« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/08/19

بسم الله الرحمن الرحيم

اشكال السيد محمد سعيد الحكيم على السيد الخوئي/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /اشكال السيد محمد سعيد الحكيم على السيد الخوئي

ذكرنا فيما تقدَّم من الدروس، ما افاده السيد الخوئي (قده) في مقام مناقشته الأعلام القائلين بإمكان استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة دون كان الناقصة، فناقش هذا المبنى من جهاته، وحرّر محلّ الإشكال بدقّة.

وحاصل ما أفاده:أنّ استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة ـ أعني استصحاب وجود الزمان بما هو هو ـ وإن كان في نفسه ممكنًا، إلّا أنّه لا يترتّب عليه أثر شرعي، كما نبّه عليه المحقّق النائيني (قده)، إذ إنّ الغرض من استصحاب الزمان ليس نفس إثبات وجوده، بل إحراز وقوع الفعل المأمور به ـ كالصلاة أو الصوم ـ فيه. وهذا الأثر لا يثبت باستصحاب وجود الزمان إلّا على نحو اللزوم العقلي أو العرفي، فيرجع إلى الأصل المثبِت، وهو غير حجّة.

 

وأمّا استصحاب الزمان بمفاد كان الناقصة، أي استصحاب كونه ظرفًا أو قيدًا للفعل، فغير جارٍ من الأساس. وعليه، فكلٌّ من استصحاب الزمان بمفاد كان التامّة وبمفاد كان الناقصة لا يحقّق الغرض المطلوب، غير أنّ جهة الإشكال في كلٍّ منهما مختلفة، ولا ينبغي الخلط بين المقامين.

ومن هنا، وبعد أن ناقش (قده) كلمات الشيخ الأعظم، وصاحب الكفاية، والمحقّق النائيني، انتهى إلى الخروج عن أصل مبنى الظرفيّة، واختار مسلكًا آخر للتخلّص من الإشكال، وهو القول بأنّ العلاقة بين الصلاة والزمان ليست علاقة الظرف والمظروف، بل هي علاقة الموضوع المركّب.

وتوضيح ذلك: أنّ المطلوب شرعًا هو مجموع الصلاة والزمان على نحو التركيب، لا الصلاة الواقعة في الزمان بنحو الظرفيّة. وفي الموضوع المركّب يكفي إحراز بعض الأجزاء بالوجدان، وإحراز البعض الآخر بالتعبّد. وفي المقام، الصلاة محرزة بالوجدان، لفرض الإتيان بها خارجًا، وأمّا النهار فيُحرَز بالتعبّد عبر استصحاب وجوده بمفاد كان التامّة. وبضمّ المحرَز الوجداني إلى المحرَز التعبّدي، يتحقّق المركّب المطلوب شرعًا، من غير حاجة إلى إثبات نسبة ظرفيّة أو معية على نحو يستلزم الأصل المثبِت.

وبهذا البيان، يتخلّص (قده) من إشكال الأصل المثبِت،بما ذكره من طريقه التركيب والانضمام لا على الظرفيّة، وهو الطريق الذي تبنّاه في دورته الثانية، كما قرّره في أجود التقريرات، منسوبًا في أصله إلى ما أفاده أستاذه المحقّق النائيني (قده)، مع تطويرٍ في جهة التطبيق ودفع الإشكال.

وقد وافق السيد الخوئي على هذا المسلك الشيخ علي الفلسفي في كتابه المستفاد، حيث تبنّى حلّ التركيب والانضمام بوصفه طريقًا للتخلّص من محذور الأصل المثبِت.

وأمّا السيد عبد الله الشيرازي، فقد اقتصر على طرح الإشكال من دون أن يقدّم له معالجةً أو حلاً واضحًا.

وأمّا الشيخ الوحيد الخراساني (حفظه الله)، فبعد أن استعرض الأقوال السبعة المطروحة في المسألة، لم يرتضِ بما أفاده المحقق النائيني.

وبيان ذلك: أنّ المحقق النائيني وإن كان يرى ـ في مقام الثبوت ـ أنّ الأصل هو

التركيب، إلّا أنّه عند التفريق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات انتهى إلى أنّ الأصل في مقام الإثبات هو الظرفيّة، حيث إنّ لسان الأدلّة ظاهر فيها. وبما إنّ الإشكال في جريان الاستصحاب لإثبات الظرفيّة محكمٌ عنده، فلا مجال ـ على هذا المبنى ـ لجريان الاستصحاب أصلًا.

وعلى هذا الأساس، انتهى إلى أنّ المرجع في المقام ليس الاستصحاب، بل الأصول العمليّة الأخرى، فيدور الأمر بين الاشتغال والبراءة، وقد اختار هو لزوم الاشتغال.

هذا هو حاصل ما انتهت إليه كلماتهم في المقام، على نحوٍ إجماليٍّ .

وقد أشرنا كذلك في البحث السابق إلى ردِّ سيّدنا الأستاذ على ما أفاده السيد الخوئي (قده)، وذكرنا أنّ هذا الإشكال قد لا يكون واردًا عليه بنحوٍ تام. ومن هنا

ننتقل الآن إلى بيان هذا المطلب على نحوٍ أدقّ، وذلك بقراءة ردّ سيّدنا الأستاذ ومقارنته بكلام السيد الخوئي، لنرى هل يَرِدُ الإشكال عليه حقيقةً أم لا.

وهذا يقتضي أمرين:

الأوّل: التدقيق في كلام السيد الخوئي نفسه، لمعرفة مراده بدقّة.

والثاني: التأمّل في كلام سيّدنا الأستاذ، وملاحظة مدى انطباق الإشكال عليه.

ولأجل تحرير رأي السيد الخوئي على وجهه الصحيح، نرجع إلى ما ذكره(قده) حيث قال (قده):

"إنّ معنى الإمساك النهاري ـ أي الصوم ـ هو اجتماع الإمساك، الذي هو فعل وجودي، مع النهار في الوجود"([1] ).

وحاصل مراده: أنّ الإمساك أمر وجودي، والنهار كذلك أمر وجودي، والمطلوب في الصوم ليس إلّا اجتماع هذين الوجودين في الخارج، من غير افتراض علاقة ظرفيّة بالمعنى المصطلح، ولا حاجة إلى إثبات نسبة زائدة بين الفعل والزمان.

ومن هنا يتّضح أنّ تصوير السيد الخوئي لمفاد الصوم مبنيّ على الاجتماع في الوجود، لا على الظرفيّة، وهو ما سيكون محور البحث في مدى تماميّة الإشكال المتقدّم عليه، وصحّة ما أفاده سيّدنا الأستاذ في مقام الردّ.

أمّا رأيُ سيّدِنا الأستاذ (قده): فقد عبّر عنه بقوله:

"ويندفع: بأنّ الزمان وإن لم يكن عرضًا قائمًا بما قُيِّد به، إلّا أنّ ظرفيّته له أمرٌ زائدٌ على محض وجوده"([2] ).

وبيانه:إنّ عبارته الأخيرة ـ أعني قوله: "إنّ ظرفيّة الزمان أمرٌ زائدٌ على محض وجوده" ـ وإن كانت كلامًا صحيحًا في نفسه بلحاظ التحليل الدقيق لمفهوم الظرفيّة، إلّا أنّها غير متّصلة بمبنى السيد الخوئي (قده)، ولا تَرِدُ عليه بنحوٍ صحيح.

وذلك لأنّ الشيءَ إذا وُجد في الخارج، تارةً يكون ظرفًا لغيره، وأخرى لا يكون، ولا إشكال في أنّ الظرفيّة ـ بهذا المعنى ـ أمرٌ زائدٌ على أصل الوجود، وهذا كلامٌ متين في حدّ نفسه.

لكن السؤال الأساس: ما هي علاقته بما ذهب إليه السيد الخوئي؟

فإنّ السيد الخوئي (قده) لا يريد أن يقول: إنّ الزمان بمجرّد وجوده يكون ظرفًا للفعل، بل هو لا يلتزم بالظرفيّة أصلًا، لا إثباتًا ولا ثبوتًا، وإنّما سلك مسلك التركيب والاجتماع في الوجود فرارًا من أصل إشكاليّة الظرفيّة وما يترتّب عليها

من محذور الأصل المثبِت.

فهو يرى أنّ المطلوب في مثل الصوم ليس وقوع الإمساك في ظرف النهار، بل اجتماع الإمساك والنهار في الوجود، من دون افتراض نسبةٍ ظرفيّةٍ بينهما.

ومن هنا، يتّضح أنّ الردّ القائم على أنّ "الظرفيّة أمر زائد على محض الوجود" لا يمسّ مبنى السيد الخوئي من قريب ولا من بعيد؛ لأنّه لم يدّعِ أصلًا أنّ الوجود مساوق للظرفيّة، بل أنكر الظرفيّة رأسًا، واتّخذ التركيب طريقًا بديلاً عنها.

ولهذا أكّد الشيخ الوحيد الخراساني على أنّ الظرفيّة ثابتة في مقام الإثبات بلحاظ لسان الأدلّة، وأنّ التركيب والظرفيّة متقابلان، فإمّا أن يُلتزم بالظرفيّة، أو يُلتزم بالتركيب، ولا معنى للجمع بينهما.

وعليه، فكيف يصحّ رفض كلام السيد الخوئي بإيرادٍ مبنيٍّ على فرض الظرفيّة، مع أنّه يرفض هذا الفرض من الأساس؟!

وبعبارةٍ أوضح: إنّ تحميل عبارته ما لا تقتضيه، ومناقشته على مبنى لا يلتزمه، خارجٌ عن محلّ النزاع ولا ينهض ردًّا تامًّا عليه.

وبالرجوع إلى نفس العبارة، أعني قوله:"إلّا أنّ ظرفيّته ـ أي ظرفيّة الزمان ـ له ـ

أي للفعل ـ أمرٌ زائدٌ على محض وجوده، وهي من سنخ العرض القائم، فلا وجه لترتيب آثارها الظرفيّة بمجرّد استصحاب الزمان"؛

يُقال: نعم، هذا كلامٌ دقيقٌ في حدّ نفسه، وصحيح بلحاظ من يرى أنّ الزمان ظرفٌ للفعل، وأنّ الظرفيّة عنوان زائد على أصل وجود الزمان، فلا يثبت أثرها بمجرّد استصحاب وجوده. إلّا أنّ هذا البيان لا يَرِدُ على مبنى السيد الخوئي، وإنّما يَرِدُ على من يفترض الظرفيّة أصلًا.

فإنّ كلام السيد الخوئي صريح في أنّه لا يلتزم بالظرفيّة، لا ثبوتًا ولا إثباتًا، بل يقول:"فإنّ معنى الإمساك النهاري هو اجتماع الإمساك مع النهار في الوجود".

وهذا التعبير لا يستبطن كون الزمان ظرفًا للفعل، بل هو فرارٌ صريحٌ من القول بالظرفيّة رأسًا، واستبدال لها بمسلك الاجتماع في الوجود. وعليه، فإيراد الإشكال عليه من زاوية أنّ الظرفيّة أمرٌ زائد على الوجود، إنّما هي مناقشةٌ على مبنى لا يلتزمه.

وبذلك يتّضح أيضًا أنّ المثال الذي ذكره السيد الخوئي، وأُشكل عليه من قبل سيّدنا الأستاذ (قده)، لا يَرِدُ عليه كذلك. فقد أفاد السيد الخوئي:

"وهذا بخلاف مثل الصلاة والطهارة، فهما عرضان قائمان بالمكلّف، فلا يُقال بحمل الطهارة على الصلاة، بل المكلّف مُصلٍّ ومتطهّر".

ومراده من هذا المثال واضح، وهو تصوير الاجتماع في الوجود؛ إذ إنّ الصلاة ليست ظرفًا للطهارة، ولا الطهارة ظرفًا للصلاة، بل كلٌّ منهما قائم بالمكلّف، ويجتمعان فيه. فإذا أُحرزت الصلاة بالوجدان، وشُكّ في الطهارة، فاستُصحبت تعبّدًا، فقد أُحرز الأمران معًا، من دون افتراض ظرفيّة أحدهما للآخر.

فالسيد الخوئي لم يذكر هذا المثال لإثبات الظرفيّة، بل ليُقرّب فكرة الانضمام والاجتماع، فيقول: كما أنّ الصلاة تجتمع مع الطهارة في الوجود، لا على نحو الظرف والمظروف، كذلك الإمساك يجتمع مع النهار. فكلٌّ منهما موجود، والاجتماع هو الملاك، لا الظرفيّة.

وعليه، فإنّ رفض هذا المثال، وجعله شاهدًا في غير محلّه، ليس في محلّه؛ لأنّه منسجم تمام الانسجام مع المبنى الذي اختاره السيد الخوئي.

وخلاصة الأمر: أنّ الإشكال الذي ذكره سيّدنا الأستاذ (قده) لا يُستفاد من عبارة

السيد الخوئي، بل إنّ صريح عبارته هو الفرار من مسألة الظرفيّة، واتّخاذ مسلكٍ

آخر في مقام تصوير الموضوع، وهو مسلك الاجتماع في الوجود، لا غير.

والحاصل، لا إشكال في أنّ السيد الخوئي (قده) إنّما يريد ـ بحسب صريح عباراته ـ إثبات التقارن والاجتماع والمعيّة بين الفعل والزمان، لا إثبات الظرفيّة بنحوها المصطلح. وعلى هذا الأساس، فإن أُريد توجيه الإشكال إلى مبناه، فالأَولى أن يكون الإشكال في نفس هذا المدّعى، أي في أنّ هذا التقارن والاجتماع هل يثبتان فعلًا بمجرّد ما ذكره (قده) من إحراز بعض الأجزاء بالوجدان وبعضها بالتعبّد، أو لا؟ وهل يكفي ذلك لإثبات المعيّة المطلوبة شرعًا أم لا؟ وهذا مطلبٌ آخر، له جهة مستقلّة في البحث، وسيأتي التعرض له في محلّه عند مناقشة رأي شيخنا الأستاذ (حفظه الله).

أمّا تحميل عبارة السيد الخوئي القول بالظرفيّة، أو مناقشته على أساس أنّه يرى الزمان ظرفًا للفعل، فهذا غير مقبول قطعًا؛ لأنّها مناقشة على مبنى لا يلتزمه أصلًا، بل هو في صدد الفرار منه صراحةً، واستبداله بمسلك الاجتماع في الوجود.وعليه، فغاية ما يمكن أن يُناقش به كلام السيد الخوئي إنّما هو مدى تماميّة هذا المسلك في نفسه، لا إلزامه بلوازم القول بالظرفيّة التي أنكرها من الأساس.

هذا هو تمام الكلام فيما يتعلّق بردّ سيّدنا الأستاذ على السيد الخوئي (قدّس سرّه).

وبعد أن ناقش سيّدُنا الأستاذ (قده) الأقوال السبعة واحدًا بعد آخر، وردّها جميعًا ـ بما فيها مسالك الشيخ الأعظم، والمحقّق النائيني، والسيد الخوئي، والشيخ الأصفهاني، والمحقّق العراقي ـ يبقى أن يُسأل: ما هو المختار عنده في أصل القضيّة؟.

قال (قده):"ولعلّ الأولى أن يُقال: إنّه لا حقيقة للظرفيّة الزمانيّة إلّا وجود الحادث مقارنًا للزمان".

بيان مراده وتحريره: قد يُتوهَّم بادئ النظر أنّ هذا الكلام عين ما ذهب إليه السيد الخوئي، إلّا أنّه ليس كذلك. فإنّ السيد الخوئي يعترف بأنّ للزمان حقيقةً في نفسه، وأنّه قابل لأن يُتوهَّم فيه الظرفيّة، غير أنّه في مقام تحرير مسألة المطلوب الشرعي اي الصوم والإمساك اختار عدم إرادة الظرفيّة، وفرّ إلى مسلك الاجتماع والتقارن للخلاص من إشكالاتها.أمّا سيّدنا الأستاذ (قده)، فمبناه أعمق من ذلك؛ إذ هو ينفي أصل حقيقة الظرفيّة الزمانيّة من الأساس، ويجعلها مجرّد تعبير عن التقارن، لا عن نسبةٍ حقيقيّةٍ زائدةٍ بين الزمان والفعل. ومن هنا قال (قده):

"وليست هي كالظرفيّة المكانيّة المبنيّة على اشتمال الظرف على المظروف، ودخول المظروف في الظرف، الذي هو أمرٌ حقيقيٌّ زائدٌ على وجودهما واقترانهما".

توضيح الفرق بين الظرفيّتين:وهذا تفريقٌ مهمّ ينبغي تثبيته في الذهن؛ فإنّ الظرفيّة المكانيّة لها حقيقة واقعيّة، بخلاف الظرفيّة الزمانيّة. فالمكان ـ كالغرفة أو الدار أو الحرم ـ له وجودٌ مستقلّ، ويمكن للإنسان أن يكون خارجًا عنه تارةً، وداخلًا فيه أخرى. فإذا كان زيد داخل الغرفة، قيل: زيد في الغرفة، فتتحقّق نسبة حقيقيّة بين الظرف والمظروف، ولا بدّ ـ بحسب القاعدة ـ أن يكون الظرف أوسع من المظروف لتصحّ الظرفيّة. ومن هنا كان استعمال حرف الجر (في) استعمالًا حقيقيًّا في الظرفيّة المكانيّة.

وأمّا الظرفيّة الزمانيّة، فلا واقع لها وراء مجرّد التقارن؛ فقولنا: صمتُ يوم الاثنين، أو زرتُ الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة، لا يعني أنّ يوم الاثنين أو يوم عرفة ظرفٌ حقيقيّ يشتمل على الصوم أو الزيارة، بل معناه مقارنة الفعل للزمان واتّحاده معه في الحدوث، من دون نسبةٍ حقيقيّةٍ زائدة.

وأمّا الظرف في المكان ـ إذا قيل: زرته في الدار، أو في الحرم الشريف، أو على السطح ـ فهو ظرف مكاني حقيقي؛ لأنّ المكان هنا أوسع من المظروف، وتتحقّق فيه حقيقة الاشتمال، وإن كان استعمال بعض حروف الجر ـ كـ(على) ـ من باب التوسّع في الاستعمال.

الخلاصة: إنّ الظرفيّة الزمانيّة ليست حقيقةً مستقلّة وراء التقارن، بخلاف الظرفيّة المكانيّة التي لها واقعٌ عينيّ. وهذه تفرقة أساسيّة وجديدة في تحليل المسألة، يبتني عليها الموقف من إمكان جريان الاستصحاب وعدمِه، وتكشف عن تمايز مبنى سيّدنا الأستاذ (قده) عن مباني سائر الأعلام، ومنهم السيد الخوئي، وإن اشتركوا في بعض النتائج العمليّة.

ويتّضح من مجموع ما تقدّم أنّ مباني الأعلام في حقيقة الظرفيّة الزمانيّة متباينة على نحوٍ جوهري، وليس الخلاف مجرّد اختلافٍ في التعبير أو في بعض اللوازم.

فقد سبق أنّ الشيخ الوحيد الخراساني (حفظه الله) يرى أنّ الظرف الزماني من سنخ الظرف المكاني، وأنّ الظرفيّة فيهما حقيقيّة واحدة، لا مجازيّة ولا تنزيليّة. فكما يصحّ أن يقال: "صلّيتُ في المسجد" على نحو الحقيقة، كذلك يصحّ أن يقال: "صلّيتُ في السَّحَر" على نحو الحقيقة أيضًا، من دون فرقٍ جوهري بين الموردين. وبناءً على هذا المبنى، يكون لسان الروايات ـ من قبيل: "صلِّ ثماني ركعات في السَّحَر" ـ ظاهرًا في الظرفيّة الحقيقيّة، وهي ظرفيّة مطلوبة في مقام الامتثال، ولا مجال لصرفها إلى مجرّد المعية أو التقارن.

وأمّا السيد الخوئي، فموقفه وسط من ذلك؛ إذ إنّه لا ينكر قابليّة الزمان للظرفيّة في نفسه، ولا ينفي أن يكون الزمان ظرفًا في بعض الموارد، إلّا أنّه يرى أنّ المراد في مثل الإمساك النهاري والصوم ليس الظرفيّة، بل المعيّة والاجتماع في الوجود، فرارًا من محاذير الظرفيّة وما يترتّب عليها في باب الاستصحاب.

وأمّا سيّدُنا الأستاذ (قدّس سرّه)، فمبناه أعمق ؛ إذ يذهب إلى أنّ شيئيّة الظرف للزمان غير موجودة أصلًا، وأنّ الظرفيّة الزمانيّة ليست حقيقة واقعيّة وراء مجرّد التقارن بين الفعل والزمان. ودليله في ذلك ليس تحليلًا فلسفيًّا مجرّدًا، بل ما يشهد به الاستعمال العرفي نفسه؛ فإنّ العرف ـ عند قوله: "صمتُ يوم الاثنين" أو "زرتُ الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة" ـ لا يفهم نسبةً حقيقيّة من سنخ الاشتمال والدخول، كما يفهمها في الظرف المكاني، بل لا يرى إلّا مجرّد وقوع

الفعل مقارنًا لذلك الزمان.

وعليه، فالفارق بين المباني واضح:الشيخ الوحيد يُثبت الظرفيّة الحقيقيّة للزمان كالمكان.

السيد الخوئي يُسلّم إمكان الظرفيّة، لكنّه لا يراها مرادة في المقام، بل يختار المعية.

سيّدنا الأستاذ ينفي أصل حقيقة الظرفيّة الزمانيّة، ويجعلها راجعة إلى التقارن العرفي لا غير.

ولهذا قال سيّدُنا الأستاذ (قده):

"ولذا لا إشكال في أنّ تقييد الحادث ـ كالصلاة أو الصوم ـ بحصّةٍ من الزمان، كالنهار أو الشهر، لا يُراد به كون الحصّة المذكورة أوسع منه ومشتمِلًا عليه".

وهذه عبارة واضحة لا غبار عليها، ومفادها أنّه عند تقييد الفعل بالزمان لا يُقصد المعنى الحقيقي للظرفيّة بالقياس إلى المكان.

وتوضيح ذلك: إنّ معنى كون الحصّة أوسع هو أن يكون أحد الطرفين وعاءً والآخر محتوىً؛ فالواسع يُسمّى ظرفًا، والأضيق يُسمّى مظروفًا. وهذا المعنى متحقّق بوضوح في الظرفيّة المكانيّة، فإذا قيل: "زيدٌ في الدار"، كان معناه أنّ وجود زيد قد وقع في حيّزٍ من الدار، وكانت الدار أوسع وجودًا منه، فصحّ توصيفها بالظرفيّة الحقيقيّة.

أمّا إذا قيل: "صلِّ في النهار"، فليس المراد أنّ النهار وعاءٌ واسع وقعت الصلاة في جزءٍ منه، بحيث يكون النهار ظرفًا والصلاة مظروفًا، على النحو الذي يُفهم في المكان؛ لأنّ الزمان ليس من سنخ المكان، ولا يملك سعةً وحيّزًا يقبل الاشتمال على الأفعال.

ومن هنا يؤكّد (قده) أنّ هذا المعنى ـ أعني كون الحصّة الزمانيّة أوسع ومشتملة ـ غير مراد في الزمانيّات أصلًا، بل غاية ما هناك هو تقييد الفعل بحدوثه مقارنًا لتلك الحصّة الزمانيّة، لا وقوعه في وعاءٍ زمانيٍّ مستقلّ.

وبهذا البيان يتّضح مراد سيّدنا الأستاذ من نفي الظرفيّة الزمانيّة الحقيقيّة.

ثمّ قال (قده): "فإذا وجب إيقاع الصوم في النهار، وجب استيعاب الصوم له، ولا يُكتفى بصوم ما عدا طرفيه، وإذا وجب إيقاع الصلاة في نصف النهار، كفى البدء بها عند أوّل جزءٍ منه، كما يكفي الانتهاء منها عند آخر جزءٍ منه؛ وهذا لا ينسجم مع مفهوم الظرفيّة، وإنّما هو تقارنٌ ومصاحبة.

كما لا فرق عرفًا بين التقييد بالعنوان الزماني بما يظهر منه الظرفيّة، كمثل الصوم في النهار، والتقييد بحدّه بما يقتضي محض المقارنة، كمثل قوله تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾".

تحصيل مراده: إنّ سيّدنا الأستاذ (قده) يريد أن يُثبت بهذا البيان أنّ العرف لا يفهم من التقييد الزماني أكثر من المقارنة والمصاحبة، ولا يرى فيه معنىً زائداً يُسمّى ظرفيّة حقيقيّة بالقياس إلى المكان.

ففي الصوم، لمّا قيل: "صم في النهار"، كان مفاد الخطاب عرفًا استيعاب الصوم للنهار كلّه، فلا يكفي الإتيان بالصوم في بعض أجزائه مع ترك الطرفين. وهذا الفهم لا ينبع من كون النهار وعاءً للصوم، بل من كون الصوم مقارنًا للنهار من أوّله إلى آخره.

وأمّا في الصلاة، فإذا قيل: "صلِّ في نصف النهار"، فإنّ العرف يكتفي بمجرّد البدء في أوّل جزء من النصف، أو الانتهاء في آخر جزء منه، ولا يشترط الاستيعاب؛ وهذا أيضًا شاهد على أنّ المطلوب ليس وقوع الصلاة في وعاءٍ زمانيٍّ مستقلّ، بل مجرّد المصاحبة العرفيّة لذلك الجزء من الزمان.

ثمّ يُعزّز (قده) هذا المعنى بالمقارنة بين خطابين:

خطاب يُقيِّد الفعل بعنوانٍ زمانيٍّ يظهر منه لفظًا معنى الظرفيّة، كقوله: "صم في النهار".

وخطابٍ آخر يُحدِّد الزمان بحدوده الابتدائيّة والانتهائيّة، كما في الآية الشريفة.

ويقرّر أنّ العرف لا يرى فرقًا في المآل بين الخطابين؛ إذ يفهم من كليهما شيئًا واحدًا، وهو: وجوب وقوع الصوم مقارنًا للنهار من حدّه إلى حدّه.

النتيجة التي يريد تثبيتها:

أنّ المقارنة ليست أمرًا زائدًا على الظرفيّة الزمانيّة، بل الظرفيّة الزمانيّة ـ بحسب الفهم العرفي ـ لا حقيقة لها وراء المصاحبة والمقارنة. فهي ليست نسبةً مستقلّة، ولا عنوانًا واقعيًّا مغايرًا، بل مجرّد تعبيرٍ آخر عن وقوع الحادث في زمانٍ مقارن له.

وبهذا يكتمل مبناه (قده).

وبهذا البيان يتّضح الفرق الجوهري بين مسلك السيد الخوئي ومسلك سيّدِنا الأستاذ (قدّس سرّه):

فإنّ السيد الخوئي يُقِرّ في الجملة بوجود حقيقةٍ للظرفيّة، ويرى أنّ الزمان صالحٌ لأن يكون ظرفًا، غير أنّه في خصوص المقام ـ أعني الصوم والإمساك ـ لا يرى أنّ المراد هو الظرفيّة، بل يحمل الخطاب على المصاحبة والاجتماع، فيُفسّر الأمر بالصوم في النهار بأنّه مجرّد المقارنة بين الإمساك والنهار.

وعلى هذا المبنى، يمكن ـ بلحاظ الصناعة الأصوليّة ـ مطالبته بالدليل على هذا الفرض، فيُقال له:

ما هو الوجه في رفع اليد عن ظاهر اللفظ الدالّ على الظرفيّة، مع كون الزمان صالحًا بحسب الفرض لكلا المعنيين: الظرفيّة والمصاحبة؟

فإذا كان للزمان قابليّة حقيقيّة للظرفيّة، فالأصل هو الأخذ بظاهر الخطاب، ولا يُصار إلى معنى آخر إلّا بدليل.

إلّا أنّ هذا الإشكال لا يتوجّه إلى سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) أصلًا؛ لأنّ مبناه لا يُقِرّ بـ ثنائيّة المعنى أصلًا؛ فهو لا يقول إنّ الزمان تارةً يكون ظرفًا وتارةً يُراد به المصاحبة، بل يذهب إلى أنّ الزمان ليس ظرفًا حقيقةً أصلًا، وأنّ حقيقته منحصرة في المصاحبة والمقارنة.

وعليه، فمن يُطالبه بدليلٍ على صرف الظرفيّة إلى المصاحبة، يكون سؤاله في غير محلّه؛ لأنّه لا يلتزم بإمكان الظرفيّة حتى يُطالَب بدليل العدول عنها، بل ينفي صلاحيّة الزمان للظرفيّة من أصلها، ويجعل جميع الاستعمالات الزمانيّة راجعةً إلى التقارن والمصاحبة لا غير.

وبذلك يتّضح أنّ اختلاف المسلكين اختلافٌ مبنائيٌّ حقيقيّ، لا مجرّد اختلافٍ في التعبير أو في بعض التطبيقات، ويترتّب عليه اختلافٌ جوهري في تقييم الظهورات اللفظيّة، وفي إمكان جريان الاستصحاب من عدمه.

وللكلام بقية..

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - مصباح الأصول، ج٣، تقرير بحثه للبهسودي، ص١٢٦.
[2] - المحكم في أصول الفقه، ج5 ص249 وما بعدها.
logo