« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

48/03/23

بسم الله الرحمن الرحيم

 التنبيه الثاني استصحاب الامور غير القارة/ تنبيهات الاستصحاب /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/ تنبيهات الاستصحاب / التنبيه الثاني استصحاب الامور غير القارة

كان الكلام في المسألة التي أثارها المحقّق النراقي (قدّس سرّه)، وتبنّاها بعد ذلك السيّد الخوئي (قدّس سرّه). ونُعيد الإشارة إلى أصل المسألة إجمالاً تمهيداً لمتابعة سائر الأقوال فيها.

فنقول قد تعرّض الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في مبحث جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات من التنبيهات إلى ما ذكره المحقق النراقي من معارضة استصحاب عدم الأمر الوجودي مع استصحاب وجوده.

وحاصل ما أفاده في القسم الثالث من أقسام جريان الاستصحاب في الزمانيات وهو ما إذا كان متعلّق الحكم أمراً قارّاً، ولكن الحكم ثابتاً له في زمان معيّن، كما لو ثبت وجوب الجلوس في المسجد إلى الزوال، ثمّ شُكّ بعد الزوال في بقاء وجوبه، فهل يمكن استصحاب الوجوب الثابت قبل الزوال إلى ما بعده أو لا؟

وقد فصّل (قدّس سرّه) في ذلك بين ما إذا أُخذ الزمان قيداً، وما إذا أُخذ ظرفاً.

فإن أُخذ الزمان قيداً للمتعلّق، كان الجلوس المقيّد بكونه قبل الزوال مغايراً للجلوس المقيّد بكونه بعد الزوال؛ لأنّ تقييد الفعل بالزمان يوجب تعدّد الحصص، فلا تكون الحصّة المشكوكة بعد الزوال هي بعينها الحصّة المتيقّنة قبله. وحيث يعتبر في جريان الاستصحاب اتّحاد القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة موضوعاً ومحمولاً، لم يجرِ الاستصحاب في هذه الصورة؛ لاختلال الوحدة المعتبرة بين القضيّتين.

وأمّا إذا أُخذ الزمان ظرفاً، بحيث لا يكون دخيلاً في تشخّص متعلّق الحكم وتعدّده، بل يكون المتعلّق هو نفس الجلوس وأما الزمان فليس الا ظرفاً لثبوت الحكم ، فلا مانع ـ من ناحية وحدة القضيّتين ـ من استصحاب وجوب الجلوس الثابت قبل الزوال إلى ما بعده.

وأما المحقّق النراقي (قدّس سرّه) فقد أشكل على جريان الاستصحاب في هذا المورد بدعوى ابتلائه بالمعارضة.

وتقريب ذلك: أنّ الجلوس قبل زمان تعلّق التكليف لم يكن واجباً، ثمّ عُلم بثبوت وجوبه في مقدار معيّن

من الزمان، وهو ـ بحسب الفرض ـ ما قبل الزوال، وبعد الزوال يُشكّ في بقاء الوجوب.

وعليه، يمكن تصوير استصحابين متعارضين:

الأوّل: استصحاب العدم السابق؛ بدعوى أنّ وجوب الجلوس كان معدوماً سابقاً، والمقدار المتيقّن من انتقاض ذلك العدم إنّما هو زمان ما قبل الزوال، وأمّا بالنسبة إلى ما بعد الزوال فيُشكّ في انتقاضه، فيستصحب العدم.

الثاني: استصحاب بقاء الوجوب؛ فإنّ وجوب الجلوس كان متيقّناً قبل الزوال، وبعده يُشكّ في بقائه، فيستصحب الوجوب.

وبذلك يكون مقتضى الاستصحاب الأوّل عدم وجوب الجلوس بعد الزوال، ومقتضى الاستصحاب الثاني بقاء وجوبه، فيتعارضان، ومع عدم المرجّح يتساقطان.

إلّا أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لم يرتضِ هذه المعارضة؛ وذلك لأنّ العدم السابق قد انتقض بثبوت الوجوب يقيناً، فلا يصحّ استصحابه بعد ذلك.

فإنّ المفروض أنّ عدم وجوب الجلوس كان متيقّناً في الزمان السابق، ثمّ ثبت الوجوب يقيناً قبل الزوال، وبذلك انتقض العدم السابق بالوجود. ومن الواضح أنّ الاستصحاب إنّما يقتضي إبقاء ما كان متيقّناً عند الشكّ في ارتفاعه، لا إعادة العدم الذي عُلم بانتقاضه بعد طروّ الوجود عليه.

وعليه، لا يرى الشيخ (قدّس سرّه) تماميّة ما أفاده المحقّق النراقي من معارضة استصحاب بقاء الوجوب باستصحاب العدم السابق، بل يكون استصحاب الوجوب ـ مع فرض أخذ الزمان ظرفاً وإحراز وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة ـ جارياً بلا معارض.

وأمّا مع عدم جريان استصحاب الوجوب، كما في فرض أخذ الزمان قيداً بحيث يوجب تعدّد الموضوع، فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى الأصل العملي المناسب للمقام، من البراءة أو الاشتغال، بحسب اختلاف الموارد والمباني. هذا

وقد حاول السيد الخوئي (قدّس سرّه) تقريب التعارض بين الاستصحابين في المسألة بالتفريق بين مرتبتين للحكم: مرتبة الجعل والإنشاء، ومرتبة المجعول والفعليّة.

وأخرج عن محلّ النزاع مورد النسخ؛ لكونه خارجاً عن محلّ الكلام، كما أخرج الشبهات الموضوعيّة؛ إذ لا شكّ في أصل الجعل فيها، وإنّما الشكّ في تحقّق الموضوع خارجاً.

ومثال ذلك: ما إذا دلّ الدليل على تنجّس الماء القليل بالملاقاة، ثمّ تُمّم الماء القليل المتنجّس كُرّاً، وشُكّ في بقاء نجاسته بعد التتميم.

فبلحاظ مرتبة الجعل، يكون المقدار المتيقّن هو جعل النجاسة للماء القليل، وأمّا جعلها له بعد تتميمه كُرّاً فهو مشكوك، فيجري استصحاب عدم الجعل الزائد.

وبلحاظ مرتبة المجعول والفعليّة، فإنّ هذا الماء الخارجي كان نجساً يقيناً قبل تتميمه كُرّاً، وبعد التتميم يُشكّ في بقاء نجاسته، فيجري استصحاب بقاء المجعول، ومقتضاه بقاء النجاسة.

وعليه، يقع التعارض بين استصحاب عدم الجعل الزائد واستصحاب بقاء المجعول، فيتساقطان.

وبذلك وافق السيّد الخوئي (قدّس سرّه) المحقّق النراقي في أصل دعوى المعارضة، إلّا أنّه صاغها على أساس التفكيك بين مرتبتي الجعل والمجعول

ومن ثمّ التزم بعدم جريان استصحاب الحكم في الشبهات الحكميّة الكلّيّة التي تتحقّق فيها هذه المعارضة.

وأمّا الشيخ الفلسفي (قدّس سرّه)، فقد منع من تحقّق المعارضة؛ بدعوى أنّ التعارض بين الاستصحابين يتوقّف على وحدة الموضوع، والمفروض عدمها في المقام؛ فإنّ موضوع أحدهما هو الماء بما هو ماء، وموضوع الآخر هو الماء المقيّد، ومع اختلاف الموضوع لا تتحقّق المعارضة بين الاستصحابين. وعليه، لا يجري استصحاب عدم الجعل بنحو يعارض استصحاب المجعول، بل الجاري هو استصحاب بقاء المجعول.

وأمّا ما افاده المحقّق النائيني (قدّس سرّه)، والذي استند إليه الشيخ الوحيد (دام ظلّه)، فحاصله: أنّ جريان الاستصحاب يتوقّف على ترتّب أثر شرعي عملي على المستصحب، ولا يترتّب على نفس الجعل بما هو جعل أثر شرعي عملي يصحّح التعبّد ببقائه أو عدمه؛ فإنّ مجرّد الجعل، مع قطع النظر عن فعليّة المجعول، لا أثر عملي له.

وعليه، لا يجري الاستصحاب في مرتبة الجعل، فلا يتحقّق استصحاب عدم الجعل ليعارض استصحاب بقاء المجعول، وإنّما الجاري هو استصحاب المجعول، وهو الموافق لما ذهب إليه المشهور، كما تقدّم.

وقد كان للسيّد الخميني (قدّس سرّه) في المسألة رأي، كما أنّ لصاحب "المنتقى" رأياً آخر، يمكن مراجعته في مظانّه.

وقد تعرّضنا في ختام الدرس السابق لما أفاده شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه)، حيث ذكر مطلباً كان لنا عليه إشكال ومؤاخذة؛ إذ نسب إلى السيّد الخوئي (قدّس سرّه) أنّ الشكّ في مرتبة الجعل ينحصر دائماً في فرض احتمال النسخ، مع أنّ السيّد الخوئي لم يلتزم بذلك، بل أخرج مورد النسخ عن محلّ النزاع.

وأمّا مراتب الحكم، فقد التزم السيّد الخوئي (قدّس سرّه) بأنّ للحكم مرتبتين، مع ملاحظة أنّ البحث عن مراتب الحكم أخذ بالاختزال تدريجاً في الفكر الأصولي.

فذهب صاحب الكفاية (قدّس سرّه) إلى أنّ للحكم أربع مراتب: الاقتضاء، والإنشاء، والفعلية، والتنجّز.

واقتصر المحقّق النائيني والسيّد الخوئي (قدّس سرّهما) على مرتبتين: مرتبة الجعل، ومرتبة المجعول والفعلية.

بينما ذهب شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه) إلى أنّ الحكم ليس له إلا مرتبة واحدة، ويمكن استفادة هذا المعنى أيضاً من بعض كلمات سيّدنا السيستاني (دام ظلّه).

بيان ذلك: أنّ الجعل عبارة عن نفس الاعتبار والإنشاء، وهو يتحقّق في آن الجعل دفعةً واحدة، فلا طولية في نفس الجعل، ولا يتصوّر فيه تقدّم وتأخّر بين أفراده؛ فإنّ المولى يجعل الحكم على موضوعه المقدّر الوجود بنحو القضية الحقيقية، وبه يتحقّق أصل الحكم وينتهي فعل المولى التشريعي.

وعليه، فليس المجعول عند تحقّق الموضوع في الخارج مرتبةً أخرى من الحكم في قبال مرتبة الجعل؛ إذ لم يصدر من المولى إنشاء جديد عند تحقّق الموضوع، وإنّما الذي صدر منه هو الجعل والإنشاء الأول، وأمّا تحقّق الموضوع خارجاً فلا يوجب حدوث جعل أو حكم جديد.

ومن هنا يكون الحكم ذا مرتبة واحدة، وهي مرتبة الجعل والإنشاء، ولا تكون الفعلية مرتبةً أخرى للحكم في قبالها.

وأمّا الوجود الخارجي فليس مرتبةً من مراتب الحكم، وإنّما هو مرتبة تحقّق الموضوع خارجاً.

وهنا يَرِد إشكال، وحاصله: أنّه إذا كان الحكم ذا مرتبة واحدة، وهي مرتبة الجعل والإنشاء، فما معنى ما هو المتداول في كلمات الفقهاء والأصوليّين من التعبير بـ "الشكّ في الحكم الكلّي"؟

والجواب: أنّ إطلاق الشكّ في الحكم الكلّي لا يخلو من مسامحة؛ فإنّ الحكم الكلّي أمر اعتباري إنشائي، فإذا صدر جعله من المولى فقد تحقّق الجعل بتمامه، والمفروض العلم بأصل هذا الجعل، فلا معنى لفرض الشكّ في نفس الحكم بعد تحقّقه.

فإن قيل: إذا لم يكن الشكّ في الحكم، فأين يكون متعلّق الشكّ؟

قلنا: إنّ الشكّ إنّما يقع في مرحلة تحقّق الموضوع خارجاً وفاعليّته، لا في نفس الحكم والجعل.

وتوضيح ذلك: أنّ المولى يجعل الحكم بنحو القضية الحقيقيّة، كقوله: "الخمر حرام" أو "الخمر نجس" فيتحقّق الحكم بهذا الجعل. وأمّا إذا تحقّق موضوعه في الخارج، فليس هناك جعل جديد ولا مرتبة أخرى للحكم، وإنّما تتحقّق عندئذٍ فاعليّة ومحرّكيّة الحكم بالنسبة إلى المكلّف؛ فينبعث نحو الفعل إذا كان الحكم بعثيّاً، وينزجر عنه إذا كان الحكم زجريّاً.

وعليه، فما يقع في الخارج ليس مرتبةً ثانية للحكم، وإنّما هو ظرف تحقّق الموضوع وفاعليّة ومحرّكيّة الحكم للمكلّف.

ويتّضح ذلك في مثال الماء القليل المتنجّس المتمَّم كُرّاً؛ فإنّ المكلّف يعلم بنجاسة هذا الماء قبل التتميم، ويترتّب على ذلك لزوم الاجتناب عنه، فإذا تُمّم كُرّاً وقع الشكّ في بقاء ما كان ثابتاً له قبل التتميم. وهذا الشكّ ليس شكّاً في أصل الجعل والإنشاء، وإنّما هو شكّ ناشئ في مرحلة الموضوع بعد طروّ الحالة الجديدة عليه.

وكذلك الحال في حرمة وطء الحائض؛ فإنّ الحرمة ثابتة حال وجود الدم، فإذا انقطع الدم قبل الاغتسال وقع الشكّ في بقاء ما كان ثابتاً قبل الانقطاع، من دون أن يكون الشكّ راجعاً إلى أصل جعل الحرمة وإنشائها.

فالحاصل: أنّ الشكّ في أمثال هذه الموارد لا يعرض الحكم الكلّي بما هو جعل وإنشاء، وإنّما يعرض في مرحلة فاعليّته ومحرّكيّته عند تحقّق الموضوع خارجاً وطروّ بعض الحالات عليه.

وعلى هذا المبنى يتّضح وجه جريان الاستصحاب؛ فإنّ المفروض تحقّق اليقين السابق والشكّ اللاحق. فالماء كان محكوماً بالنجاسة يقيناً قبل تتميمه كُرّاً، ثمّ شُكّ في بقائها بعد التتميم، فتتمّ أركان الاستصحاب، ويستصحب ما كان ثابتاً سابقاً.

ومن هنا حاول شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه) التخلّص من إشكال المعارضة الذي بنى عليه السيّد الخوئي (قدّس سرّه)، إلا أنّ هذا المسلك يختلف أساساً عن مبنى السيّد الخوئي.

ووجه الاختلاف: أنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) بنى على ثبوت مرتبتين للحكم: مرتبة الجعل، ومرتبة المجعول والفعليّة، ومن ثمّ أمكنه تصوير استصحابين: استصحاب عدم الجعل الزائد من جهة، واستصحاب بقاء المجعول من جهة أخرى، وانتهى إلى وقوع المعارضة بينهما.

وأمّا شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه)، فبنى على أنّ الحكم ليس له إلا مرتبة واحدة، وهي مرتبة الجعل والإنشاء، وأنّ ما يعبّر عنه بالمجعول أو الفعليّة عند تحقّق الموضوع في الخارج ليس مرتبةً ثانية للحكم، وإنّما هو راجع إلى فاعليّة ومحرّكيّة الحكم.

وعلى هذا، تنتفي المعارضة من أساسها؛ إذ لا توجد مرتبتان للحكم ليجري بلحاظ إحداهما استصحاب عدم الجعل الزائد، وبلحاظ الأخرى استصحاب بقاء المجعول، ثمّ تقع المعارضة بينهما.

ومن هنا وافق شيخنا الأستاذ المشهور في النتيجة، وإن خالفهم في طريق الوصول إليها؛ فكما ذهب المشهور إلى جريان استصحاب نجاسة الماء القليل المتنجّس بعد تتميمه كُرّاً، وإلى جريان استصحاب حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، انتهى شيخنا إلى النتيجة نفسها، ولكن على أساس ما اختاره من وحدة مرتبة الحكم.

وبذلك تختلف طريقة شيخنا عن سائر الأعلام في دفع إشكال المعارضة؛ فإنّ المحقّق النائيني (قدّس سرّه)، مع فرض تعدّد المرتبتين، منع من المعارضة من جهة عدم ترتّب الأثر على استصحاب عدم الجعل، فلا يجري حتى يعارض استصحاب المجعول.

كما أنّ الشيخ الفلسفي (قدّس سرّه) دفع المعارضة من جهة اختلاف الموضوع في الاستصحابين.

وأمّا شيخنا الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه)، فلم يحتج إلى علاج المعارضة بعد فرض تحقّقها، بل منع أصل تصويرها؛ لأنّ منشأ تصويرها هو افتراض تعدّد المراتب للحكم، والمفروض عنده أنّ الحكم ذو مرتبة واحدة، وأمّا ما وراءها فليس مرتبةً للحكم، بل هو مرحلة فعلية فاعلية الحكم بفعلية الموضوع .

فالنتيجة: أنّ الحكم بما هو حكم أمر اعتباري إنشائي يتحقّق بجعل المولى، ولا تعدّد في مراتبه، وأمّا الشكّ اللاحق فإنّما يقع في مرحلة فعلية الموضوع وفاعلية ومحرّكيّة الحكم بعد طروّ الحالة الجديدة. وحيث يكون هناك يقين سابق وشكّ لاحق، فلا مانع من جريان الاستصحاب، وبذلك يلتقي هذا المبنى مع المشهور في النتيجة، وإن افترق عنه في الأساس الذي بنى عليه جريان الاستصحاب.

ومن هنا قال شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه):

"إنّ للحكم مرتبةً واحدة، وهي مرتبة الجعل، فإنّه يوجد في هذه المرتبة ـ يعني الحكم ـ بتمام حصصه وأفراده في آنٍ واحد، وهو آن الجعل، آن الإنشاء، آن الاعتبار؛ وُجد، ولهذا لا يُتصوّر فيه التقدّم والتأخّر، وكذلك لا نتصوّر الحدوث والبقاء؛ لأنّنا نتأكّد أنّ الجعل حدث، فلا يوجد تقدّم وتأخّر، وفي آنٍ واحد وفي عَرْضٍ واحد كلّ المراتب وكلّ الحصص"([1] ).

ثمّ قال (قدّس سرّه): "وليس للحكم مرتبةٌ أخرى، بل لا يُتصوّر أن تكون له مرتبةٌ أخرى؛ بداهة أنّ حقيقة الحكم بالحمل الشائع ـ وليس بالمفهوم، فهل وُجد الحكم أو لا؟ وُجد الحكم ـ وهو الاعتبار القائم بنفس المولى وفعله الاختياريّ بنحوٍ مباشر".

وحاصل المراد: أنّ الحكم بما هو اعتبار وإنشاء يتحقّق بنفس جعل المولى، ولا يتوقّف وجوده على تحقّق موضوعه في الخارج؛ فبصدور الجعل والإنشاء يتحقّق الحكم بتمام حصصه المقدّرة في عرض واحد، ولا يحدث حكم جديد عند تحقّق كلّ فرد من أفراد الموضوع خارجاً.

وقد أنزل الله تعالى أحكامه على صدر النبي (صلّى الله عليه وآله) بواسطة جبرائيل (عليه السلام)، سواء ما ورد منها في القرآن الكريم أم الأحكام التي بيّنها النبي (صلّى الله عليه وآله) وأُودعت عند أئمة الهدى (عليهم السلام).

نعم، جرى في كلمات الأصوليّين تقسيم الحكم إلى مرتبتين: مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعليّة، وأسّسوا لذلك بما اشتهر من قولهم: "فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه".

إلّا أنّ حاصل مراد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) أنّهم ملتفتون إلى أصل العلاقة بين الحكم وموضوعه، وإن لم تنصّ عباراتهم صراحةً على أنّ الحكم ذو مرتبة واحدة؛ فإنّ ما يتحقّق عند وجود الموضوع خارجاً ليس حكماً آخر وراء الحكم المجعول، بل يرتبط بفعلية الموضوع فاعلية الحكم ومحركيته .

ثمّ قال شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): "وأمّا مرتبة المجعول ـ بحسب اصطلاحنا ـ وهي فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه في الخارج، فيستحيل أن تكون مرتبةً للحكم؛ فالموضوعات متّحدة في الحكم، ومستحيل فعليّة الحكم ووجوده في الخارج تبعاً لوجود موضوعه فيه".

وتوضيح ذلك: أنّه إذا قيل: إنّ الحكم يصير فعليّاً بفعليّة موضوعه في الخارج، وكان المقصود من هذه الفعليّة تحقّق الحكم ووجوده تبعاً لتحقّق موضوعه خارجاً، لزم أن يكون للحكم نحو وجود خارجي بتبع الوجود الخارجي لموضوعه، مع أنّ حقيقة الحكم ليست من سنخ الموجودات الخارجيّة، وإنّما هي أمر اعتباري قائم بالمولى ومتحقّق بنفس الجعل والإنشاء.

ومن هنا قال (قدّس سرّه): "وإلّا لزم كون الحكم أمراً خارجياً لا اعتباريّاً، وهذا خُلْف".

فمحصّل مراده أنّ وجود الموضوع في الخارج لا يوجب انتقال الحكم من مرتبة الاعتبار إلى مرتبة الوجود الخارجي، ولا يُوجب ان تكون للحكم مرتبةً ثانية تسمّى بمرتبة المجعول؛ لأنّ الحكم قد تحقّق بما هو حكم في مرتبة الجعل والاعتبار، وأمّا الذي يتحقّق خارجاً فهو موضوع الحكم، لا نفس الحكم.

تنبيه: يُلاحظ أنّ شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) لم يعبّر بقوله: "أمراً حقيقيّاً"، وإنّما عبّر بقوله: "أمراً خارجيّاً"؛ وذلك لأنّ مناط ترتّب الآثار إنّما هو الوجود الخارجي.

ويتّضح ذلك في حرمة الخمر؛ فإنّ الحرمة وإن كانت حكماً اعتباريّاً، إلّا أنّ متعلّقها الذي يكون مورداً للامتثال والعصيان هو الشرب الخارجي للخمر، لا وجوده الذهني. فلو تصوّر المكلّف شرب الخمر في ذهنه لم يتحقّق بذلك امتثال أو عصيان، ولم تترتّب عليه مؤاخذة من جهة ارتكاب الحرام، وإن أمكن أن يبحث عن ذلك من جهة النيّة، وهو بحث آخر.

وعليه، فقد يتوهّم من التعبير بأنّ "فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه" أنّ وجود الموضوع في الخارج يستتبع وجود الحكم في الخارج أيضاً، وهذه الملازمة ـ وإن لم يصرّح بها القائلون بتعدّد المراتب ـ لو تمّت للزم منها كون الحكم أمراً خارجيّاً، وهو خُلْف فرض كونه أمراً اعتباريّاً. وهذه نكتة دقيقة تمهّد لما يراد تأسيسه في المقام.

والحاصل: أنّ أصل العلاقة بين الحكم وموضوعه ممّا لا إشكال فيه، وإنّما الكلام في تحديد حقيقة هذه العلاقة. فمن المقطوع به أنّ الحكم المجعول على الموضوع يرتبط بالموضوع الخارجي من جهة ما يترتّب عليه من الامتثال والعصيان، وإن لم يكن وجود الموضوع الخارجي موجباً لحدوث مرتبة جديدة لنفس الحكم.

وفي بيان هذه العلاقة قال شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه):

"إنّ الشارع إذا جعل الاستطاعة موضوعاً لوجوب الحج في عالم الاعتبار والذهن…".

والاعتبار هنا أمر حقيقي قائم بنفس المعتبر، وليس أمراً انتزاعيّاً محضاً؛ فإنّ الأمر الانتزاعي لا يكون له ما بإزاء مستقل، وإنّما يكون له منشأ انتزاع، بخلاف الاعتبار؛ فإنّه فعل صادر من المعتبر وقائم به، وإن لم يكن أمراً تكوينيّاً خارجيّاً.

فالشارع يجعل الحكم بما له من مقام التشريع والتقنين، كما أنّ العقلاء يجعلون الاعتبارات في شؤونهم المختلفة، والاعتبارات مبثوثة في مناحي الحياة، بل يدور جانب واسع من معاملات العقلاء وعلاقاتهم على الأمور الاعتباريّة.

ثمّ قال شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): "نعم، توجد علاقة؛ فإنّ الشارع المقدّس إذا جعل الاستطاعة موضوعاً لوجوب الحج في عالم الاعتبار والذهن، فحينئذٍ إذا وُجدت الاستطاعة في الخارج بأن صار الإنسان البالغ العاقل القادر ـ وهذه قيود التكليف ـ مستطيعاً، صار وجوب الحج فعليّاً. ومعنى فعليّة وجوب الحج: فاعليّته ومحرّكيّته للمكلّف المستطيع نحو الإتيان بالحج، لا فعليّة نفس الحكم".

فمراده من فعليّة وجوب الحج ليس حدوث وجود جديد للحكم عند تحقّق الاستطاعة خارجاً، ولا انتقال الحكم من مرتبة الجعل إلى مرتبة أخرى، وإنّما المراد صيرورة الحكم المجعول فاعلاً ومحرّكاً للمكلّف بعد تحقّق موضوعه في الخارج.

والوجه في ذلك: أنّ الحكم لا تتعدّد فعليّاته بتعدّد أفراد موضوعه، بل الحكم قد تمّ جعله وإنشاؤه في مرتبة الاعتبار. وأمّا تحقّق الموضوع خارجاً فإنّما يوجب فاعليّة ذلك الحكم ومحرّكيّته بالنسبة إلى المكلّف الذي تحقّق الموضوع في حقّه.

ومن هنا قد يمضي على المكلّف تمام عمره من دون أن يبتلي بالخمر أو يتحقّق في حقّه موضوع بعض الأحكام، كما قد يُفرض عدم قدرة المكلّف على الصيام لمرض مستمرّ معه؛ ولا يعني ذلك عدم تحقّق أصل الحكم وتشريعه، فإنّ الجعل قد تمّ في مرتبته، وإنّما لم يتحقّق في حقّ هذا المكلّف ما يوجب فاعليّة الحكم ومحرّكيّته.

فالحاصل: أنّ الفعليّة لا ترجع إلى حدوث مرتبة جديدة في ذات الحكم، وإنّما ترجع إلى تحقّق موضوعه خارجاً وصيرورة الحكم بذلك فاعلاً ومحرّكاً للمكلّف.

 

وتأتي تتمّة الكلام في محلّها إن شاء الله تعالى.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - المباحث الأصولية، ج12، ص516.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo