47/07/16
مناقشة صاحب الكفاية لراي الشيخ فاضل النراقي/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /مناقشة صاحب الكفاية لراي الشيخ فاضل النراقي
تقدّم أنّ صاحبَ الكفاية (قده) ذكر إشكالًا على نفسه بصيغة "لا يُقال…"، وحاصلُ هذا الإشكال: أنّ الزمان إذا أُخذ في لسان الدليل الشرعي، فلا يمكن أن يكون هذا الأخذ جزافًا ومن دون نكتةٍ ومبرّر، بل لا بدّ أن تكون النكتة هي دخله في الموضوع أو في المتعلَّق. وحينئذٍ، إذا كان الزمان قيدًا للموضوع أو للمتعلَّق، لزم تقييد الفعل ـ كالجلوس مثلًا ـ بكونه قبل الزوال، ومع هذا التقييد يكون الجلوس قبل الزوال غير الجلوس بعد الزوال؛ لتعدّد الموضوع حينئذٍ. ومع فرض تعدّد الموضوع، لا مجال لجريان الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب إنّما يجري مع وحدة الموضوع، وإلّا كان من قبيل إسراء الحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وهو نظير ما تقدّم في استصحاب الكلّي من القسم الثالث، الذي بُني على عدم جريان الاستصحاب فيه.
وهذا البيان إنّما يتمّ بناءً على الفرض، وهو أنّ الزمان قد أُخذ في لسان الدليل، وكان البحث في أنّه هل أُخذ على نحو القيديّة أو على نحو الظرفيّة. وقد تقدّم أنّ التفريق بين هذين النحوين إنّما هو لأجل ترتّب الأثر العملي؛ إذ لو كان الزمان ظرفًا للحكم، لزم ـ على هذا الإشكال ـ أن يكون قيدًا للموضوع أو المتعلَّق، وإذا كان قيدًا للموضوع، تشخّص الموضوع بهذا القيد، فيكون ما قبل الزوال موضوعًا، وما بعده موضوعًا آخر، فيرجع الإشكال بعينه الذي أُريد الفرار منه.
وهذا الإشكال لم يتعرّض له الشيخ الأعظم (قده)، وإنّما أورده صاحب الكفاية (قده) تمهيدًا للاعتذار عمّا أفاده الفاضل النراقي، كما سيأتي بيانه في محلّه.
وقد أجاب صاحب الكفاية (قده) عن هذا الإشكال بما حاصله: أنّ ما ذُكر وإن كان تامًّا بلحاظ الدقّة العقليّة، إلّا أنّ الملاك في باب الاستصحاب ليس هو التحليل العقلي الدقيق، بل البناء على الفهم العرفي. فإنّ العرف، فيما إذا أُخذ الزمان في لسان الدليل على نحو الظرفيّة للحكم، لا يرى فرقًا بين الجلوس قبل الزوال والجلوس بعده، ولا يعتبرهما فعلين متغايرين أو موضوعين متعدّدين، بل يرى الجلوس أمرًا واحدًا مستمرًّا، امتدّ من قبل الزوال إلى ما بعده.
وحيث إنّ الخطابات الشرعيّة موجَّهة إلى العرف ومبنيّة على فهمه، فلا يكون هذا الإشكال ـ وإن كان وجيهًا على مستوى الدقّة العقليّة ـ مانعًا عن جريان الاستصحاب عرفًا. وعليه، فإذا شكّ بعد الزوال في بقاء الجلوس، أمكن استصحاب بقاء الجلوس الثابت قبل الزوال إلى ما بعده؛ لعدم تعدّد الموضوع بحسب النظر العرفي، بل لوحدته واستمراره.
ولذلك قال (قده) "فإنّه يُقال: نعم ـ لو كانت العِبرة في تعيين الموضوع بالدقّة ونظر العقل"([1] ).
وحاصل مراده (قده): أنّ الموضوع، بلحاظ الدقّة العقليّة، متى قُيِّد بقيدٍ ما، فإنّه يغاير الموضوع المقيَّد بقيدٍ آخر؛ لأنّ القيود داخلة في تشخّص الموضوع عقلاً. وبما أنّ الزمان ممّا يقبل التقييد، فهو ـ من هذه الجهة ـ حاله حال سائر القيود.
ولتوضيح ذلك، يُذكر مثال الرقبة: فإنّ الرقبة المقيَّدة بالإيمان غير الرقبة المقيَّدة بعدم الإيمان بلا إشكال عقلي، لاختلاف القيد واختلاف الموضوع تبعًا له. وكذلك الزمان؛ فإنّ الرقبة المقيَّدة بالساعة العاشرة غير الرقبة المقيَّدة بالساعة الحادية عشرة بلحاظ التحليل العقلي الدقيق، فيكون كلّ واحدٍ منهما موضوعًا مغايرًا للآخر. فقيود الزمان، من هذه الزاوية، كغيرها من القيود: توجب التعدّد والتغاير في الموضوع بحسب نظر العقل.
إلّا أنّ هذا كلّه إنّما يتمّ على مستوى الدقّة العقليّة. أمّا بلحاظ الفهم والبناء العرفي، فالأمر مختلف؛ إذ لا يرى العرف ثنائيّةً ولا تغايرًا في مثل هذه الموارد، ولا يعتبر أنّ الموضوع قد تعدّد بتعدّد القيود الزمانيّة، بل يرى الموضوع واحدًا مستمرًّا، غاية الأمر أنّه وقع في أزمنة متعدّدة.
ومن هنا، تكون العِبرة في باب الاستصحاب ـ كما يؤكّد صاحب الكفاية (قده) ـ باستمرار القضيّة المتيقَّنة واتّحادها مع القضيّة المشكوكة بحسب النظر العرفي، لا بحسب الدقّة العقلية. فمتى كان الموضوع واحدًا عرفًا، صحّ جريان الاستصحاب، وإن كان العقل ـ بدقّته ـ يحكم بتعدّد الموضوع واختلافه.
ولذلك قال (قده): "وأمّا إذا كانت العِبرة بنظر العُرف، فلا شبهة في أنّ الفعل بهذا النظر موضوعٌ واحد في الزمانين، قُطع بثبوت الحكم له في الزمان الأوّل، وشُكّ في بقاء هذا الحكم ـ لا في حدوثه ـ له وارتفاعه في الزمان الثاني، فلا يكون مجالٌ إلّا
لاستصحاب ثبوته".
وحاصل هذا الكلام: أنّه بناءً على اعتماد الفهم العرفي في تشخيص الموضوع ـ وهو الميزان في باب الاستصحاب ـ لا يُرى الفعل متعدّدًا بتعدّد الأزمنة، بل يُرى فعلًا واحدًا مستمرًّا، ثبت له الحكم في الزمان الأوّل، ثمّ وقع الشكّ في بقائه في الزمان الثاني، فيكون الشكّ شكًّا في البقاء لا في الحدوث، ولا مقتضى حينئذٍ إلّا استصحاب ثبوت الحكم.
ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قده) عَقّب على هذا البيان مباشرةً بإيراد إشكالٍ آخر، وحاصله: أنّه قد تقدّم التفصيل بين ما إذا أُخذ الزمان ظرفًا للحكم، فيجري استصحاب ثبوت الحكم عند الشكّ، وبين ما إذا أُخذ الزمان قيدًا للحكم، فلا مجال لاستصحاب الثبوت، بل المرجع هو استصحاب العدم. وهذا التفصيل إنّما كان بلحاظ أخذ الزمان في الحكم.
غير أنّ الكلام الآن في فرضٍ آخر، وهو ما إذا كان الزمان قيدًا للموضوع. فعلى هذا الفرض، يكون الموضوع بعد الزوال غير الموضوع قبله بلحاظ الدقّة العقليّة، ومع اختلاف النظرين ـ العرفي والعقلي ـ يَرِد السؤال: هل يمكن الالتزام بأنّه بنظر العرف يُستصحب الثبوت، وبنظر العقل يُستصحب العدم؟ وإذا كان ذلك ممكنًا في نفسه، فهل يفتح هذا الباب لتصحيح ما أفاده الفاضل النراقي؟
وعند تطبيق هذا التصوّر على كلام الفاضل النراقي، يتّضح أنّه ذهب إلى إمكان إجراء استصحاب الوجود بعد الزوال، باعتبار أنّ الجلوس كان ثابتًا قبل الزوال فيُستصحب بقاؤه، كما ذهب في الوقت نفسه إلى إمكان إجراء استصحاب العدم، بلحاظ العدم السابق ـ كعدم الجلوس في يوم الخميس أو قبل الأمر بالجلوس ـ واستمرار هذا العدم إلى ما بعد الزوال. وبهذا أجرى كلا الاستصحابين في موردٍ واحد، ثمّ حكم بتعارضهما؛ لعدم وجود مرجّحٍ لأحدهما على الآخر.
وعليه، أفاد صاحب الكفاية (قده) في مقام توجيه كلامه: أنّه يمكن حمل كلام الفاضل النراقي على أنّه لاحظ لحاظين مختلفين؛ فلحاظًا عرفيًّا أجرى استصحاب الثبوت، ولحاظًا عقليًّا أجرى استصحاب العدم، لذا بعدما قرّر صاحبُ الكفاية (قده) أنّ الميزان في باب الاستصحاب هو نظر العرف لا الدقّة العقليّة، وأنّ الفعل ـ بلحاظ هذا النظر ـ موضوعٌ واحد في الزمانين، وأنّ الشكّ بعد الزوال إنّما هو شكٌّ في بقاء الحكم لا في حدوثه، عقّب بلا فاصلةٍ بقوله:
"لا يُقال: فاستصحابُ كلّ واحدٍ من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين… كما قيل".
ومفاد هذا الـ"لا يُقال" دفعُ توهّمٍ حاصله: أنّه حيث ثبت وجود نظرين في المقام ـ النظر العرفي، والنظر العقلي الدقيق ـ أمكن تصحيح إجراء استصحاب الثبوت بلحاظ الأوّل، واستصحاب العدم بلحاظ الثاني، فيقع التعارض بين الاستصحابين، كما نُسب ذلك إلى الفاضل النراقي.
إلّا أنّ هذا التوهّم مبنيٌّ على افتراض إمكان الجمع بين النظرين في مقامٍ واحد، وهو افتراضٌ غير تامّ؛ لأنّ الجمع بين النظر العرفي والنظر العقلي في تشخيص موضوع الاستصحاب يستلزم افتراض جامعٍ يشملهما معًا، مع أنّ بينهما كمال المنافرة في هذا الباب.
فإنّ العرف يرى الفعل موضوعًا واحدًا مستمرًّا، فيكون الشكّ شكًّا في البقاء، فيجري استصحاب الثبوت.
وأمّا العقل بالدقّة، فيرى تعدّد الموضوع بتعدّد القيد الزماني، فلا يرى مجالًا لاستصحاب الثبوت أصلًا، بل يكون المجرى ـ لو تمّ ـ هو استصحاب العدم.
وعليه، يلزم على هذا الجمع أن يكون الشيء الواحد مجرىً للاستصحاب بلحاظ، وغير مجرىً له بلحاظٍ آخر، وهو نحو تناقضٍ في مقام التطبيق؛ لأنّ الاستصحاب أصلٌ واحد، لا يعقل أن يُبنى تارةً على العرف وتارةً على العقل في موردٍ واحدٍ من دون ضابطٍ جامع.
ومن هنا، يتّضح أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قده) إنّما هو نقضٌ لمبنى الجمع بين النظرين، لا مجرّد مناقشةٍ في نتيجة التعارض. فليس في المقام أصلان صالحان للجريان كي يُدّعى تعارضهما، بل إنّ أحدهما ـ وهو استصحاب العدم المبنيّ على الدقّة العقليّة ـ لا موضوع له من الأساس بعد البناء على أنّ الميزان في باب الاستصحاب هو الفهم العرفي.
ثمّ إنّه لا دليل على أنّ الفاضل النراقي (قده) كان ملتفتًا إلى هذا التفكيك بين النظرين، أو أنّه أجرى استصحاب الثبوت بلحاظ العرف، واستصحاب العدم بلحاظ العقل. بل الظاهر من تقريره أنّه رأى ـ بحسب فهمه ـ إمكان إجراء كلا الاستصحابين في موردٍ واحد، بدعوى أنّ القضيّة المشكوكة واحدة، ولها يقينان سابقان: يقين بالثبوت قبل الزوال، ويقين بالعدم في الزمان السابق (كيوم
الخميس)، فحكم بتعارض الاستصحابين من دون ترجيح.
إلّا أنّ صاحب الكفاية (قده) يبيّن أنّ هذا المبنى غير صحيح من الأصل؛ لأنّ الاستصحاب المعتبر شرعًا هو الاستصحاب المبنيّ على اللحاظ العرفي، ولا وجود في لسان الأدلّة لاستصحابٍ مبنيٍّ على الدقّة العقليّة كي يُزاحم الاستصحاب العرفي أو يعارضه. فبناءُ المعارضة على اختلاف اللحاظين مغالطةٌ في تشخيص موضوع الأصل.
وبهذا يتّضح الفرق بين مسلك صاحب الكفاية ومسلك الشيخ الأعظم (قده):
فالشيخ الأعظم أجاب عن النراقي بأنّ العدم السابق ـ كعدم الخميس ـ عدمٌ مهمل لا ينظر إليه دليل "لا تنقض اليقين بالشك"، لأنّ اليقين المنظور في لسان الدليل هو اليقين الوجودي الثابت في الجملة.
وأمّا صاحب الكفاية، فجوابه؛ إذ يمنع من أصل تولّد المعارضة، بجعل الميزان في الاستصحاب عرفيًّا محضًا، ومعه لا يبقى مجالٌ لاستصحابٍ آخر مبنيٍّ على لحاظٍ عقليٍّ دقيق. وعليه، وإن اتّحدت النتيجة في دفع كلام الفاضل النراقي، إلّا أنّ طريق الاستدلال مختلف.
ولذلك قال صاحبُ الكفاية (قده):"فإنّه يُقال: إنّما يكون ذلك ـ أي جريان استصحاب كلٍّ من الثبوت والعدم ـ لو كان في الدليل ما بمفهومه يعمّ النظرين، وإلّا فلا يكاد يصحّ، إلّا إذا سُبق بأحدهما، لعدم أمكان الجمع بينهما، لكمال المنافاة بينهما".
وحاصل مراده (قده): أنّه لا يمكن تصحيح جريان الاستصحابين معًا إلّا على فرض وجود دليلٍ يكون بمفهومه شاملاً لكلٍّ من النظر العرفي والنظر العقلي، بحيث يصحّ إسناد الحكم الواحد إليهما معًا. وأمّا مع عدم وجود مثل هذا الجامع، فلا يمكن إلّا البناء على أحد النظرين خاصّة، دون الجمع بينهما. إذ الجمع بين النظر العرفي والنظر العقلي في مقامٍ واحد غير معقول، لما بينهما من كمال المنافاة؛ فإنّ العرف يرى وحدة الموضوع واستمراره، فيجري الاستصحاب، بينما العقل بالدقّة يرى التعدّد، فلا يرى مجالًا لجريانه. فكيف يُعقل أن يكون الشيء الواحد مجرىً للاستصحاب وعدم مجرىٍ له في آنٍ واحد؟ ولا يعقل أن يكون هناك جامعٌ بين النقيضين. وعليه، فليس كلام الفاضل النراقي (قده) مبنيًّا على الجمع بين النظر العقلي والنظر العرفي، ولا على أنّه تارةً يُجري الاستصحاب بلحاظ العرف، وأخرى بلحاظ العقل. بل إنّ النراقي لم يتعرّض أصلًا لمسألة اختلاف اللحاظين، وإنّما بنى كلامه على دعوى إمكان جريان الاستصحابين معًا في موردٍ واحد، لاختلاف منشأ كلٍّ منهما.
فقد قرّر أنّ القطعة الزمنيّة السابقة ـ كزمان يوم الخميس ـ كان المكلّف فيها متيقّنًا بعدم وجوب الجلوس، فيستصحب هذا العدم إلى ما بعد الزوال من يوم الجمعة، باعتبار اتصال الشكّ باليقين؛ إذ اليقين بعدم الجلوس في يوم الخميس متّصل بالشكّ في ما بعد الزوال من يوم الجمعة. وفي المقابل، كان المكلّف متيقّنًا بوجوب الجلوس قبل الزوال من يوم الجمعة، فيستصحب هذا الوجوب إلى ما بعد الزوال. وبهذا يرى النراقي أنّ مورد الشكّ بعد الزوال مسبوق بيقينين: يقين بالعدم، ويقين بالوجود، فيجري كلا الاستصحابين، ثمّ يحكم بتعارضهما وتساقطهما.
ومن هنا يتّضح أنّ الفاضل النراقي لم يدّعِ وجود جامعٍ بين النظر العقلي والنظر العرفي، ولم يبنِ كلامه على التفكيك بينهما، وإنّما بنى على إمكان استصحاب عدم الجعل من الزمان السابق، واستصحاب الجعل من الزمان المتّصل بالشكّ، ورأى أنّ كليهما صالح للجريان بحسب مبناه، وإن انتهى إلى التساقط بالتعارض.
وأمّا صاحب الكفاية (قده)، فجوابه في فقرة "لا يُقال…" ليس ناظرًا إلى نقض هذا المبنى التفصيلي للنراقي من حيث اتصال اليقين بالشكّ، بل هو ناظر إلى أمرٍ أسبق، وهو أنّ جريان الاستصحابين معًا من الأصل غير معقول؛ لأنّ تصحيحه يتوقّف إمّا على الجمع بين النظرين ـ وهو محال ـ أو على وجود جامعٍ بينهما ـ وهو مفقود. ومع البناء على أنّ الميزان في باب الاستصحاب هو النظر العرفي خاصّة، فلا يبقى مجال لاستصحابٍ آخر مبنيٍّ على الدقّة العقليّة كي يعارضه.
وعليه، تكون النتيجة مختلفة باختلاف المباني: فالفاضل النراقي يرى إمكان جريان الاستصحابين، وينتهي إلى التساقط.
والشيخ الأعظم (قده) يرى أنّ الجاري هو استصحاب واحد فقط، دون معارضة.
وصاحب الكفاية (قده) أيضًا ينتهي إلى جريان استصحاب واحد، وبنى ـ مع فرض كون الزمان مأخوذًا على نحو الظرفيّة ـ على جريان استصحاب الوجود بعد الزوال، فوافق الشيخ الأعظم في النتيجة، وإن اختلف معه في طريق الاستدلال.
ومن هنا يتّضح أنّ تعبير صاحب الكفاية بـ"كما قيل" لا يراد به التفكيك بين النظر العرفي والنظر العقلي، ولا الإذن بجريان الاستصحاب بلحاظهما معًا، بل المراد به ما قيل من إمكان جريان الاستصحابين معًا بحسب مبنى النراقي، وهو ما يتصدّى صاحب الكفاية لنقضه من الأساس، لعدم إمكان الجمع، وعدم وجود جامع، وكمال المنافاة بين اللحاظين.
ثمّ أردف صاحبُ الكفاية (قده) قائلاً:"ولا يكون في أخبار الباب ما بمفهومه يعمّهما، فلا يكون هناك إلّا استصحابٌ واحد: وهو استصحابُ الثبوت فيما إذا أُخذ الزمانُ ظرفًا، واستصحابُ العدم فيما إذا أُخذ قيدًا، لما عرفتَ من أنّ العِبرة في هذا الباب بالنظر العرفي".
وحاصل هذا البيان: أنّ أدلّة الاستصحاب الواردة في الباب ـ كقوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشك" ـ ليست لها دلالةٌ مفهوميّة عامّة تشمل في آنٍ واحد كِلَا اللحاظين: اللحاظ العرفي واللحاظ العقلي الدقيق، بحيث تُصحِّح إجراء أصلين متقابلين في موردٍ واحد. ومع عدم هذا الشمول، لا يبقى مجالٌ إلّا لتعيين أصلٍ واحدٍ فعليّ بحسب الميزان المعتبر في الباب، وهو النظر العرفي.
وعليه، تتفرّع النتيجة على نحوٍ واضح:فإن أُخذ الزمان ظرفًا للحكم، كان
الموضوع عرفًا واحدًا مستمرًّا، وكان الشكّ شكًّا في البقاء، فيجري استصحاب
الثبوت.
وإن أُخذ الزمان قيدًا للموضوع، كان الموضوع عرفًا متعدّدًا، وكان الشكّ شكًّا في الحدوث، فلا مجال لاستصحاب الثبوت، بل يكون المرجع استصحاب العدم.
وبذلك يُغلق صاحبُ الكفاية (قده) بابَ القول بجريان الاستصحابين معًا من أساسه؛ لعدم وجود جامعٍ دلاليٍّ في الأدلّة، ولتعيّن الميزان العرفي في تشخيص موضوع الاستصحاب ومجراه.
وللكلام تتمّة..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]