47/08/20
بيان راي سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (قده)/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (قده)
قد تقدَّم فيما سبق أنّ الإشكال الذي أورده سيّدُنا الأستاذ الحكيم (قده) على ما أفاده السيّد الخوئي (قده) قد لا يكون وارداً؛ وذلك لأنّ مراد السيّد الخوئي ليس إثبات الظرفيّة، بل إنكارها من أصلها، ولا سيّما في باب الزمان.
ثمّ أفاد سيّدنا الأستاذ (قده) مطلبا دقيقاً، حاصله: أنّ هناك فرقاً حقيقيّاً بين الظرفيّة المكانيّة والظرفيّة الزمانيّة. أمّا الظرفيّة المكانيّة، فلها معنى معقول ومتصوَّر عرفاً، حيث يكون الظرف عادةً أوسع من المظروف، كما في قولنا: "زيد في الدار" أو "زيد في الغرفة"، فإنّ الدار أو الغرفة تُتصوَّر ظرفاً مكانيّاً لزيد، مع كونها أوسع منه.
وأمّا الظرفيّة الزمانيّة، فليست لها حقيقة بهذا المعنى؛ إذ لا يمكن تصوير الزمان ظرفاً حقيقيّاً للفعل على نحو يكون أوسع من المظروف.
وبيان ذلك: أنّ الشارع المقدّس عندما يأمر بالصوم في النهار، فإنّ معنى ذلك أنّ فعل الصوم يستوعب تمام النهار من أوّله إلى آخره، فلا يبقى مجال لتصوير النهار ظرفاً أوسع من الصوم؛ إذ المفروض أنّ الصوم قد استغرق جميع أجزاء النهار. ومع هذا الاستيعاب، أين تتحقّق الظرفيّة؟ فإنّ مقتضى الظرفيّة ـ بحسب معناها الحقيقي ـ أن يكون الظرف أوسع من المظروف، وهو غير متحقّق في المقام.
وعليه، ينتهي الامر إلى أنّ ما يُعبَّر عنه بالظرفيّة في باب الزمان لا يرجع في حقيقته إلى ظرفيّة واقعيّة، بل مآله إلى محض المقارنة بين الفعل والزمان، وهذا هو المراد بما أفاده (قده) من أنّه لا حقيقة للظرفيّة الزمانيّة سوى كون الحادث موجوداً مقارناً للزمان، لا واقعاً فيه على نحو الظرف والمظروف.
وهو ما صرّح به (قده) في المحكم، حيث قال:"إنّه لا حقيقة للظرفيّة الزمانيّة إلا وجود الحادث مقارناً للزمان".
ثمّ قال:(قده) بعد ذلك ما نصّه "ولذا لا إشكال في أنّ تقييد الحادث بحصّة من الزمان كالنهار أو الشهر لا يُراد به كون الحصّة المذكورة أوسع منه ـ أي من الحادث ـ ومشتملةً عليه؛ لأنّ معنى الظرفيّة أن يكون الظرف أوسع من المظروف. وهنا، إذا أُريد القول بأنّه لا يُراد به معنى الأوسعيّة، فإذا وجب إيقاع الصوم في النهار، وجب استيعاب الصوم للنهار، ولا نكتفي بصوم ما عدا طرفيه، حتّى يُقال إنّ هذا ظرف للصوم".
وحاصل مراده (قده): أنّ المقصود بطرفي النهار هما بدايته ونهايته، فلو كانت العلاقة بين
الصوم والنهار علاقة الظرفيّة الحقيقيّة، لكان مقتضى ذلك كفاية إيقاع الصوم في بعض أجزاء النهار، أي بين طرفيه، لا استيعاب تمامه؛ لأنّ الظرف ـ بحسب حقيقته ـ لا بدّ أن يكون أوسع من المظروف، والمظروف أضيق منه. ولكنا، نرى الشارع المقدس لا يكتفي بصوم بعض النهار، بل يوجب استيعاب الصوم لجميع أجزائه من أوّله إلى آخره.
وهذا بنفسه شاهد واضح على أنّ العلاقة بين الصوم والنهار ليست علاقة الظرف والمظروف بالمعنى الحقيقي للظرفيّة، بل إنّ تقييد الصوم بالنهار يرجع إلى استيعاب الفعل لجميع حصص الزمان المأخوذ في الدليل، لا إلى كونه واقعاً في ظرف أوسع منه. ومن هنا يتّضح انتفاء حقيقة الظرفيّة الزمانيّة، وأنّ المثال المذكور ـ وهو الصوم ـ أوضح شاهد على ما أفاده (قده) في هذا المقام.
ثمّ أردف (قده) قائلاً: "وإذا وجب إيقاع الصلاة في نصف النهار الثاني، كفى البدء بها عند أوّل جزءٍ منه، كما يكفي الانتهاء منها عند آخر جزءٍ منه".
وتوضيح مرامه: أنّه في باب الصلاة ـ بخلاف الصوم ـ قد يُتوهَّم إمكان تصوير الظرفيّة، كما يمكن تصوير المقارنة، غير أنّ التدقيق يُظهر أنّ الظرفيّة الحقيقيّة غير متحقّقة هنا أيضاً. وذلك: لأنّ المطلوب شرعاً في صلاة الظهر، مثلاً، هو إيقاع أربع ركعات بعد الزوال، أي في النصف الثاني من النهار. فلو أُريد تفسير هذا التقييد على أساس الظرفيّة الحقيقيّة، لكان اللازم أن تقع الصلاة في أثناء هذا الزمان، بحيث يكون للزمان سعة، وتقع الصلاة ضمنها، لا عند حدوده.
إلّا أنّ الواقع الشرعي ليس كذلك؛ فإنّه يكفي في الامتثال أن يبتدئ المكلَّف بالصلاة عند أوّل جزء من الزوال، فيكون شروعه في الصلاة مقارناً لأوّل لحظة من النصف الثاني من النهار، كما يكفي أيضاً أن ينتهي من صلاته عند آخر جزء من النهار، من دون اشتراط مضيّ مقدار من الزمان بعد الزوال، ولا بقاء مقدار منه قبل الغروب. ولو كانت الظرفيّة مأخوذةً على النحو الحقيقي، لما صحّ الامتثال بذلك، بل لكان اللازم أن تقع الصلاة بعد مضيّ فترة من الزمان عن الزوال، وقبل بقاء فترة منه إلى الغروب، ليصدق كونها واقعةً في ظرفٍ أوسع منها.
ومن هنا يتّضح أنّ ما هو المعتبر في مثل الصلاة ليس هو الظرفيّة بالمعنى الحقيقي، بل مجرّد المقارنة مع الزمان المأخوذ في الدليل. فإنّ الصلاة إذا ابتدأت مع أوّل الزوال، وانتهت مع آخر جزء من النهار، لم تكن واقعةً "في" الزمان على نحو الظرف والمظروف، بل كانت مقارنة لبقاء الزمان من أوّله إلى آخره.
ويؤيّد ذلك ما هو المرتكز عرفاً في باب الظرفيّة المكانيّة؛ فإنّ الشخص الملاصق لجدار الدار لا يُقال إنّه "في الدار"، بل لا بدّ من دخوله بحيث يكون الظرف محيطاً به، وعادةً ما يكون الظرف أمراً خارجاً وأوسع من المظروف. أمّا إذا تزامن وجود الشيئين من دون إحاطةٍ وسعة، انتفت حقيقة الظرفيّة. وهذا بعينه جارٍ في باب الزمان.
وعليه، كما أنّ الصوم يستوعب تمام النهار، فلا معنى لتصوير الظرفيّة فيه، كذلك الصلاة، إذا جاز الابتداء بها عند أوّل الزوال والانتهاء منها عند آخر النهار، فلا تكون واقعةً في ظرفٍ زمانيّ بالمعنى الحقيقي، بل تكون مقارنةً لبقاء الزمان. ومن هنا صحّ ما أفاده (قده) بقوله: "وإذا وجب إيقاع الصلاة في نصف النهار الثاني، كفى البدء بها عند أوّل جزءٍ منه"، فإنّ هذا بنفسه شاهد واضح على أنّ المأخوذ في لسان الدليل هو المقارنة، لا الظرفيّة الحقيقيّة، تماماً كما هو الحال في الصوم.
ثمّ قال (قده): "كما لا فرق عرفاً بين التقييد بالعنوان الزماني بما يظهر في الظرفيّة، مثل: صم في النهار، والتقييد بحدّيه بما يقتضي محض المقارنة".
وتوضيح مراده: أنّ العرف لا يلحظ فرقاً في المدلول بين التعبير الأوّل الذي يُصاغ بلسان الظرفيّة، كقوله: صم في النهار، وبين التعبير الثاني الذي يُؤدَّى ببيان مبدأ الزمان ومنتهاه، كما في قوله تعالى:
﴿… حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ …﴾فمرّةً يُعبَّر عن التقييد بعنوانٍ زمانيّ ظاهرُه الظرفيّة، ومرّةً أُخرى يُعبَّر عنه بتحديد الحدّ الابتدائي والحدّ الانتهائي للزمان، من دون أن يرى العرف بين التعبيرين فرقاً في المعنى والمقصود. وهذا الارتكاز العرفي يكشف بوضوح عن أنّ المراد في كلا الموردين ليس هو الظرفيّة الحقيقيّة، بل محض المقارنة بين الفعل والزمان المحدَّد شرعاً.
وعليه، فاختلاف الأسلوب في لسان الدليل ـ بين التعبير بالظرفيّة تارة، وببيان المبدأ والمنتهى تارةً أخرى ـ لا يغيّر من حقيقة المدلول شيئاً، بل الجميع يرجع إلى معنى واحد، وهو أنّ الفعل مطلوب ما دام الزمان باقياً، على نحو المقارنة، لا على نحو الظرفيّة بالمعنى الحقيقي. وهذا تمام ما أراد (قده) إثباته في هذا المقطع من كلامه.
فإن قيل: إنّك بعد نفي الظرفيّة الزمانيّة عبّرت عن العلاقة بين الحادث والزمان بالمقارنة، وكان نص عبارتك :
"لا حقيقة للظرفيّة الزمانيّة إلا وجود الحادث مقارناً للزمان".
فحينئذٍ يُسأل: هل للمقارنة حقيقةٌ مستقلّة؟ وما هي حقيقتها؟ وهل تحتاج المقارنة إلى أمرٍ زائد على مجرّد الاجتماع مع الزمان، أم لا؟ وكأنّ هذا السؤالٌ مقدَّر في المقام.
والجواب عنه ما أفاده (قده) بقوله: "وأمّا المقارنة الزمانيّة فليس لها ما بإزائها في الخارج زائداً على اجتماع الطرفين في الوجود".
توضيح ذلك: أنّ المقارنة ليست أمراً وجوديّاً قائماً بنفسه في الخارج، بحيث يكون لها ما
بإزائها وراء نفس وجود الطرفين، بل هي عنوانٌ انتزاعيّ ينتزع من مجرّد اجتماع الشيئين في الوجود. فمتى تحقّق وجود الحادث مع وجود الزمان، صحّ انتزاع عنوان المقارنة من دون حاجة إلى فرض حقيقةٍ أُخرى قائمة في الخارج. وعليه، فبعد نفي الظرفيّة لا يُطالَب بإقامة دليلٍ مستقلّ على المقارنة؛ إذ ليست المقارنة إلا نفس هذا الاجتماع، ولا تزيد عليه شيئاً.
ومن هنا يتّضح الفرق بين المقارنة والظرفيّة في باب المكان؛ فإنّ المقارنة المكانيّة قد تتحقّق بخروج الشيء عن المكان أو ملاقاته له من الخارج، في حين تتحقّق الظرفيّة بدخول الشيء فيه وإحاطة المكان به، ولأجل ذلك يمكن في عالم المكان تصوّر المقارنة والظرفيّة معاً في موردٍ واحد. أمّا في باب الزمان، فلا يتصوّر هذا النحو من التغاير؛ إذ لا معنى للدخول في الزمان أو الخروج عنه، وإنّما ليس هناك إلّا اجتماع وجود الحادث مع وجود الزمان، وهو وحده منشأ انتزاع عنوان المقارنة.
ومن الواضح أنّ هذا الاجتماع في الوجود ممّا يمكن إحرازه بالأصول العمليّة، كاستصحاب بقاء الزمان أو بقاء الحادث، أو بسائر أنحاء التعبّد الشرعي. وبهذا يتّضح أنّ الالتزام بالمقارنة الزمانيّة لا يستلزم إثبات أمرٍ زائد في الخارج، ولا يورث محذوراً بعد نفي الظرفيّة، بل ينسجم تمام الانسجام مع المبنى الذي قرّره سيّدنا الأستاذ (قده) في هذا المقام.
ثمّ قال (قده):"ومن الظاهر أنّ الاجتماع في الوجود يُحرَز بالاستصحاب وغيره من أنحاء
التعبّد".
وحاصل مرامه (قده): كشفَ النقاب عن أصل المطلب الذي لأجله وقع الإشكال عند الأعلام في باب الاستصحاب، حيث ابتنى كثيرٌ من تلك الإشكالات على افتراض وجود ظرفيّة زمانيّة حقيقيّة، ومحاولة ترتيب الآثار عليها. ومن هنا لجأ السيّد الخوئي (قده) إلى مسلك التركيب والمصاحبة للتخلّص من محذور الظرفيّة.
أمّا سيّدنا الأستاذ (قده)، فإنّه يسلك طريقاً أدق في حل الاشكال ، وهو إنكار أصل وجود الظرفيّة الزمانيّة حقيقةً؛ إذ لا يوجد ـ بحسب التحقيق ـ شيء في الخارج يُسمّى ظرفاً زمانيّاً بالمعنى الدقيق، وإنّما الموجود واقعاً هو مجرّد مقارنة زمانيّة، أو بتعبيرٍ أدقّ: اجتماع الحادث مع الزمان في الوجود.
وعلى هذا الأساس، يُطرح السؤال: كيف تُحرَز هذه المقارنة الزمانيّة؟والجواب: أنّ المقارنة لا تحتاج إلى أمرٍ زائد على إثبات وجود الطرفين معاً؛ فإنّها تتحقّق بمفاد "كان" التامّة، سواء كان ثبوت أحد الطرفين أو كليهما وجدانياً أم تعبّدياً. فإذا ثبت وجود الزمان بمفاد "كان" التامّة ـ ولو تعبّداً بالاستصحاب مثلا ـ، وأوقع المكلَّف صلاته أو صومه في هذه الفترة، فقد تحقّق الاجتماع في الوجود بين الفعل والزمان، ومن ثمّ تنتزع المقارنة قهراً.
فالمقارنة، بهذا المعنى، ليست سوى المعية والاجتماع في الوجود، ولا واقع لها وراء ذلك.
ومن هنا، لا يضرّ اختلاف التعبير عنها بالمعيّة أو بالمقارنة، ما دام الجميع يرجع إلى حقيقة واحدة، وهي اجتماع وجود الفعل مع وجود الزمان. وهذا الاجتماع يمكن إحرازه بالأصول العمليّة، كاستصحاب بقاء الزمان بمفاد "كان" التامّة، أو بغير ذلك من أنحاء التعبّد الشرعي متى تحقّقت أركانه.
وبذلك يتّضح أنّ الأساس في المقام ليس هو إثبات ظرفيّة زمانيّة موهومة، بل إحراز الاجتماع في الوجود، ومعه يرتفع أصل الإشكال، ولا يبقى مجال لمحذور الأصل المثبِت من هذه الجهة.
ثمّ قال (قده): "وبالجملة، دليل التوقيت وإن كان متضمّناً لظرفيّة الوقت للمؤقّت، إلّا أنّه لا يُراد به إلّا محض التحديد وبيان الأمد الذي يُقارنه المؤقّت ـ أي الفعل المؤقّت ـ ولا يُعتبر فيه إلّا محض اجتماعهما في الوجود، المُحرَز بضمّ الوجدان إلى الأصل، من دون أن يحتاج إلى معنىً زائد على ذلك يُراد بالظرفيّة".
وحاصله: أنّ سيّدنا الأستاذ (قده) ينتهي إلى خلاصة جامعة لما تقدّم، مفادها أنّ لسان أدلّة التوقيت ـ وإن كان في ظاهره مشتملاً على تعبيرات توحي بالظرفيّة ـ إلّا أنّ هذه الظرفيّة ليست مقصودة على نحو الحقيقة، بل يراد بها مجرّد تحديد الأمد الزماني الذي يقارن فيه الفعلُ زمانَه. فالمؤقّت لا يُعتبر فيه أزيد من اجتماع الفعل مع الزمان في الوجود، وهذا الاجتماع يُحرَز إمّا وجداناً، أو تعبّداً او بضمّ التعبد اي الأصل العملي ـ كاستصحاب بقاء الزمان بمفاد "كان" التامّة ـ إلى الوجدان.
وأمّا ما قد يُستظهر من هذه العبارة من كونها تعريضاً بمسلك السيّد الخوئي (قده)، فلا يخفى أنّ هذا التعريض ـ لو فُرض ـ فغير تامّ؛ لأنّ السيّد الخوئي لا يلتزم بالظرفيّة الزمانيّة، بل هو أيضاً ينفيها، ويفرّ إلى بيان العلاقة على أساس المصاحبة والتركيب. وعليه، فإقحام عنوان الظرفيّة في مقام توصيف مبناه في غير محلّه، كما تقدّم التنبيه عليه في البحث السابق.
ومحصّل كلام سيّدنا الأستاذ (قده): أنّ أدلّة التوقيت لا تدلّ على أزيد من تحديد زمان الفعل وبيان أمده، وأنّ كلّ ما يُتوهَّم من معنى زائد بعنوان "الظرفيّة" لا واقع له في باب الزمان، بل يرجع كلّه إلى مجرّد الاجتماع في الوجود، وهو أمر قابل للإحراز وجداناً أو تعبّداً، من دون أن يترتّب عليه شيء من محاذير الأصل المثبِت.
ثمّ قال (قده): "ولا مجال لقياس ذلك بالظرفيّة المكانيّة، التي هي منتزعة من أمرٍ حقيقيٍّ
زائدٍ على وجود الطرفين، قائمٍ بهما، لا يُحرَز بالأصل…".
وتوضيحه: أنّ الظرفيّة المكانية وان كانت عنوانٌ انتزاعيّ، لكنّها منتزعة من منشأٍ تكوينيٍّ حقيقيٍّ زائدٍ على مجرّد وجود الطرفين. فلدينا ـ في المثال ـ زيدٌ بوجودٍ مستقلٍّ تابعٍ لعلّة وجوده، ولدينا الغرفة بوجودٍ مستقلٍّ آخر تابعٍ لعلّة وجودها. فإذا كان زيد خارج الغرفة، كانت عبارة: "زيد في الغرفة" غير صادقة، وإذا دخل زيد الغرفة وصار محاطاً بجدرانها، صدقت هذه العبارة. فما الذي تغيّر في الخارج؟ إنّ الذي تحقّق هو دخول زيد في الغرفة، وهو أمر تكوينيّ حقيقيّ، ومع بقاء وجود زيد على استقلاله، وبقاء وجود الغرفة على استقلالها، يُنتزَع من هذا التحقّق الخارجي عنوان الظرفيّة المكانيّة.
وهنا ينبغي الالتفات إلى الفرق بين الانتزاع والاعتبار. فالانتزاع تابع لمنشئه التكويني في الخارج، وليس بيد المعتبر إيجادُه أو رفعُه، بخلاف الاعتبار؛ فإنّه لولا فعل المعتبر لما تحقّقت حقيقته. فالعلاقة الزوجيّة ـ مثلاً ـ علاقة اعتباريّة؛ إذ إنّ الرجل والمرأة لكلٍّ منهما وجود مستقلّ، ولكنّ توصيفهما بالزوجيّة متوقّف على إنشاء المعتبر، ويختلف باختلافه. أمّا في مثال زيد والغرفة، فإنّ الظرفيّة المكانيّة ليست أمراً اعتبارياً، بل هي عنوان منتزَع من واقع تكوينيّ، وهو إحاطة المكان بالموجود ودخوله فيه.
ومن هنا يتّضح وجه الفرق الجوهري بين الظرفيّة المكانيّة والزمانيّة. فالظرفيّة المكانيّة ـ
وإن لم يكن لها وجود مستقلّ بعنوانها ـ إلّا أنّ لها منشأ انتزاع حقيقيّ، وهو قابل للتبدّل: فقد يكون الشيء خارج المكان، وقد يكون داخله، وينتزع من ذلك انتساب حقيقي بين الطرفين. أمّا الزمان، فليس فيه منشأ انتزاع من هذا القبيل؛ إذ لا يُعقَل فيه الدخول والخروج، ولا الإحاطة والاحتواء. فالزمان له حقيقة، والفعل له حقيقة، وليس بينهما إلّا مجرّد الاجتماع في الوجود.
وعليه، فغاية ما هناك في باب الزمان هو اجتماع وجود الحادث مع وجود الزمان، وهذا الاجتماع يمكن إحراز بقائه تعبّداً عند الشك، كإحراز بقاء الزمان بالاستصحاب. وأمّا عنوان المقارنة أو المعيّة، فليس سوى تعبير عن هذا الاجتماع في الوجود. وإن تسامحنا وقلنا إنّ المقارنة عنوانٌ منتزَع، فليس لها وجود حقيقي وراء منشئها، بخلاف الظرفيّة المكانيّة التي تُنتزع من منشأ تكوينيّ خاصّ يمكن فيه فرض الخارج والداخل، والاحتواء والإحاطة.
فالنتيجة: أنّ المقارنة والمعيّة في باب الزمان ليستا إلّا إسماً للاجتماع في الوجود، ولا واقع لهما وراءه، بخلاف الظرفيّة المكانيّة، فإنّها وإن كانت عنواناً انتزاعيّاً، إلّا أنّها قائمة على منشأ انتزاع حقيقي، وهو ما لا نظير له في باب الزمان.
قال (قده): "وبالجملة: إنّ دليل التوقيت وإن كان متضمّناً لظرفيّة الوقت للمؤقّت، إلّا أنّه
لا يُراد به إلّا محض التحديد وبيان الأمد الذي يُقارنه المؤقّت، ولا يُعتبر فيه إلّا محض اجتماعهما في الوجود…".
وتحقيق هذا المطلب: أنّ الفرق الجوهري بين باب المكان وباب الزمان يتّضح بأدنى تأمّل؛ فزيد موجود، والغرفة موجودة، ومع ذلك لا تُنتزع الظرفيّة المكانيّة إلّا عند تحقّق أمرٍ زائد، وهو دخول زيد في الغرفة وإحاطة الجدران به، وعندئذٍ فقط يصدق عنوان "زيد في الغرفة". أمّا في باب الزمان، فليس هناك شيء من هذا القبيل؛ إذ لا يتصوّر دخول الفعل في الزمان ولا إحاطته به، بل الاجتماع في الوجود حاصل على كلّ حال.
ومن هنا، فإنّ وظيفة الشارع في باب التوقيت لا تتجاوز التحديد وبيان الأمد، كأن يقول: أدِّ هذا الفعل في ليلة النصف من شعبان، أو في ليلة القدر، أو يوم الجمعة، أو وقت الظهر، أو في صلاة الليل. فالتوقيت الشرعي ليس إنشاءً لعلاقة ظرفيّة حقيقيّة، بل هو تحديد لزمانٍ مخصوص يُراد أن يقارن فيه الفعلُ زمانَه.
وعليه، فإذا أوقع المكلَّف زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في ليلة النصف من شعبان، فقد تحقّق اجتماع فعل الزيارة مع تلك الليلة في الوجود، ولا يوجد في الخارج شيء وراء هذا الاجتماع. وكذلك إذا أُوقعت الصلاة ذات الأربع ركعات مع بياض النهار، فليس هناك واقع زائد يسمّى ظرفيّة زمانيّة، بل غاية الأمر أنّ الفعل قد وُجد مقارناً لزمانه المحدَّد
شرعاً.
وبهذا البيان، يظهر أنّ المآل العملي لهذا المبنى قريبٌ ممّا انتهى إليه مسلك السيّد الخوئي، من حيث إرجاع العلاقة إلى المقارنة، إلّا أنّ الفارق الجوهري بين المبنيين واضح؛ فإنّ السيّد الخوئي لا ينكر الظرفيّة الزمانيّة بنحوٍ مطلق، بل يفسّر المراد منها بالمقارنة والمصاحبة، بينما سيّدنا الأستاذ (قده) ينكر أصل وجود الظرفيّة الزمانيّة حقيقةً، ويرى أنّ استعمال لفظ الظرفيّة في هذا الباب مسامحيّ لا أكثر. وبهذا الإنكار يرتفع الإشكال من جذوره، ولا تبقى حاجة إلى تصحيح الظرفيّة أو دفع محاذيرها.
وعليه، فإذا أمكن استصحاب الزمان عند الشكّ في بقائه، بعد اعتباره أمراً واحداً بمفاد "كان" التامّة، فقد ثبت وجود الزمان تعبّداً، ومع إيقاع الصلاة أو غيرها وجداناً، يتحقّق الاجتماع في الوجود بين الفعل والزمان، وتنتزع المقارنة قهراً. وبهذا يتمّ حلّ المطلب الأصلي، من دون الوقوع في محذور الظرفيّة، ولا في شبهة الأصل المثبِت .
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]