« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/07/14

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان راي صاحب الكفاية/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي صاحب الكفاية

انتهى بنا الكلامُ إلى ما أفاده صاحبُ الكفاية (قدّه) من عدمِ المانعِ من جريانِ الاستصحابِ في الفعلِ المقيَّدِ بالزمان، إذا كان الشكُّ فيه من جهةِ الشكِّ في بقاءِ القيد، وذلك بدعوى أنّ الزمانَ حينئذٍ يُعامَلُ معاملةَ الأمرِ القارّ، فيصحّ جريانُ الاستصحابِ فيه بلا محذور. نعم، لو كان الشكُّ في بقاءِ الحكم مع القطعِ بارتفاعِ القيد، كما لو شككنا في خطابِ الشارع: هل هو واردٌ على نحوِ وحدةِ المطلوب أو على نحوِ تعدّدِ المطلوب.

فأفاد (قدّه): إنّ الزمان إذا أُخذ على نحوِ الظرفيّة، فلا مانع من استصحابِ الفعل بعد انقضاء الزمان.

وأمّا إذا أُخذ على نحوِ القيديّة، فلا مجال لاستصحابِ الفعل، بل يكون المرجع هو استصحاب عدمه.

ويرتبط هذا المطلب بما تقدّم سابقًا في استصحابِ الكلّي من القسم الثالث؛ وذلك لأنّ الجلوس مع كون الزمان قيدًا غير مطلق الجلوس، فهما موضوعان متغايران، كما هو الحال في مثال زيد وعمرو. فالجلوسُ المقيَّدُ بالزوال ـ مثلًا ـ غيرُ الجلوسِ المقيَّدِ بعدمِ الزوال، فمع القيديّة يكون الشكُّ في الفعل بعد الزوال شكًّا في حدوثِ موضوعٍ جديد، لا شكًّا في بقاءِ الموضوع السابق، فينتفي بذلك ركنُ الاستصحاب.

وأمّا إذا أُخذ الزمانُ على نحوِ الظرفيّة، فالجلوسُ هو نفسُ الجلوس، والشكُّ بعد الزوال يكون شكًّا في بقائه، فيصحّ الاستصحاب.

وبهذا يُتمّ صاحبُ الكفاية (قدّه) أصلَ المطلب، ثمّ يورد إشكالًا على نفسه، وبعد ذلك ينتقل إلى مناقشة ما أفاده الفاضلُ النراقي.

وحاصلُ الإشكال: أنّ الزمان لا بدّ أن يكون قيدًا في الموضوع، وإن كان مأخوذًا على نحوِ الظرفيّة في الحكم؛ وذلك لأنّ الكلام ليس في مطلق الزمان، بل في الزمان المأخوذ في لسان الشارع، كما لو ورد في لسان الشارع وجوبُ الجلوس في المسجد يومَ الجمعة. فيَرِدُ السؤال حينئذٍ: لماذا أخذ الشارعُ الزمانَ في الحكم أصلًا؟ إذ كان بإمكانه أن لا يذكر الزمان، وحيث إنّ ذكره لا يمكن أن يكون لغوًا وبلا فائدة، فلا بدّ من وجود نكتةٍ في أخذه.

وحينئذٍ نقول: إنّ هذه النكتة إمّا أن ترجع إلى الحكم، أو ترجع إلى الموضوع، أو إلى المتعلَّق ـ باعتبار أنّ المقصود من الموضوع هو نفس المكلَّف ـ. هذا وقد فرضنا أنّ الحكم مطلق؛ لأنّ الزمان أُخذ فيه على نحو الظرفيّة، فلا يكون قيدًا للحكم. وعليه، فالظرف الزماني لا بدّ أن يرجع إلى المتعلَّق، أي إلى نفس الفعل، كالجلوس أو الإمساك.

فإذا رجع الظرفُ الزماني إلى الجلوس، كان معناه أنّ الجلوسَ مقيَّدٌ بالزمان. وتوضيح ذلك بالمثال:

لو قال الشارع: "يجب عليك الإمساك"، فنسأل: هل وجوبُ الإمساك هنا مطلقٌ أو مقيَّد؟والجواب: إنّ وجوبَ الإمساك مطلق.

وأمّا لو قال: "إذا جاء النهار فأمسِك"، فالزمان هنا مأخوذٌ في لسان الدليل، فإمّا أن يكون قيدًا للحكم، أو يكون قيدًا لمتعلَّق الحكم. وبما أنّ الحكم مطلق، والزمان أُخذ فيه ظرفًا، فلا بدّ أن يكون قيدًا للمتعلَّق، وإلّا لزم لغويّة أخذه في الدليل.

وعليه، فيكون الإمساكُ مقيَّدًا بالنهار.

والحاصل: إذا لم يكن الزمانُ قيدًا للحكم، فلا بدّ أن يكون قيدًا للمتعلَّق، وإلّا لزم اللغو، وهو محالٌ على الشارع الحكيم. فإذا كان الزمان ـ بالقياس إلى الحكم ـ مأخوذًا بنحو الإطلاق، وبالقياس إلى المتعلَّق مأخوذًا بنحو القيديّة، عاد الإشكالُ من جديد؛ إذ يكون الفعلُ المقيَّدُ بالزمان موضوعًا آخر غيرَ الفعل بعد ارتفاع ذلك الزمان، ومع اختلاف الموضوع لا يمكن إجراء الاستصحاب.

وبذلك يتّضح أنّ أخذَ الزمان على نحوِ الظرفيّة للحكم في لسان الدليل لا يدفع محذورَ القيديّة رأسًا، بل قد ينتهي ـ بتحليلٍ دقيق ـ إلى كونه قيدًا للمتعلَّق، فيرجع الإشكالُ في جريان الاستصحاب في الفعل بعد ارتفاع الزمان.

فأجاب صاحبُ الكفاية (قدّه) عن هذا الإشكال بأنّ المعيار في باب الاستصحاب هو الفهمُ العرفيّ لا الدقّةُ العقليّة؛ فإنّ العرفَ يرون أنّ الجلوسَ قبلَ الزوال ـ مثلًا ـ هو بعينه الجلوسُ بعدَ الزوال. نعم، قد يُدّعى ـ بالدقّة العقليّة ـ وجودُ اثنينيّةٍ وتغايرٍ بينهما، إلّا أنّ هذه الدقّةَ غيرُ ملحوظةٍ في باب الاستصحاب، إذ المدارُ فيه على الفهم العرفي.

فالعرفُ لا يفرّقون بين قولنا: "إذا جاء النهار فأمسِك"، وبين قولنا: "أمسِك في النهار"، بل يرون كلا التعبيرين حاكيًا عن موضوع واحدٍ مستمرّ، لا عن موضوعين متغايرين. ومن هنا تكون النتيجة:إنّ الزمانَ إذا أُخذ على نحوِ القيديّة، فلا مجالَ لاستصحابِ وجوبِ الجلوس بعد الزوال، بل المرجعُ هو استصحابُ عدمه.

وأمّا إذا أُخذ الزمانُ على نحوِ الظرفيّة، فيصحّ استصحابُ وجوبِ الجلوس بعد الزوال.

وعليه، فالإشكالُ المتقدّم إنّما يتمّ بناءً على الدقّةِ العقليّة، وأمّا بناءً على الفهمِ العرفي فلا يَرِد. وبناءً على هذا، يمكن دعوى تصحيحِ ما أفاده الفاضلُ النراقي؛ إذ إنّه أجرى استصحابَ الوجود بعد الزوال، كما أجرى استصحابَ العدم بعد الزوال، ومن هنا قال بالتعارض بين الاستصحابين.

نعم، أفاد صاحبُ الكفاية (قدّه) بأنّ إمكانَ جريانِ استصحابِ الوجود إنّما هو بلحاظِ الفهمِ العرفي، في حين أنّ إمكانَ جريانِ استصحابِ العدم مبنيٌّ على الدقّةِ العقليّة، وبذلك يمكن أن يكون كلامُ الفاضلِ النراقي في نفسه صحيحًا بلحاظ اختلافِ المبنى العقليّ والعرفيّ. إلّا أنّ الجوابَ النهائيّ عن هذا الإشكال سيأتي

بيانُه لاحقًا إن شاء الله تعالى.

تلخيص ما أفاده صاحبُ الكفاية (قدّه): بعد أن أنهى صاحبُ الكفاية (قدّه) أصلَ مبناه في التفريق بين أخذِ الزمان على نحوِ الظرفيّة وأخذه على نحوِ القيديّة، تعرّض لإشكالٍ ذكره بصيغة: "لا يُقال…"، ممهِّدًا بذلك لمناقشة ما أفاده الفاضلُ النراقي.

وحاصلُ هذا الإشكال:إنّ الزمانَ المذكورَ في لسانِ الدليل الشرعي لا محالة يكون من قيودِ الموضوع، وإن أُخذ ظاهرًا ظرفًا لثبوتِ الحكم؛ وذلك لأنّ الزمان ـ حيث ذُكر في الدليل ـ يكون دخيلًا في مناطِ الحكم ومصلحته، فلا يعقل جعله مجرّدَ ظرفٍ بلا جهةٍ موجبة، وإلّا لزم اللغو. وعليه، لا يكون مجالٌ لاستصحابِ وجودِ الحكم، بل المتعيَّن هو استصحابُ عدمه؛ لأنّ متعلَّقَ الحكم يكون مقيَّدًا بزمانٍ خاص، ومع الشكّ بعد ارتفاعِ الزمان يكون الشكُّ شكًّا في حدوثِ حكمٍ جديدٍ لمتعلَّقٍ جديد، لا في بقائه.

وبعبارةٍ أخرى: إذا كان الزمانُ قيدًا في الموضوع، فالجلوسُ قبلَ الزوال ـ مثلًا ـ غيرُ الجلوسِ بعدَ الزوال، فهما موضوعان متغايران، ولا يصحّ الاستصحاب؛ إذ يلزم منه إسراءُ الحكم من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وهو بعينه المحذورُ المعروف

في استصحابِ الكلّي من القسم الثالث، كما في مثال زيد وعمرو.

ولتقريب ذلك بالمثال: لو قال الشارع: "أكرم زيدًا القائم"، وكان القيامُ وصفًا مقصودًا لا مشيرًا، فلا يصحّ استصحابُ وجوبِ الإكرام عند نومه؛ لأنّ "زيدًا القائم" غيرُ "زيدٍ النائم"، وإسراءَ الحكم من أحدهما إلى الآخر إسراءٌ من موضوعٍ إلى موضوعٍ آخر، وهو غيرُ جائز. وكذلك الحال في مثال الجلوس قبل الزوال وبعده.

وعلى هذا الأساس، يُقال: وإن سلَّمنا بأنّ الزمان أُخذ في لسان الدليل على نحوِ الظرفيّة للحكم، إلّا أنّه لا بدّ أن يكون مأخوذًا على نحوِ القيديّة للموضوع؛ لأنّ ذكره لا يخلو عن نكتة، ومع القيديّة يتعدّد الموضوع، فلا مجالَ لجريانِ الاستصحاب، ويكون المرجعُ هو استصحابَ العدم.

وأجاب صاحبُ الكفاية (قدّه) عن الإشكال بما حاصله: أنّ هذا البيانَ تامٌّ بلحاظِ الدقّةِ العقليّة، وأمّا في بابِ الاستصحاب فالملاكُ هو الفهمُ العرفي؛ إذ إنّ العرفَ لا ينظرون إلى الزمان بوصفه قيدًا للموضوع متى ما أُخذ في لسانِ الدليل على نحوِ الظرفيّة، بل يرون الموضوعَ واحدًا مستمرًّا. وعليه، فهذا الإشكالُ وإن كان صحيحًا بالنظرِ العقلي، إلّا أنّه لا يضرّ بجريانِ الاستصحاب بحسب الفهمِ العرفي، وسيأتي تفصيلُ الجواب عنه في محلّه من تنبيهاتِ الاستصحاب، ولا سيّما عند البحث عن شرطِ بقاءِ الموضوع إن شاء الله تعالى.

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

logo