47/07/09
بيان راي الشيخ صاحب الكفاية/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ صاحب الكفاية
تقدَّم الكلامُ في ما أفاده صاحبُ الكفاية (قدّه)، من أنّه أجرى الاستصحاب في الأمور القارة والأمور التدريجية بملاكٍ واحد، من دون التفريق بينهما من حيث أصل الكبرى. ثمّ قرَّر (قدّه) أنّ بعض التدريجيّات ليست من التدريج الحقيقي، بل تُلحَق بالأمر القارّ؛ لكونها محفوظةَ الهوية بوجودٍ واحدٍ ممتدّ، فلا يَرِدُ عليها إشكالُ تَعدُّد الوجود وانصرام الموضوع آنًا فآنًا، وهو المانع عن جريان الاستصحاب.
وأمّا الحركة القطعيّة، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيها ايضا؛ إذ إنّ الآنات المتخلِّلة ليست أموراً أجنبيّةً عنها، بل هي داخلةٌ في حقيقتها ومقوِّمةٌ لمفهومها، فيُلحَظ الموضوع وجوداً واحداً مستمرّاً، ومع صدق البقاء عرفاً لا محذور في التعبّد بالاستصحاب.
ثمّ انتقل البحثُ إلى مسألة الأمر القارّ المقيد بالزمان ، كعنوان الجلوس في المسجد الى الزوال.
وقد تعرّض الأعلام في مباحث الألفاظ إلى أنّ الشارع المقدّس، في مقام إنشاء الأمر، قد يُنشئه على نحو وحدة المطلوب، وقد يُنشئه على نحو تعدّد المطلوب.
والمراد من تعدّد المطلوب: أن يكون لكلّ واحدٍ من المتعلَّقين مصلحةٌ مستقلّة ملزمة؛ بحيث يكون المطلوب الأوّل ذا مصلحة، والمطلوب الثاني أيضاً ذا مصلحة، ويكون تعلّق الأمر بلحاظ مجموع هاتين المصلحتين.
وأمّا وحدة المطلوب: فمعناها أنّ المصلحة الملزمة منحصرة في المتعلَّق بخصوص قيوده، ولا توجد مصلحة مستقلّة في أصل الفعل من دون تلك القيود.
ولتقريب ذلك بالمثال: لو أمر الشارع بالصوم في يوم الخميس، فقد يُحلَّل هذا الأمر على نحو وحدة المطلوب، بأن يُقال: إنّ الصوم لا مصلحة ملزمة فيه إلّا إذا وقع في يوم الخميس خاصّة، وأمّا بعد انقضاء الخميس فلا تبقى مصلحة ملزمة في الصوم في يوم الجمعة أو السبت مثلاً. وقد يُحلَّل على نحو تعدّد المطلوب، بأن يُقال: إنّ أصل الصوم في نفسه ذو مصلحة ملزمة مطلقاً، سواء وقع في يوم الخميس أم في غيره، غير أنّ الشارع أراد ـ إضافةً إلى ذلك ـ أن يقع الصوم في يوم الخميس؛ لكون هذا اليوم بنفسه ذا مصلحة ملزمة أيضاً، فيكون
عندنا مطلوبان: أصل الصوم، وكونه واقعاً في يوم الخميس. وعلى هذا التقدير، إذا انقضى يوم الخميس، تبقى المصلحة الملزمة في أصل الصوم، فيقع الشكّ في بقاء التكليف بالصوم في سائر الأيام.
فهذه هي حقيقة مسألة وحدة المطلوب وتعدّد المطلوب.
وقد حاول صاحب الكفاية (قدّه) توسيع هذا البحث ونقله إلى هذا المقام، كما سعى إلى تقسيمه من جهة الموضوع أيضاً، على النحو الذي تقدّم بيانه.
وسنشرع بعد ذلك في توضيح رأيه، ثمّ ننظر في أنّه هل يصحّ الحكم بجريان الاستصحاب في هذه الموارد أو لا؟. ثمّ نعود إلى نفس المثال المتقدّم، وهو الجلوس في المسجد يوم الجمعة.
فنقول في مقام التحليل: إنّ الشارع تارةً قد يريد منّا الجلوس المقيَّد بيوم الجمعة، بحيث تكون المصلحة الملزمة قائمة بهذا القيد الخاص، فينحصر المطلوب بالجلوس في هذا اليوم بعينه.
وأُخرى قد يكون مراد الشارع أصل الجلوس في المسجد، وهو في نفسه ذو مصلحة ملزمة، كما أنّ كونه واقعاً يوم الجمعة أيضاً ذو مصلحة ملزمة مستقلة، فيرجع الأمر حينئذٍ إلى تعدّد المطلوب.
وعلى هذا التقدير، فإذا انقضى يوم الجمعة وارتفع قيده الزماني، يقع الشكّ في أنّ وجوب الجلوس هل يبقى ثابتاً إلى يوم السبت أو لا؛ إذ مع القطع بارتفاع الزمان الخاص، يبقى الشكّ في بقاء أصل التكليف بالجلوس بلحاظ احتمال كون المصلحة الملزمة قائمة بنفس الجلوس.
وحيث إنّ الجلوس كان مطلوباً على نحوٍ متيقَّن يوم الجمعة، والشكّ الآن إنّما هو في بقائه بعد ذلك، فلا مانع من جريان الاستصحاب لإثبات بقاء وجوب الجلوس إلى يوم السبت، بناءً على احتمال تعدّد المطلوب، وإن كان الزمان المقيِّد قد ارتفع يقيناً.
لذا لا بدّ من الرجوع إلى كلماته (قدّه) المتقدّمة ليتّضح المراد بدقّة. فقد قال (قدّه):
"وأمّا الفعلُ المقيَّد بالزمان، فتارةً يكون الشكُّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده، وطوراً ـ مع القطع بانقطاعه وانتفائه ـ من جهةٍ أُخرى، كما إذا احتمل أن يكون التعبُّد به إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله"([1] ).
وحاصل مراده (قدّه): أنّ الفعل إذا كان مقيَّداً بالزمان، فقد ينشأ الشكّ في حكمه لأجل الشكّ في بقاء القيد الزماني، وقد ينشأ ـ مع القطع بارتفاع القيد ـ من جهةٍ أُخرى، وهي احتمال كون الأمر قد أُنشئ بلحاظ تمام المطلوب، أي على نحو تعدّد المطلوب، لا بلحاظ أصل المطلوب على نحو وحدة المطلوب.
وهذا تمام ما تقدّم بيانه منّا سابقاً، وإنّما أُعيد هنا توطئةً للبحث عن إمكان جريان الاستصحاب في هذا الفرض وعدمِه.
ثمّ قال (قدّه) بعد ذلك: "فإن كان من جهة الشكّ في بقاء القيد ـ وهو الزمان ـ فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان، كالنهار الذي قُيِّد به الصوم مثلاً، فيترتّب عليه وجوب الإمساك وعدم جواز الإفطار ما لم يُقطع بزواله". ومقصودُه (قدّه) من القيد في كلامه هو الزمان، كما أنّ مراده من الأمر المقيَّد هو الأمر القارّ. وعليه،
فإذاوقع الشكّ في بقاء النهار، فهل يمكن استصحاب بقائه؟ فإن أُجري استصحاب بقاء النهار، لزم ترتيب أثره، وهو وجوب الإمساك وبقاء الصوم.
ويُستفاد من كلام صاحب الكفاية (قدّه) أنّه يعامل الزمان معاملة الأمر القارّ؛ لأنّ الآنات المتخلِّلة بين وجوداته داخلة في مفهومه وقوامه، فمع الشكّ في النهار لا يَرِد محذور الأجزاء المنصرمة ولا إشكال الأجزاء التي لم توجد بعد.
وتوضيح ذلك: أنّ أصل الإشكال في جريان الاستصحاب في الزمان ـ على مبنى الشيخ الأعظم (قدّه) ـ ناشئ من تعريف الأمر التدريجي؛ إذ الزمان عنده عبارة عن آنات متعاقبة توجد ثم تُعدم، فجزءٌ من النهار قد وُجد ثم انعدم، والجزء الآخر لم يوجد بعد. ومع هذا التحليل، إذا أُريد إجراء الاستصحاب، فلا يتحقّق موضوعه؛ لأنّ المستصحَب إمّا أمرٌ قد انعدم يقيناً، أو أمرٌ لم يحدث بعدُ ويُقطع بعدمه، فيفقد الاستصحاب ركنيه من اليقين السابق والشكّ اللاحق.
ومن هنا حاول الشيخ الأعظم (قدّه) تصحيح جريان الاستصحاب في الزمان بتأويلٍ خاص، فاعتبر الزمان شيئاً واحداً، وجعل البقاء بمعنى عدم مجيء الجزء المقابل؛ فيقال: الليل باقٍ ما لم يأتِ النهار، أو النهار باقٍ ما لم يأتِ الليل، وبهذا التوجيه تخلّص من الإشكال. وهذا المسلك هو الذي اعتمده الفقهاء في الفتوى، كما في استصحاب الليل لجواز الإفطار، أو استصحاب النهار لوجوب الإمساك.
أمّا صاحب الكفاية (قدّه) فلم يسلك هذا المسلك، بل بنى على أنّ النهار حقيقةً أمرٌ باقٍ، كما أنّ الليل حقيقةً أمرٌ باقٍ، ولا يرى إشكالاً في جريان الاستصحاب في الأمور غير القارّة؛ لأنّ الآنات المتخلِّلة داخلة في قوامها وحقيقتها، فوجود النهار هو هذا الامتداد الزماني بعينه، وكذلك الليل. وبنفس هذا الملاك ألحق الحركة والكلام بقسمٍ واحد، واعتبر وجودهما وجوداً واحداً حقيقيّاً، فصحّ عنده إجراء الاستصحاب فيهما.
ثمّ بعد ذلك انتقل إلى الأمر القارّ المقيَّد بالزمان، كالصيام في النهار أو الجلوس في المسجد، يوم الجمعة وهي كلّها أمور قارّة في أنفسها، فلا توجد عنده مشكلة من جهة الزمان بما هو زمان. وعليه، فإن وُجد إشكالٌ في هذه الموارد، فليس من جهة كونها تدريجيّة، إذ الأمر التدريجي عنده يجري فيه الاستصحاب حقيقةً، وإنّما يكون الإشكال ـ لو تمّ ـ من جهةٍ أُخرى، كما سيأتي بيانه.
فلابدّ من التّامل في نفس عبارته (قدّه)، حيث قال: "فإن كان من جهة الشكّ في
بقاء القيد، فلا بأس باستصحاب قيده من الزمان، كالنهار الذي قُيِّد به الصوم
مثلاً، فيترتّب عليه وجوب الإمساك وعدم جواز الإفطار ما لم يُقطع بزواله".
ومفاد كلامه (قدّه) واضح في أنّ الاستصحاب إنّما يجري مع الشكّ في بقاء الزمان، وأمّا مع القطع بزواله فلا مورد له؛ لارتفاع موضوع الاستصحاب حينئذٍ.
وتوضيح مقصوده: أنّه بعد أن قرّر (قدّه) أنّ الأمر التدريجي بنفسه مجرىً للاستصحاب، أفاد أنّ الشكّ في انتهاء النهار قد يكون ناشئاً عن شبهةٍ موضوعيّة، وقد يكون ناشئاً عن شبهةٍ حكميّة.
أمّا الشبهة الموضوعيّة: فهي ما إذا كان مفهوم النهار وحدُّه معلوماً، كما لو علمنا بأنّ النهار ينتهي بذهاب الحمرة المشرقيّة، ولكن نشكّ في تحقّق هذا الانتهاء خارجاً، بأن نشكّ: هل ذهبت الحمرة المشرقيّة بالفعل أو لا؟
وأمّا الشبهة الحكميّة: فهي ما إذا كان نفس حدّ النهار مشكوكاً مفهوماً، بأن لا نعلم أنّه هل ينتهي بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة المشرقيّة، فيكون الشكّ حينئذٍ في تحديد المنتهى الشرعي للنهار.
وعلى كلا التقديرين، حيث إنّ اليقين السابق بوجود النهار ثابت، والشكّ اللاحق
في بقائه، فلا مانع من جريان الاستصحاب عنده(قدّه)،لتماميّة أركانه، فيُحكم ببقاء النهار، ويترتّب عليه وجوب الإمساك وعدم جواز الإفطار ما لم يحصل القطع بزواله.
وعليه، لا مانع من استصحاب بقاء النهار، وبه يُثبت بقاءُ النهار شرعاً، ويترتّب عليه بقاءُ الوجوب المترتّب عليه، وهو وجوب الصوم.
وبهذا يتّضح أنّ صاحب الكفاية (قدّه) يرى أنّه إذا شككنا في وقوع الصوم في النهار، أمكن لنا استصحاب النهار نفسه أوّلاً؛ لكونه قيداً للحكم، ومع التعبّد ببقائه يثبت أنّ الصوم ما زال ثابتا.
ثمّ يَرِدُ السؤال الثاني: هل يمكن استصحاب نفس الوجوب أيضاً؟ والجواب عنده بالإيجاب؛ إذ إنّه قبل زمان الشكّ ـ كما لو قبل ساعة مثلاً ـ كان عندنا يقين بوجوب الصوم، ثمّ طرأ الشكّ في بقائه فعلاً، فبمقتضى استصحاب بقاء وجوب الصوم يُحكم باستمراره، ما لم يثبت زوال قيده أو ارتفاع موضوعه.
فالمتحصّل: أنّه على مبنى صاحب الكفاية (قدّه) يمكن إجراء الاستصحاب في المقام على مستويين:
الأوّل: استصحاب القيد الزماني، وهو النهار.
والثاني: استصحاب نفس الحكم، وهو وجوب الصوم، وكلاهما تامّ الأركان عنده في فرض الشكّ.
قال (قدّه): "كما لا بأس باستصحاب نفس المقيَّد، فيقال: إنّ الإمساك كان قبل هذا الآن في النهار، والآن كما كان فيجب، فتأمّل".
ومفاد هذه العبارة: أنّه على مبنى صاحب الكفاية يمكن إجراء الاستصحاب في الأمرين معاً: الأوّل: استصحاب الزمان، وهو النهار.
الثاني: استصحاب نفس الفعل أو الحكم، أعني وجوب الإمساك.
وأمّا الشيخ الأعظم (قدّه) ـ كما تقدّم ـ فلمّا لم يطمئنّ إلى جريان الاستصحاب في نفس النهار، حاول تصحيح المقام بإجراء الاستصحاب في الحكم .
بينما صاحب الكفاية لا يرى محذوراً في أصل المبنى، فلا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يستصحب الموضوع ويستصحب الحكم معاً، ومن هنا صرّح بلا تأويلٍ بأنّ النهار بنفسه مجرى للاستصحاب، كما أنّ الفعل المقيَّد به كذلك.
إلّا أنّه بعد ذلك قال: "فتأمّل".
وقد حاول بعض محشي الكفاية إرجاع هذا التأمّل إلى التشكيك في جريان الاستصحاب في نفس النهار، باعتباره من الأمور التدريجيّة. غير أنّ هذا الارجاع غير وجيه؛ لأنّ صاحب الكفاية قد حسم مبناه صراحةً في أنّ الأمور التدريجيّة حالها حال الأمور القارّة في جريان الاستصحاب، بل تجاوز ذلك فألحق الحركة التوسّطيّة بنفس الأمر القار. فليس التأمّل من هذه الجهة قطعاً.
وعليه، يبقى السؤال: ما هو وجه هذا التأمّل؟
والظاهر أنّ منشأه نكتة أُخرى أدقّ، وحاصلها: أنّ المقصود من جعل الاستصحاب إنّما هو ترتيب الآثار الشرعيّة كما تقدم ذلك ويأتي في الاصل المثبت، لا اللوازم العقليّة أو الآثار التكوينيّة؛ إذ إنّ مفاد قوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشك" ناظر إلى التعبّد بالأثر الشرعي خاصّة.
فإذا استصحبنا بقاء النهار، كان مفاده ـ بلحاظ الوجود ـ مفاد كان التامّة، أي: النهار موجود. ولكن إثبات أنّ الصوم واقع في هذه القطعة الزمانيّة من النهار إنّما هو لازم عقلي لوجود النهار، لا أثرٌ شرعي مترتّب عليه مباشرةً. فيكون هذا من الأصل المثبت، وهو غير حجّة، سواء كان المستصحَب أمراً تدريجيّاً أم قارّاً.
وأمّا لو قيل: إنّ استصحاب النهار بلحاظ مفاد كان الناقصة، أي استصحاب هذه القطعة المعيّنة من النهار، فيَرِد إشكالٌ آخر؛ وهو أنّ هذه القطعة لم تكن متيقّنة سابقاً من حيث وقوع الصوم فيها، فلا يقين سابق بها ليُستصحَب. ومعلوم أنّ الاستصحاب متقوّم بالحالة السابقة المتيقّنة، ومع فقدها لا مجال لجريانه.
فالمتحصّل: أنّ تأمّل صاحب الكفاية ليس ناظراً إلى أصل جريان الاستصحاب في الزمان بما هو زمان، ولا إلى كونه أمراً تدريجيّاً أو قارّاً، بل هو تنبيه إلى محذور الأصل المثبت في مقام ترتيب الأثر، وهو محذورٌ يجري هنا حتّى مع البناء على تماميّة المبنى في الأمور التدريجيّة.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]