47/07/10
بيان راي الشيخ صاحب الكفاية/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ صاحب الكفاية
لا يزال الكلام في ما أفاده صاحب الكفاية (قده)، حيث قسَّم الأمر القارّ المقيَّد بالزمان، بلحاظ تعلّق الشكّ فيه، إلى قسمين:
القسم الأوّل:وهو ما إذا كان الشكّ متعلِّقًا بالقيد، أي نفس الزمان؛ كما لو شككنا في بقاء النهار، فبعد أن علمنا وتيقَّنّا بوجوده نشكّ هل لا يزال موجودًا أو لا. وهذا الشكّ قد يكون من جهة الشبهة الموضوعيّة، كما لو علم أنّ النهار ـ مثلًا ـ ينتهي بذهاب الحمرة، وشكّ في ذهابها، أو من جهة الشبهة الحكميّة، كما لو لم يعلم هل النهار ينتهي بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة.
وكيف كان، فلا مانع من جريان استصحاب الزمان، كما لا مانع من استصحاب نفس الفعل المقيَّد به، كالصوم أو الجلوس؛ فلو كان الجلوس واجبًا قبل الزوال، أو كان الصوم واجبًا قبل ساعةٍ معيّنة، ثمّ شككنا في وجوبه فعلًا في الزمان
اللاحق، أمكن استصحاب وجوب الفعل.
وهذا هو الشقّ الأوّل، ولا إشكال فيه في الجملة. نعم، قد نبَّه (قده) في ذيل المطلب بالتأمّل، وقد تقدَّم بيان وجهه.
القسم الثاني:وهو ما إذا علمنا بارتفاع القيد، أي الزمان، ومع ذلك وقع الشكّ في الحكم؛ كما إذا علمنا بانقضاء الزوال، ولكن شككنا في أنّ مطلوب الشارع هل هو على نحو وحدة المطلوب أو على نحو تعدُّد المطلوب.
وبعبارةٍ أُخرى: هل أراد الشارع من الجلوس إلى الزوال خصوص هذا العنوان بما هو مقيَّدٌ بالزمان، بحيث تكون المصلحة الملزمة منحصرةً فيه، فلا يكون أصلُ الجلوس واجبًا لانتفاء المصلحة؟ أو أنّ الشارع أراد الأمرين: الجلوسَ إلى الزوال بما هو مقيَّدٌ بالزمان، والجلوسَ بما هو فعلٌ مستقلّ، بحيث تكون المصلحة الملزمة قائمةً بنفس الجلوس أيضًا، فتبقى بعد ارتفاع الزمان؟ وعلى هذا، فالشكّ هنا ليس ناشئًا من الشكّ في بقاء الزمان؛ إذ المفروض العلم بارتفاعه، وإنّما منشؤه الشكّ في فهم خطاب الشارع، وأنّه هل تعلّق بالمقيَّد على نحو وحدة المطلوب، أو على نحو تعدُّد المطلوب.
وهذا الذي ذكره (قده) إنّما هو لتصوير مورد الشكّ، لا لإثبات بقاء الزمان؛ فالزمان في هذه الصورة معلومُ الارتفاع، وإنّما الشكّ باقٍ من جهةٍ أُخرى، وهي كيفيّة تعلّق الإرادة التشريعيّة.
ومن هنا يأتي تفريع البحث في الزمان، فنقول: إنّ الزمان تارةً يُؤخذ على نحو القيديّة، وأخرى يُؤخذ على نحو الظرفيّة.
وهذا التفصيل ليس مقصودًا لذاته، بل هو تمهيدٌ منهجيّ، وسلسلةُ مراحلَ يُراد منها الوصول إلى كلام الفاضل النراقي؛ إذ إنّ ما سيأتي من التفريعات والنتائج يتوقّف على تحديد أنّ الزمان هل أُخذ قيدًا في الموضوع، أو أُخذ ظرفًا لوقوع الفعل.
ولذلك قال (قده):"وإن كان ـ الشكّ ـ من الجهة الأُخرى"([1] ).
توضيح مراده (قده): إنّ منشأ الشكّ هنا ليس هو الشكّ في بقاء الزمان، بل هو احتمال كون الزمان مأخوذًا قيدًا في أصل المطلوب، أو احتمال تعلّق الأمر بأصل المطلوب وكون الزمان مأخوذًا في كماله؛ كلّ هذا مع القطع بارتفاع الزمان.
فمثلًا، لو أراد الشارع منّا الصوم يوم الخميس، وقد انقضى وارتفع هذا الزمان،
ونحن الآن في يوم الجمعة، فنشكّ: هل لا يزال الشارع يريد منّا الصوم أم لا؟
فعلى هذا الفرض، يكون الشكّ في بقاء مطلوبيّة الصوم، لا في بقاء الزمان؛ إذ الزمان معلوم الارتفاع، وإنّما الشكّ ناشئ عن عدم العلم بمراد الشارع:
هل كان الزمان مأخوذًا على نحو وحدة المطلوب، بحيث تكون المصلحة منحصرة في الصوم المقيَّد بذلك الزمان؟
أو كان مأخوذًا على نحو تعدُّد المطلوب، بحيث يكون أصل الصوم مطلوبًا بنفسه، والزمان دخيلًا في كماله لا في أصل تشريعه؟
فمع القطع بارتفاع الزمان، يبقى الشكّ في سعة دائرة الطلب وضيقها، ومن هنا يقع مورد السؤال، ويظهر أنّ البحث ليس في الزمان، بل في كيفيّة تعلّق الخطاب الشرعي.
ثمّ قال (قده): "فلا مجال إلّا لاستصحاب الحكم في خصوص ما لم يُؤخذ الزمان فيه إلّا ظرفًا لثبوته، لا قيدًا مقوِّمًا لموضوعه".
ويمكن إعادة قراءة هذه العبارة وبيانها بنحوٍ أصرح وأوضح، فنقول:
إنّ الزمان تارةً يُؤخذ في لسان الدليل على نحو القيديّة، وأُخرى يُؤخذ على نحو الظرفيّة.
فإن أُخذ الزمان على نحو الظرفيّة، بمعنى أنّ الحكم ثابتٌ لنفس الفعل، وكان الزمان مجرّد ظرفٍ لوقوعه، فلا مانع من جريان استصحاب الحكم بعد انقضاء ذلك الزمان؛ لعدم دخل الزمان في قوام الموضوع.
وأمّا إذا أُخذ الزمان على نحو القيديّة، بحيث كان الحكم متعلّقًا بالفعل المقيَّد بزمانٍ خاصّ، فبانقضاء الزمان يرتفع الموضوع، ولا مجال حينئذٍ لاستصحاب الحكم الوجودي، بل يكون المرجع استصحاب العدم.
وعلى هذا، تكون هذه الصياغة أصرح في التفكيك بين القيديّة والظرفيّة، وأوضح في بيان ضابط جريان الاستصحاب وعدمه، وإن كانت في الحقيقة راجعةً إلى ما أفاده (قده) في عبارته.
بيان لما أفاده صاحب الكفاية (قده) بشكلٍ أدقّ: لو فرضنا أنّ الشارع قال: "اجلس في المسجد يوم الجمعة"، ثمّ قيّد ذلك بقوله: "إلى الزوال". فعند تحليل هذا الخطاب يمكن تصويره على نحوين:
التحليل الأوّل:أن يكون مراد الشارع هو الجلوس في المسجد يوم الجمعة مطلقًا، بمعنى أنّ نفس الجلوس في هذا اليوم مشتملٌ على مصلحةٍ ملزمةٍ من الصباح إلى الغروب، إلّا أنّه ذكر الزوال لكون الجلوس إلى الزوال يشتمل على مصلحةٍ أُخرى إضافيّة، فيكون للشارع مصلحتان:
مصلحةٌ في الجلوس إلى الزوال، ومصلحةٌ في أصل الجلوس في تمام اليوم.
وهذا التحليل في نفسه ممكن، ولا محذور فيه.
التحليل الثاني:أن يكون مراد الشارع هو الجلوس إلى الزوال فقط، وأنّ المصلحة الملزمة منحصرةٌ في هذا المقدار الزماني، ولا مصلحة في الجلوس بعد الزوال، فيكون الزمان ـ أعني: إلى الزوال ـ دخيلًا في أصل المطلوب.
وحيث إنّا لا نعلم أيَّ التحليلين هو مراد الشارع، يحصل الشكّ في أنّ خطابه هل هو على نحو وحدة المطلوب أو على نحو تعدُّد المطلوب.
فأنا كنتُ متيقّنًا سابقًا بوجوب الجلوس إلى الزوال، وبعد الزوال حصل الشكّ في بقاء الوجوب، وهذا شكٌّ مبرَّرٌ ومسوَّغٌ بحسب الفرض.
إلّا أنّ الكلام ليس في تصحيح الشكّ، بل في مقام العمل:
فهل المرجع هو استصحاب عدم وجوب الجلوس بعد الزوال، أو استصحاب وجوب الجلوس بعد الزوال؟ وهنا يبرز الأثر الشرعي، ومن هذه الجهة أشار (قده) إلى أنّ نكتة البحث ترجع إلى الظرفيّة والقيديّة.
وبعبارةٍ أُخرى، عندنا هنا أمران:وحدة المطلوب وتعدُّد المطلوب، وهما منشأ الشكّ؛ إذ لا نعلم أنّ الشارع في خطابه سلك أيَّ النحوين.
فبعد تحقّق الشكّ، ننتقل إلى مطلبٍ آخر، وهو: هل أخذ الشارع الزمان على نحو القيديّة في الجلوس، أو أخذه على نحو الظرفيّة؟ وكذلك في سائر الموارد، كأخذ يوم الخميس أو غيره: هل هو قيدٌ في المتعلّق، أو مجرّد ظرفٍ لوقوعه؟ ثمّ يقع السؤال الإثباتي: كيف نُحرز أنّ الشارع أخذ الزمان قيدًا أو ظرفًا؟
فيُقال: إنّ الشارع إذا أطلق خطابه ولم يذكر الزمان أصلًا، كما لو قال: "صُم"، دلّ ذلك على أنّ الزمان غير معتبرٍ عنده، فلا يمكن أخذه قيدًا.
نعم، البحث عن القيديّة والظرفيّة إنّما يكون عند ذكر الزمان في لسان الدليل.
فمثلًا: إذا قال: "إذا جاء النهار فأمسك"، كان النهار مأخوذًا على نحو الظرفيّة؛ أي: أوقع الإمساك في ظرف النهار. وأمّا إذا قال: "أمسك في النهار"، فظاهر ذلك أخذ النهار قيدًا في المطلوب، فيكون المطلوب هو الإمساك النهاري، لا الإمساك مطلقًا.
وهذا التفصيل سيأتي الكلام فيه بنحوٍ أوسع لاحقًا في بحث القيد والظرف.
وعلى هذا الأساس، يقرّر صاحب الكفاية (قده):إنّ الزمان إذا أُخذ على نحو الظرفيّة، فلا مانع من استصحاب بقاء الفعل بعد انقضاء الزمان.
وأمّا إذا أُخذ على نحو القيديّة، فلا مجال لاستصحاب الفعل، بل المرجع هو استصحاب عدمه.
ويرتبط هذا المطلب بما تقدّم سابقًا في استصحاب الكلّي من القسم الثالث؛ لأنّ الجلوس قبل الزوال ـ مع كون الزمان قيدًا ـ موضوع غير الجلوس بعد الزوال، فهما موضوعان متغايران، كما هو الحال في مثال زيد وعمرو.
فالجلوس المقيَّد بالزوال غير الجلوس المقيَّد بعدم الزوال، ومع القيديّة يكون الشكّ في الفعل بعد الزوال شكًّا في حدوث موضوع جديد، لا شكًّا في بقاء الموضوع السابق، فينتفي ركن الاستصحاب.
وأمّا إذا أُخذ الزمان على نحو الظرفيّة، فالجلوس هو نفس الجلوس، والشكّ بعد
الزوال يكون شكًّا في بقائه، فيصحّ الاستصحاب.
وبهذا يتمّ صاحب الكفاية (قده) أصل المطلب، ثم يورد إشكالًا على نفسه، وبعد ذلك ينتقل إلى مناقشة كلام الفاضل النراقي، ولا يرتضي ما أفاده من تعارض استصحاب الوجود مع استصحاب العدم.
ولذلك قال (قده):"فلا مجال إلا لاستصحاب الحكم ـ كالصوم ـ في خصوص ما لم يؤخذ الزمان فيه إلا ظرفًا لثبوته، لا قيدًا مقوِّمًا لموضوعه، وإلّا فلا مجال إلا لاستصحاب عدمه فيما بعد ذاك الزمان".ثم علَّل ذلك بقوله: "فإنّه غير ما عُلِم ثبوته له".
توضيح التعليل:إنّ مراده (قده) أنّه إذا كان الزمان مأخوذًا قيدًا في الموضوع، فإنّ الموضوع بعد انقضاء ذلك الزمان يكون موضوعًا آخر مغايرًا للموضوع الذي تعلّق به الحكم سابقًا؛ لأنّ القيد ـ وهو الزوال مثلًا ـ غير متحقّق بعده، فالجلوس المقيَّد بالزوال غير الجلوس بعد الزوال.
وعليه، فالموضوع اللاحق غير ما عُلِم ثبوت الحكم له سابقًا.
ومن هنا قال (قده) بعد ذلك:"فيكون الشكّ في ثبوته له ـ أيضًا ـ شكًّا في أصل
ثبوته بعد القطع بعدمه، لا في شكّ بقائه".
ومفاد هذه العبارة:أنّ الشكّ بعد انقضاء الزمان ـ مع فرض القيديّة ـ ليس شكًّا في بقاء الحكم السابق، بل هو شكّ في حدوث حكم جديد لموضوع جديد، بعد القطع بعدم ثبوته له سابقًا، ومن الواضح أنّ هذا لا ينسجم مع الاستصحاب؛ إذ الاستصحاب إنّما يجري في الشكّ في البقاء، لا في الشكّ في الحدوث.
وبهذا يتمّ بيان نكتة عدم جريان استصحاب الحكم عند أخذ الزمان على نحو القيديّة، ووجه الرجوع إلى استصحاب العدم حينئذٍ.
غير أنّه يبقى السؤال الجوهري في مقام الإثبات، وهو: كيف نُحرز أنّ الزمان في لسان الدليل قد أُخذ قيدًا مقوِّمًا للموضوع، أو أُخذ مجرّد ظرف لثبوت الحكم؟
وهذا السؤال هو المفتاح لما سيأتي لاحقًا من تحقيقٍ في ضوابط القيديّة والظرفيّة، وهو الذي يترتّب عليه تشخيص مورد جريان الاستصحاب وعدم جريانه في مقام العمل. وللكلام بقية..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]