47/07/08
بيان راي صاحب الكفاية/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي صاحب الكفاية
قد تَقدَّمَ أنّ صاحبَ كفاية الأصول (قدّه) قسَّم البحث إلى قسمين:
الأوّل: الزَّمان والزمانيّات.
الثاني: الأمرُ القارُّ المقيَّد بالزَّمان.
أمّا القسم الأوّل، فقد التزم (قده) بأنّ الأمر الوحداني في الزمان والزماني أمرٌ واحدٌ حقيقيٌّ عقليّ؛ وذلك باعتبار أنّ الأعدام المتخلِّلة مأخوذة في موضوع الزمان نفسه، وما كان مأخوذًا في قوام الموضوع لا يمكن أن يكون دليلًا على فنائه. ومن ثمّ لا مانع من جريان الاستصحاب فيه؛ لتوفّر شرطه الأساس، وهو وحدة القضيّة المتيقَّنة والمشكوكة مع البقاء، على وفق تعريفه المتقدِّم للاستصحاب بأنّه "الحكم ببقاء حكمٍ أو موضوعٍ ذي حكم شك في بقائه". وعليه، ينطبق تعريف الاستصحاب على الزمان وعلى الأمور التدريجيّة.
ثمّ أفاد (قدّه) أنّ الأمورَ التدريجيّة، وإن تخلّلها عدمٌ ـ كما لو تخلّل كلامَ المتكلِّم في آناتٍ يسيرةٍ سعالٌ أو تنفّسٌ ـ إلّا أنّ ذلك لا يُخلّ بوحدة الكلام عرفًا؛ نعم، قد يفرض فيه خللٌ عقلاً، إلا أنّه غيرُ مُعتدٍّ به عرفًا.
وحيث إنّ الاستصحاب مبنيٌّ وقائمٌ على الإستفادة العرفيّة، دون الدقة العقلية.
وعليه، فهذا الكلامُ يُعدّ مقدّمةً لجواز جريان الاستصحاب في الزمان. وقبل مغادرته (قدّه) لهذا المطلب، تعرّض لمسألة الحركة؛ وهي ممّا ذكره أهلُ المعقول ضمن بعض المباحث العقليّة، حيث بيّنوا ماهيّتَها وحقيقتَها. وقد أرجع صاحب كفاية الأصول البحثَ في خصوص مسألة الحركة إلى مبحثٍ عقلي، فأفاد (قدّه) أنّ أهل المعقول ذكروا للحركة معنيين:
المعنى الأوّل: الحركة التوسّطيّة.
والمعنى الثاني: الحركة القطعيّة.
ثمّ أفاد (قدّه) أنّ الإشكال ـ لو كان ـ في جريان الاستصحاب، فإنّما يكون في الحركة القطعيّة، لا في الحركة التوسّطيّة؛ وذلك لأنّ الحركة التوسّطيّة من الأمور القارّة، ومعناها كونُ المتحرّك ما بين المبدأ والمنتهى، فهذه القطعة الواحدة ـ كالسير من الألف إلى الياء ـ تُعدّ حركةً توسّطيّة تعبّرعن شيءٍ واحد.
وعلى هذا، اعتبرها (قدّه) من الأمور القارّة، وهذا هو رأيه في الحركة التوسّطيّة، وإن لم يكن محلَّ وفاقٍ بين الأعلام؛ إلّا أنّه يرى أنّ الحركة التوسّطيّة داخلةٌ في الأمور القارّة، والأمور القارّة لا نزاع في أصل جريان الاستصحاب فيها، وإنّما النزاع والإشكال إنّما يأتي في الحركة القطعيّة، ومعناها هي عبارة عن هذه الآنات المتصرّمة والموجودة. فهذه الآنات هي التي ينبغي أن يقع فيها النزاع، ومع ذلك فقد قلنا إنّ العدم مأخوذٌ في مفهومها، فمن هذه الجهة أيضًا تُعامَل معاملةَ القار من حيث جواز جريان الاستصحاب فيها.
فإذن، للحركة معنيان:
المعنى الأوّل: الحركةُ التوسّطيّة، وقد عرّفها هو وغيره من الأعلام بأنّها "من المبدأ إلى المنتهى". ويرى (قدّه) أنّ الحركة التوسّطيّة عبارةٌ عن أمرٍ قارّ، وإذا كانت كذلك فهي خارجةٌ تخصّصًا عن الأمور التدريجيّة؛ لكونها أمرًا مستقرًّا ثابتًا، وبذلك ينبغي إخراجها عن محلّ النزاع. وعليه، يكون موردُ البحث والنزاع هو
جريان الاستصحاب في الحركة القطعيّة.
وقد ذهب (قدّه) إلى جريان الاستصحاب فيها، بناءً على ما أسّسه سابقًا في القضايا التدريجيّة، من أنّ الأعدام المتخلِّلة مأخوذةٌ في مفهومها، فلا تكون أعدامًا مخلّةً بالوحدة الاتّصاليّة، بل هي أعدامٌ داخلةٌ في موضوعها وقِوامها، ومن ثَمّ لا تمنع عن جريان الاستصحاب.
ومن هنا يتّضح أنّ صاحب الكفاية (قدّه) خالف الشيخ الأعظم في بعض الموارد، ووافقه في بعضها الآخر.
أمّا جهة المخالفة، فتظهر في جعله الحركةَ التوسّطيّة من الأمور القارّة، وكذلك في أصل دعواه عدمَ وجود نزاعٍ في جريان الاستصحاب في كلا القسمين، مع أنّ الشيخ الأعظم قد ابتدأ بالتصريح بعدم الإشكال في عدم جريان الاستصحاب في الأمور غير القارّة، ثمّ حاول ـ عبر التقريبات المتقدّمة ـ تصحيح جريان الاستصحاب فيها.
وأمّا جهة الموافقة، فقد وافق الشيخَ الأعظم في الأمر الثاني على ترتيب صاحب الكفاية، وهو الأمر الثالث على ترتيب الشيخ الأعظم، أعني: الأمر القارّ إذا قُيِّد بالزمان؛ ثمّ يتعرّض (قدّه) بعد ذلك لتفصيلٍ خاصّ في هذه الجهة. كما سيتعرّض لكلام الفاضل النراقي، ويوافق الشيخَ الأعظم في الإشكال الذي أورده عليه.
ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي (قدّه)، في حاشيته على الكفاية، لمّا وصل إلى كلام صاحب الكفاية في هذا المورد ـ أعني: مسألة الحركة وتقسيماتها ـ أفاد (قدّه) في مضمون كلامه: أنّ هذه المسألة ينبغي إرجاعها إلى محلّها اللائق بها؛ إذ لا يمكن إعطاء هذه المسألة حقّها في هذا الموضع من المباحث الأصوليّة، لكونها خارجةً في حقيقتها عن سنخ الأبحاث الأصوليّة، ومرتبطةً بمباحث فلسفيّةٍ أدقّ، لا يتّسع لها هذا المقام.
ثم قال (قده):
"مع أنّ الانصرام والتدرّج في الوجود في الحركة ـ في الأين وغيره ـ …"([1] ).
تقرير مفاد كلامه (قده) في بيان الحركة: إنّ البحث في حقيقة الحركة ـ كما قرّره أهل المعقول ـ يتوقّف على أُمورٍ ستّة:الأوّل: المبدأ، وهو ما تكون الحركة منه.
الثاني: المنتهى، وهو ما تكون الحركة إليه.
الثالث: العلّة الفاعلة، وهي الموجِدة للحركة.
الرابع: المتحرّك، أي الموضوع الذي تقوم به الحركة، وقد وقع فيه الخلاف بينهم.
الخامس: المسافة، وهي التي تقع فيها الحركة.
السادس: الزمان، وهو الذي تنطبق عليه الحركة.
وبعد إحراز هذه الجهات، قسّموا الحركة إلى حركةٍ قطعيّة وحركةٍ توسّطيّة.
فأمّا الحركة القطعيّة، فحقيقتها ـ على ما ذكروه ـ كون الشيء في كلّ آنٍ في مكانٍ أو حدٍّ غير ما كان عليه في الآن السابق؛ فإن كانت الحركة في الأين، فلابدّ من الانتقال المكاني آنًا فآنًا، وإلّا لزم السكون وعدم صدق الحركة. ومن هذا القبيل حركة السائر من النجف إلى كربلاء، فإنّ مكانه في كلّ آنٍ غير مكانه في الآن المتقدّم، فيتحقّق صدق الحركة حقيقةً.
ولا يختصّ ذلك بالأين، بل يجري في بقية الأعراض؛ فالحركة في الكمّ كحركة الجسم النامي ـ كالشجرة ـ حيث لا انتقال مكاني، لكن يحصل التغيّر الكمّي تدريجًا.
والحركة في الكيف كتحوّل اللون من الخضرة إلى الصفرة شيئًا فشيئًا.
والحركة في الوضع كتحوّل القاعد إلى قائم أو بالعكس.
ثم أضافوا الحركة الجوهريّة، وهي الانتقال من القوّة إلى الفعل. وجميع هذه الموارد ترجع إلى مفهوم الحركة القطعيّة.
وأمّا الحركة التوسّطيّة، فهي غير ملحوظة بهذه الجهات التفصيليّة، بل حقيقتها مجرّد كون الشيء بين المبدأ والمنتهى، من قبيل السائر بين نقطتين، أو كون الشمس بين المشرق والمغرب في النهار، أو بين المغرب والمشرق في الليل.
ومن هنا، عمد صاحب الكفاية (قده) إلى تطبيق هذا المبنى المعقولي على محلّ البحث الأصولي، فاعتبر أنّ الحركة التوسّطيّة أمرٌ قارّ؛ لأنّ كون الشيء بين حدّين حالةٌ واحدةٌ عرفًا، لا تُلحظ فيها التعدّدات الآنيّة بنحوٍ يوجب الانفصال. وعليه، فإذا شكّ في بقائها، أمكن جريان الاستصحاب فيها؛ لصدق بقاء الموضوع عرفًا.
وأمّا الحركة القطعيّة، فمع أنّها مشتملة على آناتٍ يتخلّلها عدمٌ، إلّا أنّ هذه الأعدام ليست أعدامًا مخلّة بالوحدة الاتّصاليّة؛ لأنّ نفس تعريف الحركة قائم على هذا النحو من التدرّج والانصرام. نعم، لو كان العدم عدمًا بديلًا عن الوجود ـ كما إذا تحرّك ثم سكن أو جلس ـ انقطعت الحركة حقيقةً، ولا مجال حينئذٍ لجريان الاستصحاب.
فالحاصل: أنّ مختار صاحب الكفاية (قده) هو أنّ الأعدام المتخلّلة لا تمنع من حفظ الوحدة، سواء كان الاتّصال حقيقيًّا كالزمان، أم عرفيًّا كالحركة والتكلم والمشي ونحوها، وبذلك يصحّ عنده جريان الاستصحاب في هذه الموارد.
لذا قال صاحب الكفاية (قده): "مع أنّ الانصرام والتدرّج في الوجود في الحركة ـ في الأين وغيره، أي باقي المقولات التي تجري فيها الحركة ـ إنّما هو في الحركة القطعيّة، وهي كون الشيء في كلّ آنٍ في حدٍّ أو مكان، لا في الحركة التوسّطيّة؛ إذ لا تدرّج ولا انصرام فيها، بل حقيقتها كونُه بين المبدأ والمنتهى، وهي بهذا المعنى أمرٌ قارٌّ مستمرّ، وهذا المعنى خلاف ما فرضه الشيخ الأعظم".
ثم أردف (قده) قائلًا: "فانقدح بذلك أنّه لا مجال للإشكال في استصحاب مثل الليل أو النهار".
وحاصل مراده (قده): إنّ الليل ـ وكذا النهار ـ وهما زمان، وقد أفاد أنّ الزمان حالُه حالُ الأمور القارّة؛ فإنّ الآنات المتخلِّلة لا تضرّ بوحدته عقلًا، إذ لا يُتصوَّر في نفس الزمان توقّفٌ أو انقطاع. وما نعبّر عنه بالدقائق والآنات إنّما هو اعتبارٌ محض، لا أنّه تقطيعٌ حقيقيّ في متن الزمان. فحقيقة الليل واحدةٌ متّصلة، وحقيقة النهار كذلك، وبذلك لا يبقى مجالٌ للإشكال في جريان الاستصحاب فيهما.
ثم قال (قده): "وترتيب ما لهما من الآثار".وتقرير مراده(قده):إنّ معنى ذلك أنّه إذا شككنا في أنّ الزمان الحالي ليلٌ أو نهار، جاز لنا أن نستصحب الليل إذا كنّا في حال اليقين به، أو نستصحب النهار إذا كنّا في حال اليقين به، ونرتّب عليهما آثارهما الشرعيّة. وهذا بخلاف ما أفاده الشيخ الأعظم (قده)، حيث كان يشكّك في أصل هذا المبنى ـ كما تقدّم ـ ثمّ التزم بأنّه إذا اعتُبر الزمان شيئًا واحدًا فلا مانع حينئذٍ من جريان الاستصحاب فيه، إلّا أنّه فسّر معنى البقاء تفسيرًا خاصًّا.
فإنّ الشيخ الأعظم (قده) يرى أنّ معنى جريان الاستصحاب حال كوننا في الليل أو في النهار ليس هو استصحاب نفس الليل أو النهار بما هما أمران موجودان، بل معناه أنّ الجزء المقابل لم يأتِ بعد؛ إذ الجزء الآتي من الزمان لم يتحقّق، والآنات المتصرّمة قد انقضت، فلا معنى للبقاء الحقيقيّ بالمعنى المتعارف في الأمور القارّة، حيث يكون البقاء استمرار نفس الشيء بعينه. وعليه، يكون معنى "بقاء الليل" عنده هو عدم مجيء النهار بعد، وهذا تصرّفٌ في معنى البقاء لأجل تصحيح جريان الاستصحاب.
وأمّا صاحب الكفاية (قده)، فلا يلتزم بهذا البيان، بل يرى أنّ نفس الليل أو النهار يمكن استصحابه؛ لأنّه في الحقيقة أمرٌ واحدٌ متّصل، حالُه حالُ الأمر القارّ، ولا تضرّ الأنات المتخلِّلة بوحدته واتّصاله. فبناءً على هذا المبنى، يكون الاستصحاب جارياً في نفس الزمان بلا حاجةٍ إلى ذلك التصرّف في مفهوم البقاء.
ثم قال (قده): "وكذا كلّما إذا كان الشكّ في الأمر التدريجي من جهة الشكّ في انتهاء حركته ووصوله إلى المنتهى، أو أنّه بعدُ في البين".
ثمّ بعد فاصلةٍ انتقل إلى مطلبٍ آخر، وهو ما يتعلّق بـ الأمر القارّ المقيَّد بالزمان، فقال (قده): "وأمّا الفعلُ القارّ المقيَّد بالزمان، فتارةً يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده، وأخرى مع القطع بانقطاعه وانتفائه، لكن يكون الشكّ من جهةٍ أُخرى، كما إذا احتُمل أن يكون التعبّد به إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله".
توضيح مرامه (قده): إنّ صاحب الكفاية (قده) وسّع دائرة البحث في مسألة الفعل إذا كان مقيَّدًا بالزمان، فقسّم موارد الشكّ فيه إلى قسمين:
القسم الأوّل: أن يكون الشكّ في الحكم ناشئًا من الشكّ في بقاء القيد الزماني.
كما لو فُرض وجوب الجلوس في المسجد إلى الزوال، فبعد مضيّ زمانٍ نشكّ في وجوب الجلوس؛ لا من حيث أصل الجلوس، بل من حيث الشكّ في تحقّق القيد، أي: هل وصلنا إلى الزوال أم لا؟ فالشكّ في الحكم هنا مسبَّب عن الشكّ في القيد. وبناءً على ما التزم به (قده) من جريان الاستصحاب في الزمان، يمكن تصحيح الحكم باستصحاب عدم الوصول إلى الزوال، فيترتّب عليه بقاء وجوب الجلوس.
القسم الثاني: أن لا يكون الشكّ ناشئًا من القيد، بل مع القطع بارتفاع القيد وانتهائه، إلّا أنّ الشكّ يكون من جهةٍ أُخرى، وهي جهة سعة المطلوب وضيقِه.
وبيان ذلك: أنّ الشارع قد يكون له مطلوب واحد، وهو الجلوس إلى الزوال، بحيث يكون القيد الزماني مقوِّمًا للمطلوب، فإذا ارتفع الزمان ارتفع الحكم لا محالة. وقد يكون له تعدّد مطلوب، بأن يكون الجلوس إلى الزوال مطلوبًا، ومعه مطلوبٌ آخر أصل الجلوس، بحيث تبقى مصلحة مستقلّة في الجلوس حتى بعد الزوال. ففي هذه الصورة، وإن جزمنا بانتهاء القيد الزماني، يبقى الشكّ في بقاء الحكم لاحتمال وجود ملاكٍ آخر مستقلّ.
وبعبارةٍ أُخرى: قد يكون الجلوس مطلوبًا بوحدة المطلوب، مقيدًا بالزمان، وقد يكون مطلوبًا بتعدّد المطلوب؛ أحدهما الجلوس في هذا الزمان الخاص، والآخر أصل الجلوس بنحوٍ مطلق. ونظير ذلك ما لو أُمر بالصوم تارةً بعنوان خاص ـ كالصوم في ليلة النصف من شعبان ـ فيكون مطلوبًا واحدًا مقيَّدًا، وأُخرى يُؤمر بالصيام مطلقًا، فيكون المطلوب أوسع من القيد الخاص.
فالحاصل: أنّ الفعل القارّ المقيَّد بالزمان، قد يكون الشكّ فيه من جهة بقاء القيد، وقد يكون ـ مع القطع بارتفاع القيد ـ من جهة احتمال تعدّد المطلوب وبقاء الملاك، وهذا التفصيل هو الذي أسّسه صاحب الكفاية (قده) في هذا المقام.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]