« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/07/29

بسم الله الرحمن الرحيم

نقاش الشيخ النائيني لراي الفاضل النراقي/استصحاب الامور التدريجة /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجة /نقاش الشيخ النائيني لراي الفاضل النراقي

وصل بنا الكلام إلى ما أفاده المحقّق النائيني (قده) في المثال الذي ذكره الفاضل النراقي، لتعارض الاستصحابين أعني: مثال الصوم عند طروّ المرض.

وحاصل المثال: أنّ المكلّف إذا كان صائمًا، ثمّ عرض عليه المرض، فهل يُستصحب وجوب بقاء الصوم، باعتبار أنّ المرض عارضٌ أوجب الشكّ في استمرار الوجوب؟ أو يُستصحب عدم الصوم، بلحاظ أنّ الصوم ـ قبل التشريع والتكليف ـ كان معدومًا، فيُتمسّك بالعدم الأزلي بعد طروّ المرض؟

وهذا المثال بعينه يُقاس بمثال الجلوس إلى الزوال؛ إذ يُقال هناك: هل يُستصحب الجلوس بعد الزوال، أو يُستصحب عدم الجلوس الازلي؟ فكذلك في الصوم: هل يُستصحب وجوب الصوم، ويُجعل المرض سببًا للشكّ في بقاء الوجوب، فيتحقّق اليقين السابق والشكّ اللاحق، فيجري الاستصحاب؟ أم يُستصحب عدم الصوم، باعتبار أنّ الصوم قبل تشريعه كان معدومًا، فيقع التعارض بين استصحاب الوجود واستصحاب العدم؟

وعلى هذا الأساس، ذهب الفاضل النراقي إلى عدم المانع من جريان الاستصحابين معًا في المثال، فيجري استصحاب وجوب الصوم، ويجري في عرضه استصحاب العدم الأزلي.

غير أنّ المحقّق النائيني، ووفق المباني التي أسّسها في باب الاستصحاب، ناقش هذا المثال، وقبل الدخول في بيان مناقشته، لا بدّ من التعرّض إلى نكتةٍ أصوليّةٍ مهمّة، وهي التفريق بين تبدّل نفس الموضوع وبين تبدّل حالات الموضوع.

فإنّ الموضوع تارةً يتبدّل حقيقةً، بحيث تتغيّر صورته النوعيّة، كما في مثال الكلب إذا استحال فصار ملحًا؛ فإنّ الموضوع هنا قد تبدّل، ومن هنا عدّ الفقهاء الاستحالة من المطهّرات، لكونها انتقالًا إلى موضوعٍ آخر، بشرط أن لا ينتهي إلى عنوانٍ نجس. وفي مثل هذا الفرض، لا مجال لجريان الاستصحاب، لانتفاء وحدة الموضوع.وأخرى لا يتبدّل نفس الموضوع، وإنّما تتبدّل بعض حالاته ، فيُشكّ حينئذٍ في بقاء الحكم مع تغيّر الحالة، كما لو تغيّر لون الماء أو طعمه أو رائحته؛ فإنّ هذه التغيّرات من حالات الموضوع، لا من مقوّماته، فيبقى الماء ماءً، ويجري الاستصحاب بلحاظ وحدة الموضوع.

ومن الثابت أنّ من مبادئ الاستصحاب وحدة الموضوع فإنه يمثل الوحدة المعتبرة بين القضيّة المتيقّنة والمشكوكة؛ إذ المدار في جريان الاستصحاب على بقاء الموضوع عرفًا، لا على مجرّد وحدة المحمول أو الحكم. وإلاّ فلو اتحد المحمول واختلف الموضوع كانت القضية المشكوكة غير القضية المتيقنة، بل لأهمية وحدة الموضوع في الاستصحاب عبّر عن اتحاد القضيتين بوحدة الموضوع.

وعليه، ففي مثال الصوم يُقال: هل "زيد الصحيح" و"زيد المريض" موضوعان متغايران، أو أنّ زيدًا واحدٌ له حالتان: حالة الصحّة وحالة المرض؟ فإن كانت الصحّة والمرض من حالات الموضوع، أمكن فرض الشكّ في بقاء الحكم، فيجري الاستصحاب. أمّا إذا فُرض أنّ الموضوع قد تبدّل، فلا مجال للشكّ أصلًا، لكون الحكم متعلّقًا بموضوعٍ آخر.

وكذلك يُقال في سائر الأمثلة: إنّ الاستصحاب إنّما يجري عند تبدّل الحالات مع بقاء الموضوع، أمّا مع تبدّل الموضوع نفسه، فلا مورد له أصلًا.

ثمّ بعد هذا البيان، تعرّض المحقّق العراقي في حاشيته على فوائد الأصول إلى ردٍّ مختصرٍ على ما أفاده المحقّق النائيني في هذا المقام، وسيأتي بيان عبارته وتحليلها في محلّه قريباً إن شاء الله تعالى.

ولذلك قال (قده):

"وأمّا ما ذكره من مثال الصوم: ففيه أوّلًا أنّه لا بدّ من فرض الصحّة والمرض من حالات الموضوع والمكلّف الذي يجب عليه الصوم، لا من القيود المأخوذة فيه"([1] ).

توضيح مرامه (قده):قبل الدخول في صلب المناقشة، لا بدّ من تحرير محلّ النزاع؛ لكي يكون النزاع علميًّا ومعنويًّا، لا لفظيًّا. والمراد بالنزاع العلمي والمعنوي: أن يتّفق الطرفان على أصل المعنى والمفهوم، ولكن يختلفان في التطبيق أو في تشخيص المصداق، لا في أصل المفهوم نفسه.

ومثال ذلك: ما لو قيل بوجود التخيير للمسافر في صلاة التمام عند الحائر الحسيني (عليه السلام)، فإنّ أصل الحكم محلّ اتّفاق، وإنّما يقع الخلاف في تحديد حدوده:

هل هو خصوص ما تحت القبة الشريفة؟ أو مقدار معيّن بالأمتار؟أو مجموع مدينة

كربلاء المقدّسة؟فهذا نزاع علمي في تحديد السعة والضيق، لا نزاع في أصل الكبرى.

وعلى هذا القياس، يأتي كلام المحقّق النائيني (قده) في مثال الصوم؛ إذ يرى أنّه لا بدّ أوّلًا من الاتفاق على أنّ الصحّة والمرض:هل هما من حالات الموضوع والمكلّف؟أم أنّهما من القيود المأخوذة في الموضوع؟فإن فُرض كونهما من الحالات، كان المورد صالحًا لجريان الاستصحاب؛ لأنّ الموضوع باقٍ عرفًا، وإنّما طرأ عليه تبدّل في بعض أحواله، فيُعقل الشكّ في بقاء الحكم مع تغيّر الحالة.

وأمّا إذا فُرض كونهما من القيود المقوِّمة للموضوع، فلا يجري الاستصحاب؛ لأنّ تبدّل القيد يساوق تبدّل الموضوع، ومعه لا يكون الشكّ شكًّا في البقاء، بل في حدوث حكم لموضوعٍ آخر.

وبتعبيرٍ آخر: إذا جُعل المرض من الحالات، كان حاله حال الزمان إذا أُخذ على نحو الظرفيّة، حيث يبقى الموضوع واحدًا عرفًا، ويصحّ الاستصحاب.

وأمّا إذا جُعل المرض قيدًا في الموضوع، فهو أشبه بالزمان إذا أُخذ على نحو القيديّة، حيث يتعدّد الموضوع بتعدّد القيد، فلا مورد للاستصحاب.

ومن هنا يتّضح مراد المحقّق النائيني (قده) من قوله:"لا بدّ من فرض الصحّة والمرض من حالات الموضوع والمكلّف".

إذ إنّ تماميّة المثال، وصحّة جريان الاستصحاب فيه، موقوفة على هذا الفرض، وإلّا خرج المورد عن كونه من موارد الشكّ في البقاء رأساً.

ثم قال (قده):" لا من القيود المأخوذة فيه، بداهة أنّه لو كان المريض والصحيح موضوعين مستقلّين، يجب على أحدهما الإفطار ـ وهو المريض ـ وعلى الآخر الإمساك، كالمسافر والحاضر".

توضيح كلامه (قده):يريد المحقّق النائيني أن يبيّن أنّ الصحّة والمرض لا بدّ أن يُفرضا من حالات المكلّف، لا من القيود المقوِّمة للموضوع؛ إذ لو فُرضا موضوعين مستقلّين، لكان حالهما حال المسافر والحاضر، حيث لا يُعدّ السفر والحضر من الحالات الطارئة على موضوعٍ واحد، بل كلٌّ منهما موضوعٌ مستقلّ بحكمه الخاص.

فالمسافر موضوعٌ يجب عليه القصر، والحاضر موضوعٌ يجب عليه التمام، ولا يُعقل استصحاب حكم أحدهما إلى الآخر؛ لأنّ الموضوع قد تبدّل. فلا يصحّ استصحاب صلاة القصر للحاضر، كما لا يصحّ استصحاب صلاة التمام للمسافر، لكون كلٍّ منهما موضوعًا مغايرًا للآخر، ما لم يَرِد نصٌّ خاصّ من الشارع المقدّس.

وأمّا ما ورد في فتاوى الفقهاء من أنّ المسافر إذا نوى الإقامة عشرة أيّام يجب عليه التمام، فليس من باب بقاء موضوع التمام ، أي كونه حاظرا بل هو من باب الإلحاق الحكمي؛ لأنّ المقيم عشرة أيّام لا يخرج عن كونه مسافرًا موضوعًا، وإنّما أُلحق بالحاضر حكمًا تعبّدًا من قبل الشارع، لا أنّه صار حاضرًا حقيقةً. ومن هنا قيل: إنّ الإقامة الموجبة للتمام إلحاقٌ حكميّ لا موضوعيّ.

والإلحاقات الحكميّة في الشريعة كثيرة، وهي خارجة عن باب تبدّل الموضوعات، فلا تُنافي ما تقرّر من أنّ تبدّل الموضوع يمنع من جريان الاستصحاب.

وعليه، فمقصود المحقّق النائيني (قده) من تشبيه الصحيح والمريض بالمسافر والحاضر، هو التنبيه إلى أنّه لو جُعل الصحيح والمريض موضوعين مستقلّين، لما أمكن جريان الاستصحاب بينهما، تمامًا كما لا يجري الاستصحاب بين المسافر والحاضر، لتغاير الموضوع. أمّا مع فرض كون الصحّة والمرض من الحالات، لا من القيود، فيبقى الموضوع واحدًا عرفًا، ويُتصوّر حينئذٍ الشكّ في بقاء الحكم،

فيقع موردًا للبحث في الاستصحاب.

ولذلك قال (قده):"يجب على أحدهما الإفطار وعلى الآخر الإمساك، كالمسافر والحاضر، فالشكّ في عروض المرض المسوِّغ للإفطار يوجب الشكّ في بقاء الموضوع، فلا مجال لاستصحاب الحكم، لعدم اتّحاد القضيّة المشكوكة مع القضيّة المتيقّنة".

وهذا البيان تامٌّ على فرض أنّ الصحّة والمرض موضوعان مستقلّان؛ إذ مع هذا الفرض يكون عروض المرض موجبًا لتبدّل الموضوع، ومع تبدّله لا يبقى مجال لجريان الاستصحاب، لفقدان ركن اتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة.

ثمّ قال (قده) بعد ذلك:"ودعوى: كون المرض والصحّة من الحالات لا القيود المقوِّمة للموضوع واضحةُ الفساد".

ومراده من ذلك: أنّ جعل الصحّة والمرض من الحالات التي لا تمسّ قوام الموضوع ـ بحيث يبقى الموضوع واحدًا عرفًا ـ دعوى فاسدة بنظره، لأنّ الصحيح والمريض ـ على هذا المبنى ـ موضوعان متغايران، لا حالتان لموضوع واحد. غير أنّه (قده) لم يُقِم دليلاً مستقلًّا على فساد هذه الدعوى، وإنّما اكتفى بوصفها

بـ"وضوح الفساد".

ومن هنا جاء اعتراض المحقّق العراقي (قده) ، حيث لم يرتضِ ما أفاده، فقال (قده):"أقول: لا نرى وضوح فساده إذا كان المدار على العرف"([2] ).

وحاصل كلامه (قده):أنّ تشخيص كون الصحّة والمرض من الحالات أو من القيود المقوِّمة للموضوع يرجع إلى النظر العرفي، لا إلى مجرّد التحليل الدقّي. والعرف يرى أنّ الصحّة والمرض من الحالات الطارئة على الشخص الواحد؛فيُقال: زيدٌ اليوم مريض، وغدًا صحيح، من دون أن يُعدّ ذلك تبدّلًا في نفس الموضوع.

وكذلك في سائر الأمثلة العرفيّة؛ كجلوس زيد في مكان ثم انتقاله إلى مكان آخر، أو تغيّر مسكنه، أو زواجه بعد عزوبته، فإنّ جميع ذلك يُعدّ من حالات الشخص لا من مقوّمات موضوعه. وبناءً عليه، خالف المحقّق العراقي المحقّق النائيني، وجعل الميزان في التمييز بين الحالات والقيود هو العرف.

وعليه، كان الأنسب ـ بحسب اعتراضه ـ أن يُحال النزاع إلى ميزانٍ آخر يحدّد لنا:

هل الصحّة والمرض من الحالات عرفًا أو من القيود المقوِّمة للموضوع؟ أمّا الاكتفاء بدعوى "وضوح الفساد" من دون إقامة هذا الميزان، فلا يخلو من إشكال.

وبهذا يتّضح أنّ المحقّق النائيني يرى الصحّة والمرض من القيود، وبناءً عليه يكون مثال الفاضل النراقي ـ في نظره ـ غير تامٍّ من حيث كونه موردًا للاستصحاب. أمّا لو فُرض كونهما من الحالات، كما ذهب إليه المحقّق العراقي، لاختلفت النتيجة.

ثمّ ينتقل المحقّق النائيني (قده) إلى جهةٍ ثانية، وهي نفي استصحاب العدم الأزلي في المقام، فيقول: "وثانيًا: ما تقدّم من أنّه لا يجري استصحاب عدم الوجوب، بالتقريب المتقدّم".

والمراد بـ"التقريب المتقدّم" ما أفاده (قده) من إنكار كون العدم في المقام من العدم الأزلي؛ إذ إنّ العدم الأزلي للصوم ـ قبل التشريع ـ قد انتقض قطعًا بجعل الشريعة لوجوب الصوم، فصار الصوم موجودًا بجعله الشرعي. فإذا لم يصم المكلّف بعد ذلك، فليس عدم الصوم حينئذٍ عدمًا أزليًّا، بل هو عدم مسبوق بالوجود، فلا يصحّ استصحابه بعنوان العدم الأزلي.

وبذلك يتبيّن أنّ الفاضل النراقي والشيخ الأعظم بنيا المثال على جريان استصحاب العدم الأزلي، أمّا المحقّق النائيني فلا يلتزم بأصل هذا المبنى. ومن هنا، فإنّ المثال الذي أورده الفاضل النراقي وجعله تطبيقًا لدعواه، ينقلب ـ بحسب مبنى المحقّق النائيني ـ دليلًا على عدم جريان استصحاب العدم الأزلي، لا مؤيِّدًا له.

ومما ينبغي الالتفات إليه في المقام أن للمحقق النائيني أكثر من دورة اصولية مقرره كما هو معلوم ،وكل ما تقدم كان بيان رأيه على ما أفاده مقرر بحثه في الفوائد، ومن غير المعلوم ان يكون هذا هو الرأي عنده في جميع كتبه الأصوليّة.

ومن هنا، لا يصحّ الجزم بوحدة رأيه النهائي في هذه المسألة، ما لم تُستوعب مجموع كلماته في مختلف الموارد.

وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أيضاً التعرّض إلى ما أفاده السيد الخوئي (قده) في أجود التقريرات في بعض الموارد، وهي تعليقته على أبحاث أستاذه المحقّق النائيني، حيث تبين ان الشيخ النائيني قد يعدل عن رأيه السابق في دورة لاحقة، وسيقع بيان ذلك في محلّه لاحقًا إن شاء الله تعالى.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - في فوائد الأصول، ج٤، تقرير بحث النائيني للكاظمي، ص٤٤٨ وما بعدها.
[2] - في حاشيته على فوائد الأصول للمحقّق النائيني، ص٤٤٨.
logo