمسّكون في مقام عمليّة الاستنباط باستصحاب بقاء الحكم في الشبهات الحكميّة".
ويمكن تحرير الإشكال من وجهين:
الوجه الأول: أنّ الفقهاء يعبّرون عن هذه الموارد بـ"الشبهات الحكمية"، وظاهر ذلك أنّ الشك متعلّق بنفس الحكم، مع أنّ مقتضى المبنى المتقدّم أنّ الحكم بما هو جعل وإنشاء قد تمّ، وليس الشك حقيقةً في ذاته، وإنما هو في فعلية فاعليته ومحركيته.
الوجه الثاني: أنّ الفقهاء يجرون الاستصحاب في مقام الاستنباط مع الغضّ عن تحقّق الموضوع في الخارج، مع أنّ فعلية فاعلية الحكم ومحركيته ـ بحسب ما تقدّم ـ منوطة بفعلية موضوعه، فيلزم أن لا يجري الاستصحاب قبل تحقّقه.
وقد أجاب شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) عن ذلك بقوله: "إنّ المراد من فعليّة فاعليّة الحكم ومحرّكيته بفعليّة موضوعه في الخارج هو المعنى الأعمّ من الفعليّة التحقيقيّة (الخارجيّة) والفعليّة التقديريّة".
وتوضيح مراده: أنّ فعلية الموضوع المأخوذة في فعلية فاعلية الحكم ومحركيته لا تختصّ بوجود الموضوع فعلاً في الخارج، بل تشمل الفعلية التقديرية أيضاً؛ بمعنى فرض وجود الموضوع بتمام قيوده وشرائطه، والنظر في بقاء فاعلية الحكم ومحركيته على تقدير تحقّقه خارجاً.
ومن هنا يصحّ للفقيه في مقام الاستنباط أن يجري الاستصحاب في الشبهة الحكمية وإن لم يوجد الموضوع خارجاً بالفعل؛ لأنه يفرض الموضوع متحقّقاً بتمام قيوده، ثم يشكّ في بقاء فاعلية الحكم ومحركيته بالنسبة إليه على تقدير وجوده. وهذا هو شأن القضايا الحقيقية؛ فإنّ جعل الحكم فيها لا يتوقّف على وجود موضوعه بالفعل، بل يكون الحكم مجعولاً على الموضوع المقدّر وجوده، بحيث يترتّب عليه متى تحقّق مصداقه في الخارج.
وهذا جارٍ حتى في القوانين العرفية؛ فإنّ المشرّع قد يجعل حكماً لموضوع مع عدم وجود مصداق فعلي له حين التشريع، كما لو جعل عقوبةً للسارق، فإنّ جعلها لا يتوقّف على وجود سارق بالفعل، بل يجعل الحكم على الموضوع المقدّر وجوده، فإذا تحقّق مصداقه خارجاً انطبق عليه الحكم.
وعليه، فلا منافاة بين القول بأنّ فعلية فاعلية الحكم ومحركيته تابعة لفعلية موضوعه، وبين جريان الاستصحاب عند الفقهاء في مقام الاستنباط قبل تحقّق الموضوع خارجاً؛ لأنّ الفعلية الملحوظة أعمّ من الفعلية التحقيقية الخارجية والفعلية التقديرية.
وأمّا التعبير عن ذلك باستصحاب "بقاء الحكم" في الشبهات الحكمية، فهو مبنيّ على المسامحة في التعبير؛ وإلّا فبحسب التدقيق على هذا المبنى، ليس الشك متعلّقاً بنفس الحكم الكلّي بما هو جعل وإنشاء، وإنما هو متعلّق ببقاء فعلية فاعليته ومحركيته، تحقيقاً عند وجود الموضوع خارجاً، أو تقديراً عند فرض وجوده.
والحاصل: أنّ الحكم بما هو جعل وإنشاء ليس له إلا مرتبة واحدة، وأمّا فعلية فاعليته ومحركيته فهي تابعة لفعلية موضوعه، والمراد من فعلية الموضوع أعمّ من الفعلية التحقيقية والفعلية التقديرية؛ وبهذا يصحّ إجراء الاستصحاب في مقام الاستنباط مع عدم تحقّق الموضوع خارجاً، من دون أن يستلزم ذلك افتراض مرتبة أخرى لنفس الحكم.
ولشيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) كلامٌ مبسوطٌ في تحقيق هذه المسألة وتفصيل جهاتها، فمن رام التوسّع والإحاطة بتفاصيلها فليراجع ما أفاده في كتابه المباحث الأصولية، الجزء الثاني عشر. وبهذا يتمّ استعراض ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام ومناقشته.
وإنّما أطلنا الوقوف عند هذه المسألة؛ لما لها من مدخليّةٍ في تحقيق ما أفاده السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في مسألة تعارض الاستصحابات، وما يترتّب على المبنى المتقدّم من أثرٍ في تماميّة دعوى التعارض أو عدمها.
وأمّا آخر الآراء التي نتعرّض لها في هذه المسألة، في مقام دفع دعوى التعارض والجواب عنها، فهو ما أفاده سيّدنا السيستاني (مدّ ظلّه العالي) في رسالته في الاستصحاب. وقبل الخوض في تفصيل ما أفاده، لا بأس بالإشارة إجمالاً إلى منهجه في معالجة هذه الدعوى.
فإنّ سيّدنا (مدّ ظلّه) لمّا انتهى إلى البحث عن تعارض الاستصحابين، استعرض عدّة أجوبةٍ ذُكرت في مقام دفع هذه الشبهة وناقشها.
الجواب الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني (قدّس سرّه) في دفع التعارض، بناءً على ما تقدّم من التزامه بمرتبتين للحكم: مرتبة الجعل ومرتبة المجعول. وحاصل جوابه ـ وفق التقريب الذي تبنّاه الشيخ الوحيد (دام ظلّه) ـ: أنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان للمستصحب أثرٌ شرعي، واستصحاب عدم الجعل — أي الاستصحاب العدمي — لا أثر له؛ لأنّ الأثر الشرعي إنّما يترتّب على المجعول وجوداً وعدماً، لا على الجعل.
وبذلك يندفع التعارض من ناحيته؛ إذ لا يكون استصحاب عدم الجعل الزائد جارياً في نفسه حتى يعارض استصحاب بقاء المجعول.
إلّا أنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه)، حيث ذهب إلى جريان استصحاب عدم الجعل الزائد ومعارضته باستصحاب بقاء المجعول، ناقش ما أفاده أستاذه المحقّق النائيني في دفع التعارض. وقد أعرضنا عن تفصيل مناقشته هنا؛ اكتفاءً بما تقدّم من تحرير
جواب المحقّق النائيني وتقريبه وفق التصوير الذي ذكره الشيخ الوحيد.
وقد استعرض سيّدنا السيستاني (مدّ ظلّه) هذا الجواب وناقشه، ثم ذكر جواباً ثانياً وثالثاً في مقام معالجة دعوى التعارض. ومحطّ الكلام فيما يأتي هو الجواب الثاني خاصةً، وأمّا سائر الأجوبة فتُطلب من مظانّها.
توطئة: لتوضيح ما رامه سيّدنا (دام ظلّه)، نقدّم مقدّمة حاصلها: أنّ الاستصحاب متقوّم بركنين، هما اليقين والشكّ، وقد تقرّر في المبادئ العامّة للاستصحاب ـ وسيأتي تفصيله في التنبيهات اللاحقة ـ لزوم اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة موضوعاً ومحمولاً؛ فلو تيقّن المكلّف بوجود عمرو مثلاً وشكّ في حياة بكر، لم يصحّ التمسّك بالاستصحاب؛ لانتفاء وحدة المتعلّق، فالمعتبر في جريانه تحقّق اليقين والشكّ في متعلّق واحد.
ثم إنّ المورد الذي وقع محطّاً لكلام الأعلام والسيّد الخوئي (قدّس سرّه) يرجع إلى تصوير الشكّ في سعة الجعل وضيقه؛ بمعنى أنّ الشكّ واقع في حدود ما أنشأه الشارع ابتداءً، وأنّ جعله هل هو محدود بحدّ معيّن، أو أنّه أوسع من ذلك وشامل للحالة اللاحقة؟ وهذا هو محطّ البحث في المقام.
وقد التزم السيّد الخوئي (قدّس سرّه) ومن وافقه بجريان أصالة عدم الجعل الزائد. وبيان ذلك بالمثال: أنّ المجعول المعلوم هو نجاسة الماء القليل بمجرّد ملاقاته للنجس، وأمّا نجاسته بعد تتميمه كرّاً فمقتضى الأصل عدم جعل النجاسة له. وأمّا في مرحلة المجعول، فإنّ هذا الماء كان نجساً، فإذا تُمّم كرّاً وشُكّ في بقاء نجاسته جرى استصحاب بقائها. فيتقابل حينئذٍ استصحاب عدم الجعل الزائد، النافي للحكم، مع استصحاب بقاء المجعول، المثبت له، فيقع بينهما التعارض.
وهذا هو ما يرجع إليه ما أفاده الفاضل النراقي في دعوى معارضة الاستصحاب الوجودي باستصحاب العدم الأزلي؛ فلو فُرض أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، وعُلم وجوبه إلى الزوال وشُكّ في وجوبه بعده، استُصحب عدم جعل الوجوب لما بعد الزوال، وفي مقابله يُستصحب بقاء وجوب الجلوس الثابت قبل الزوال إلى ما بعده، فيقع التعارض بين الاستصحابين.
إلّا أنّ سيّدنا (دام ظلّه) يروم في المقام التدقيق في المتيقّن في مرحلة الجعل؛ ومن هنا يقع السؤال: أين اليقين الذي يُراد إبقاؤه بالاستصحاب في هذه المرحلة؟
وبيان ذلك: أنّ الجعل مردّد بين أن يكون محدوداً بحدّ معيّن، أو أن يكون أوسع منه وشاملاً لما بعد ذلك الحدّ؛ وحيث إنّ الشكّ واقع من أوّل الأمر في سعة الجعل وضيقه، فلا يقين بأنّ الجعل كان مقصوراً على الحدّ الأوّل فحسب، ومعه لا يتحقّق يقين سابق بالعدم في مرحلة الجعل حتى يُستصحب؛ لأنّ الأمر من أوّل الأمر مردّد بين جعل أضيق وجعل أوسع.
وهذا التقرير يغاير ما جرى عليه المشهور، وقد عبّر عنه: "يمكن أن يقال"؛ فإنّ المعروف في كلماتهم البناء على جريان أصالة عدم الجعل، وهو ظاهر ما التزم به الفاضل النراقي والسيّد الخوئي والمحقّق النائيني والشيخ الأعظم الأنصاري، وإن لم يعبّر المحقّق النائيني عن ذلك بالعدم الأزلي.
وحاصل ما عليه القوم: أنّ اليقين في مرحلة الجعل متمثّل في العدم؛ فالمقدار المتيقّن من الحكم معلوم، وأمّا ثبوته في المقدار الزائد فمشكوك، فيُستصحب عدم الجعل الزائد. وأمّا في مرحلة المجعول، فإنّ الحكم بعد تحقّقه يكون متيقّناً، فإذا طرأت الحالة اللاحقة وشُكّ في بقائه جرى استصحاب بقاء المجعول، ومن هنا وقع التعارض بين الاستصحابين.
وأمّا على ما أفاده سيّدنا (دام ظلّه)، فالشكّ في مرحلة الجعل واقع من رأس في سعته وضيقه، فلا يتحقّق اليقين السابق بالعدم الذي يتقوّم به استصحاب عدم الجعل الزائد؛ وبذلك لا يجري هذا الاستصحاب.
ونظير هذا البيان يأتي في مرحلة المجعول أيضاً، وسيأتي تمام الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]