« فهرست دروس
الأستاذ السيد احمد الصافي
الأصول

47/07/07

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان راي الشيخ صاحب الكفاية/استصحاب الامور التدريجية /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/استصحاب الامور التدريجية /بيان راي الشيخ صاحب الكفاية

كان كلامُنا مع الفاضل النراقي في مسألة جريان الاستصحاب في الأمر القارّ الذات المقيَّد بالزمان، وما تفرّع عليها من مسألة تعارض الاستصحابين، وقد عبّر الشيخ الأعظم عمّا اختاره النراقي بقوله: "التبس الأمر عليه".

وحاصلُ مبنى الفاضل النراقي يبتني على مطلبين:

المطلب الأوّل: إنّ الاستصحاب في الأمر الوجودي يجري، وإن كان متعلّقه أمرًا قارًّا مقيَّدًا بأمرٍ غير قارّ. ففي مثالنا: وجوب الجلوس يوم الجمعة إلى الزوال، فالجلوس أمرٌ قارّ، لكنّه مقيَّد بغايةٍ غير قارّة، وهي الزوال. فإذا شككنا بعد الزوال من يوم الجمعة في بقاء وجوب الجلوس، فقد ذهب الفاضل النراقي إلى جريان استصحاب وجوب الجلوس، إلّا أنّه يرى أنّ هذا الاستصحاب يعارضه استصحاب العدم، أعني: عدم وجوب الجلوس الثابت قبل يوم الجمعة، أي في

يوم الخميس، حيث كان المكلّف غير مكلَّف بالجلوس في المسجد.

وعليه، فإذا استصحبنا وجوب الجلوس الثابت قبل الزوال إلى ما بعد الزوال، مع استصحاب عدم الوجوب الثابت قبل يوم الجمعة، يقع التعارض بين الاستصحابين، ويُحكم بتساقطهما.

المطلب الثاني:إنّ الفاضل النراقي التفت إلى إشكالٍ مفاده: لزوم اتصال زمان الشك بزمان اليقين في جريان الاستصحاب.

وفي المقام، عندنا يقينان:الأوّل، اليقين بوجوب الجلوس يوم الجمعة إلى الزوال.

والثاني، اليقين بعدم وجوب الجلوس (الى الزوال يوم الجمعة) في يوم الخميس.

ولدينا شكّ واحد، وهو الشك في وجوب الجلوس بعد الزوال من يوم الجمعة.

فقد يُقال: إنّ الشكّ بعد الزوال متّصل باليقين السابق عليه، وهو وجوب الجلوس إلى الزوال، فيجري استصحاب الأمر الوجودي. أمّا استصحاب العدم، أعني عدم وجوب الجلوس الثابت في يوم الخميس، فليس متّصلًا بزمان الشك؛ لأنّ بينه وبين الشكّ فاصلًا زمانيًّا، وهو ثبوت الوجوب إلى الزوال.

إلّا أنّ الفاضل النراقي ـ مع تسليمه بكبرى اعتبار اتصال زمان الشك بزمان

اليقين ـ أجاب عن هذا الإشكال، وقرّر: أنّ عدم وجوب الجلوس الثابت قبل خطاب الشارع بالجلوس إلى الزوال، أي في يوم الخميس، يمكن لحاظه على نحوٍ يكون متّصلًا بزمان الشك بعد الزوال؛ إذ كما أنّه لم يكن يجب عليه الجلوس الى الزوال يوم الخميس، فكذلك يشكّ الآن في وجوب الجلوس بعد الزوال يوم الجمعة، فيمكن الرجوع إلى عدم الوجوب.

وبذلك يرى أنّ اتصال زمان الشك بزمان اليقين محفوظ في كلا الاستصحابين:

فاستصحاب الوجوب متّصل باليقين السابق عليه، وهو الوجوب إلى الزوال،

واستصحاب العدم متّصل أيضًا باليقين السابق، وهو عدم الوجوب قبل الجمعة.

ومن هذه الجهة، يتساوى اليقينان بالإضافة إلى هذا الشك، ولا يكون لأحد الاستصحابين مزية على الآخر، فيقع التعارض بينهما من دون مرجّح.

وقلنا: إنّ الشيخ الأعظم عندما علّق على كلام الفاضل النراقي بقوله: "التبس الأمر عليه"، فإنّما أشار إلى منشأ هذا الالتباس، وهو عدم التمييز بين لحاظ الزمان على نحو القيدية ولحاظه على نحو الظرفية.

وبيانُ ذلك: أنّ الزمان تارةً يُلحَظ قيدًا في الموضوع، وأُخرى يُلحَظ ظرفًا لوقوع

الفعل.

فإن كان الزمان مأخوذًا على نحو القيديّة، كان داخلًا في قوام الموضوع، فيكون وجوب الجلوس إلى الزوال موضوعًا مقيَّدًا بحدٍّ خاص.

وعليه، فإذا شككنا بعد الزوال، فلا مجال لجريان استصحاب الأمر الوجودي؛ لأنّ الشكّ حينئذٍ ليس في بقاء الموضوع المتيقَّن، بل في ثبوت حكمٍ لموضوعٍ آخر غير الموضوع السابق، وهذا يرجع في حقيقته إلى استصحاب الكلّي من القسم الثالث، وقد تقدّم البناء على عدم جريانه.

وأمّا إذا كان الزمان مأخوذًا على نحو الظرفية، بمعنى أنّ الوجوب ثابت للجلوس، والزمان ليس إلا ظرفًا لوقوعه، فحينئذٍ يكون استصحاب الأمر الوجودي في نفسه تامًّا، لكن لا مجال لجريان استصحاب الأمر العدمي؛ لأنّ عدم الوجوب السابق ـ الثابت قبل يوم الجمعة ـ لا يكون متّصلًا بالشك اللاحق بعد الزوال بنحوٍ معتبر، لكون الزمان مجرد ظرف، لا جزءًا من الموضوع.

فالمتحصّل: أنّ الأمر يدور بين أحد أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن يُلحظ الزمان قيدًا،

فيمتنع جريان استصحاب الأمر الوجودي،وإمّا أن يُلحظ ظرفًا، فيمتنع جريان

استصحاب الأمر العدمي.

وأمّا البناء على جريان الاستصحابين معًا، كما هو ظاهر تقرير الفاضل النراقي، فهو غير صحيح؛ إذ لا يمكن الجمع بينهما بعد اختلاف لحاظ الزمان، وبهذا يتّضح وجه الالتباس الذي أشار إليه الشيخ الأعظم.

يبقى عندنا قضية التعارض التي أشار إليها الفاضل النراقي، وهي دعواه عدم الممانعة من جريان استصحاب العدم بعد الزوال، وجعله في عرض استصحاب الوجوب، فيقع التعارض بينهما.

إلّا أنّ الشيخ الأعظم أفاد أنّ هذا التعارض غير تامّ؛ لأنّ العدم في المقام يكون مهمَلًا، فلا يكون صالحًا للاستصحاب ، ومع عدم صلاحيته لا يتحقّق التعارض أصلًا.

وذلك لأنّ أدلّة الاستصحاب ـ كقوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشك" ـ إنّما تنظر إلى اليقين المتعلّق بالحكم المجعول، ولا تنظر إلى العدم السابق على الجعل، فكأنّ هذا العدم قد أُهمل في لسان الروايات.

وبيان ذلك: أنّه لو قيل بوجوب الجلوس في المسجد من دون تقييده بزمانٍ خاص،

فمفاد الجعل هو ثبوت الوجوب للجلوس بما هو جلوس في المسجد. فإذا شككنا بعد ذلك في وجوب البقاء في المسجد، كان الشكّ شكًّا في بقاء الوجوب، فيجري استصحاب الوجوب.

وأمّا عدم الوجوب السابق على هذا الجعل ـ أي قبل الأمر بالجلوس ـ فلا يكون موردًا للملاحظة بعد تحقّق الجعل، فلا يصحّ إرجاعه وجعله طرفًا للمعارضة.

وعليه، فمع أنّ الفاضل النراقي بنى على وقوع التعارض بين استصحاب الوجود واستصحاب العدم بعد الزوال، إلّا أنّ هذا التعارض لا يتحقّق؛ لعدم جريان الاستصحاب العدمي في نفسه، فلا يكون في عرض الاستصحاب الوجودي، ولا تصل النوبة إلى تساقط الأصلين.

فالمتحصّل: أنّ المقام ليس من باب تعارض أصلين متكافئين، بل من باب جريان استصحاب واحد بلا معارض، وهو استصحاب الحكم الوجودي.

وبهذا يتمّ الكلام بما يرتبط باستصحاب الأمور التدريجية عند الشيخ الأعظم وما أُورد على الفاضل النراقي من اشكال، مع اتّضاح وجه الالتباس الذي أشار إليه الشيخ الأعظم، وانتهاء البحث إلى عدم تمامية دعوى التعارض، وجريان

الاستصحاب الوجودي بلا معارض.

ووصل بنا الكلام إلى ما أفاده صاحب الكفاية (قده) في المقام ، حيث تعرّض لهذا المطلب، ولعلّه تعرّض أيضًا ـ في ذيل هذا التنبيه ـ لما أفاده الفاضل النراقي. غير أنّه قد سلك مسلكًا آخر في المعالجة، ويظهر من مجموع كلامه نوعُ تعريضٍ بكلام أستاذه الشيخ الأعظم ومخالفةٌ له في المبنى.

وحاصل ما أفاده (قده): أنّه لا يرى فرقًا بين الأمور التدريجية والأمور القارّة في جريان الاستصحاب؛ فكما يجري الاستصحاب في الأمور القارّة، يجري بعينه في الأمور غير القارّة.

كما نلاحظ أنّ صاحب الكفاية لم يُقسّم البحث إلى ثلاثة أقسام كما صنع الشيخ الأعظم، بل قسّمه إلى قسمين:القسم الأوّل: الزمان والزمانيّات.

والقسم الثاني: الأمور القارّة المقيّدة بالزمان.

فالليل ـ بوصفه زمانًا ـ والحركة ـ بوصفها من الزمانيّات ـ يعاملهما معاملةً واحدة، نعم، له كلامٌ خاص في مثال الحركة سيأتي بيانه لاحقًا.

وهنا يَرِد سؤال: حاصله ما هو الملاك في ما أفاده من عدم الفرق بين الأمور

التدريجية والأمور القارة الذات ؟ والجواب: أنّه من جهة تحليل حقيقة الأمور غير القارّة نفسها.

فإنّ الأمور غير القارّة ـ كالزمان، والكلام، والحركة ـ حقيقتها قائمة على التصرّم؛ فالزمان ـ كالليل ـ مؤلّف من آناتٍ متعاقبة، يتحقّق جزءٌ منها ثم ينعدم، ثم يتحقّق جزءٌ آخر، وهكذا. وكذلك الكلام والحركة، فإنّ مفهوم الحركة ـ مثلًا ـ هو الانتقال، ولا يتحقّق الانتقال إلّا بوجود خطوةٍ ثم انعدامها، ثم وجود خطوةٍ أُخرى، إلى أن يتمّ الانتقال. فالتصرّم مأخوذ في حقيقة هذه المفاهيم، بل في ذات تعريفها.

وعليه، فالعدم الموجود في الزمان أو في الحركة ليس عدمًا طارئًا خارجًا عن وجودهما، بل هو جزءٌ مقوِّم من وجودهما. ومن هنا لا يصحّ تصوير عدم مستقلّ في قبال وجود هذه الأمور، ليُقال إنّه عدمٌ يُستصحَب أو يمنع عن الاستصحاب؛ لأنّ الفناء والعدم مأخوذان في حقيقة الزمان والحركة والكلام.

نعم، لو فُرض عدمٌ في مقابل هذا الوجود، فقد يكون ذلك عدمًا مخلًّا عقلاً بوحدة الحركة، وقد لا يكون مخلًّا عرفًا. فمثلًا: إذا تكلّم شخص، فالكلمات توجد ثم تفنى، وتأتي كلمات أُخر، ومع ذلك يُعدّ الكلام واحدًا حقيقة .

بل حتّى لو وقع فصلٌ يسير في أثناء الكلام، كالتنفّس أو السعال، فإنّ هذا لا يخلّ بوحدة الكلام عرفًا.

ومن هنا يدور الأمر بين:وحدة الموضوع حقيقةً وعقلاً، كما في الزمان،ووحدته عرفًا، كما في الكلام والحركة.

والاستصحاب ـ عند صاحب الكفاية ـ مبنيّ على الوحدة العرفية لا على الوحدة العقلية الدقيقة.

نعم، لو وقع فصلٌ طويل في أثناء الكلام، بحيث انصرف العرف عن الكلام الأوّل، فإنّ هذا يُعدّ عدمًا مخلًّا، فإذا تكلّم بعده كان كلامًا جديدًا حادثًا، لا حالةَ سابقةَ له، فلا يجري فيه الاستصحاب.

وعليه، فلا فرق ـ من هذه الجهة ـ بين الأمر القارّ والأمر التدريجي أصلًا، بل قلب صاحب الكفاية المطلب، وجعل تعريف الاستصحاب منطبقًا على الجميع؛ فعرّفه الحكم ببقاء الحكم او الموضوع ذي حكم.

فكما أنّ الزمان يُعدّ باقياً بنظر العرف، كذلك الحركة باقية، وكذلك الكلام

التدريجي باقٍ، ومع هذا البقاء تتحقّق وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة عرفًا، فلا محذور من جريان الاستصحاب فيها.

وبهذا يتّضح مبناه (قده) في عدم التفريق بين الأمور القارّة والتدريجية، وجريان الاستصحاب فيهما على حدٍّ سواء.

نعم، تعرّض صاحب الكفاية لإشكالٍ خاصٍّ أراد بيانه في مسألة الحركة.

فإنّ الحركة ـ بحسب تقرير أهل المعقول ـ لها بحثٌ مستقل، كما يظهر بمراجعة البداية والنهاية في الحكمة للعلّامة الطباطبائي، والأسفار للملا صدرا، حيث تُبحث الحركة ضمن مباحث الجواهر والأعراض.

وعلى تفسير أهل المعقول، كانت الحركة تُفسَّر ـ في الأصل ـ على أنّها تجري في بعض الأعراض من المقولات، كمقولة الأين، والمتى، والوضع، والكم، والكيف.

فمثلًا: نموّ النبتة وزيادة حجمها يُعدّ حركة في مقولة الكم، وتحول الثمرة من اللون الأخضر إلى الأصفر يُعدّ حركة في مقولة الكيف، وانتقال الجالس إلى القيام يُعدّ حركة في مقولة الوضع. ثم إنّ الملا صدرا في الأسفار أضاف الحركة في

الجوهر.

وعلى ضوء هذا التحليل، أفاد صاحب الكفاية أنّ للحركة لحاظين:

اللحاظ الأوّل:الحركة التوسّطية، وهي ملاحظة المتحرك ما بين المبدأ والمنتهى بما هو أمر واحد مستمر. وهذا المعنى قد أشار إليه الشيخ الأعظم أيضًا، وإن لم يعبّر عنه بهذا الاصطلاح الفلسفي المتداول عند أهل المعقول.

اللحاظ الثاني: الحركة القطعيّة، وهي ملاحظة الحركة آنًا فآنًا، حيث يوجد آنٌ ثم يفنى، ثم يوجد آنٌ آخر، وهكذا، فنلاحظ الخطوات واحدةً بعد أُخرى.

وعليه، فلو فُرض ورود إشكالٍ في باب الاستصحاب، فإنّما يُتصوَّر ـ عند صاحب الكفاية ـ في الحركة القطعيّة، لا في الحركة التوسّطية.

وأمّا الحركة التوسّطية، فيراها (قده) أمرًا قارًّا وثابتًا بلحاظ هذا الاعتبار، ومع ذلك ـ وعلى طريقته في الاستصحاب ـ يرتفع الإشكال؛ لأنّ التصرّم مأخوذ في حقيقتها، فلا يكون العدم فيها أمرًا طارئًا خارجًا عن وجودها.

ومن هنا يظهر اختلاف مبنى صاحب الكفاية عن مبنى استاذه الشيخ الأعظم؛

فصاحب الكفاية يرى جريان الاستصحاب بناءً على عدم الفرق بين الأمور القارّة

وغير القارّة.

بينما الشيخ الأعظم ـ في بدء البحث ـ ذهب إلى عدم جريان الاستصحاب في الحركة؛ لعدم تحقّق شرطه، لا من جهة البقاء، ولا من جهة وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة.

فالمسافة بين المبنيين بعيدة جدًّا؛ إذ يرى الشيخ الأعظم المحذور في أصل الجريان، في حين يرى صاحب الكفاية عدم الفرق أصلًا بين الأمور القارّة والتدريجية، ويبني على جريان الاستصحاب فيها جميعًا.

وأمّا رأي صاحب الكفاية، فإنّه لم يُقسِّم الأمور إلى ثلاثة أقسام كما صنع الشيخ الأعظم، بل قسّمها إلى أمرين اثنين فقط؛ إذ دمج الزمان مع الزمانيّات في قسمٍ واحد، وجعل في قبالهما الأمور القارّة.

ولهذا قال (قده): "إنّه لا فرق في المتيقَّن بين أن يكون من الأمور القارّة أو التدريجيّة غير القارّة؛ فإنّ الأمور غير القارّة وإن كان وجودها ينصرم، ولا يتحقّق منه جزءٌ إلّا بعد ما انصرم منه جزءٌ وانعدم إلا أنه ما لم يتخلل في البين العدم ، بل

وإن تخلل بما لا يخل بالاتصال عرفا وإن انفصل حقيقة"([1] ).

ومراده (قده) من قوله: "الأمور القارّة أو التدريجيّة"، أنّ الأمور القارّة هي ما تجتمع أجزاؤه في آنٍ واحد، كوجود زيد؛ فإنّ جميع أجزائه متحقّقة دفعةً واحدة، بحيث يُشار إليه ويقال: هذا زيد.

وأمّا الأمور التدريجيّة، فهي ما لا يمكن اجتماع أجزائها في آنٍ واحد، كالزمان؛ فإنّ أجزاء الليل لا تجتمع، بل ينصرم بعضه ليأتي بعضٌ آخر، ثم يعقبه النهار، وهكذا. وكذلك الحال في المشي؛ فإنّ الخطوات لا تجتمع دفعةً واحدة، بل يوجد اللاحق بعد انعدام السابق.

وعليه، فصاحب الكفاية يرى أنّ هذا التدرّج والانصرام لا يمنع من صدق البقاء عرفًا، ولا يقدح في وحدة المتيقَّن والمشكوك، ومن ثمّ لا يوجب الفرق في جريان الاستصحاب بين الأمور القارّة والأمور التدريجيّة.

ثم قال (قده): "كانت باقيةً مطلقًا أو عرفًا". وتوضيح مراده (قده): أنّ المراد بالبقاء مطلقًا هو البقاء بلحاظ العقل، وأمّا البقاء عرفًا فهو البقاء بلحاظ نظر العرف، فيما إذا وقع تخلّل أو خللٌ في الأجزاء، لكن من دون تحقّق الانفصال العرفي.

وبيانه بالمثال: لو شككنا في أنّ الخطيب هل فرغ من خطبته أو لا؟ فإنّ العرف يرى أنّ الخطبة أمرٌ واحد ما دام الخطيب في مقام الخطابة. فالخطيب نفسه أمرٌ قارّ، فإذا شككنا في عدالته أمكن استصحاب بقائها؛ لكونها أمرًا قارًّا ثابتًا. وكذلك خطبته، فإنّها وإن كانت مؤلّفة من كلمات متعاقبة، إلّا أنّ العرف يعدّها أمرًا واحدًا متّصلًا.

وعليه، فلو تخلّل أثناء الخطبة سعالٌ أو تنفّس، فإنّ هذا لا يوجب انقطاع الخطبة عرفًا، ولا يقدح في وحدتها، بل يعدّ العرف أنّ الاتصال محفوظ، والخطبة باقية. فإذا شككنا بعد ذلك في أنّه هل فرغ من خطبته أو لا، جاز استصحاب بقائها، أو استصحاب كونه مشتغلًا بالخطابة.

وبهذا يتّضح أنّ صاحب الكفاية يعتمد في صدق البقاء ـ الذي هو ركن الاستصحاب ـ على البقاء العرفي، لا على البقاء العقلي الدقيق، وبذلك يُعمّم جريان الاستصحاب إلى الأمور التدريجيّة، كما يجري في الأمور القارّة، ما دامت الوحدة محفوظة بنظر العرف.

ولذلك قال (قده): "إلّا أنّه ما لم يتخلّل في البين العدم، بل وإن تخلّل بما لا يخلّ بالاتصال عرفًا وإن انفصل حقيقة".

ثم قال : "ويكون رفع اليد عنها ـ مع الشك في استمرارها وانقطاعها ـ نقضًا".

وتوضيح مراده (قده): أنّ الميزان في جريان الاستصحاب هو حفظ الاتصال العرفي، لا عدم التخلّل العقلي للعدم. فمتى لم يتخلّل عدمٌ مخلّ بالاتصال عرفًا، بل حتّى لو تخلّل فصلٌ حقيقيٌّ لا يراه العرف قاطعًا للوحدة، فإنّ البقاء يكون محفوظًا بنظر العرف.

وعليه، فإذا شككنا في استمرار ذلك الأمر أو في انقطاعه، فإنّ رفع اليد عن بقائه يُعدّ نقضًا لليقين بالشك، وهو ممّا نهى عنه الشارع في قوله: "لا تنقض اليقين بالشك".

فكأنّ صاحب الكفاية يريد أن يقرّر: أنّ خطاب الشارع في باب الاستصحاب لا يفرّق بين الأمر القارّ والأمر غير القارّ؛ إذ كلاهما يصدق عليه عنوان النقض عند رفع اليد عنه مع الشك، والنقض ـ بهذا المعنى ـ أمرٌ مذموم شرعًا، لم يُرخِّص الشارع فيه.

ومن هنا، فكما لا يجوز رفع اليد عن الأمر القارّ مع الشك في بقائه، كذلك لا يجوز رفع اليد عن الأمر التدريجي ما دامت وحدته محفوظة عرفًا؛ لأنّ الجامع بينهما هو صدق النقض عرفًا، وهو الملاك في النهي الشرعي.

وبذلك يتّضح أنّ صاحب الكفاية جعل مناط جريان الاستصحاب هو صدق النقض عرفًا، لا كون المورد من الأمور القارّة أو التدريجيّة، وبنى على شمول دليل الاستصحاب لكليهما على حدٍّ سواء.

ثم قال (قده): "ولا يُعتبر في الاستصحاب ـ بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها، بل حتّى الإجماع من أدلّته ـ غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعًا".

وتوضيح مراده (قده): أنّ صاحب الكفاية ـ كما تقدّم في صدر مبحث الاستصحاب ـ يرى أنّ تعدّد التعاريف التي ذكرها الأعلام للاستصحاب لا يوجب اختلافًا حقيقيًّا في المضمون؛ إذ إنّ جميعها ترجع إلى معنى واحد، وهو الحكم ببقاء حكمٍ أو موضوعٍ ذي حكمٍ شُكّ في بقائه. فالعبرة ليست بالألفاظ والتعابير، ومن هنا، قرّر (قده) أنّه لا يُعتبر في جريان الاستصحاب ـ لا بحسب تعريفه، ولا بحسب أخبار الباب، بل ولا بحسب دعوى الإجماع ـ سوى أمرين:

الأوّل: صدق البقاء، ولو كان بقاءً عرفيًّا.

والثاني: صدق النقض عند رفع اليد عنه مع الشك.

وبهذا يختلف مسلكه عن مسلك الشيخ الأعظم؛ إذ إنّ الشيخ الأعظم عرّف الاستصحاب بأنّه "إبقاء ما كان"، ومن هنا وقع البحث: هل الاستصحاب هو نفس البقاء، أو هو الحكم بالبقاء؟.

ثم إنّه ينبغي الالتفات إلى أنّ الشيخ الأعظم نفسه وان عبر عن الاستصحاب بـ "إبقاء ما كان" على نحوٍ يغاير ما أفاده صاحب الكفاية، إلا انه فسره بالحكم بالبقاء .

وعليه، فالإبقاء ـ بهذا المعنى ـ عين ما أفاده صاحب الكفاية ومن هنا يظهر أنّ الخلاف بينهما في هذا الجانب قد لا يكون خلافًا جوهريًّا.

والنتيجة، يمكن القول: إنّ الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية يلتقيان في أصل كون الاستصحاب أمرًا تعبّديًّا اعتباريًّا، يرجع إلى الحكم بالبقاء.

يبقى عندنا تنبيهٌ دقيق، قد لاحظه السيد اليزدي سابقًا في غير هذا الموضع، وهو: من أين جاءت لفظة "البقاء" في باب الاستصحاب؟

فإنّ المتتبّع لأدلّة الاستصحاب يلاحظ أنّ الروايات لم تذكر لفظ "البقاء" أصلًا، وإنّما ورد فيها قوله (عليه السلام): "لا تنقض اليقين بالشك". وكذلك دعوى الإجماع إنّما تدلّ على عدم جواز نقض ما كان متيقَّنًا بالشك، لا على التعبير بالبقاء بعنوانه.

وعليه، فلفظة "البقاء" ليست مأخوذة من لسان الدليل، وإنّما هي اصطلاح أصولي استُعمل في مقام التعريف والتقريب.

نعم، لا مانع من استعمال هذه اللفظة ما دامت لا تجرّ إلى محذورٍ علمي أو إشكال. إلّا أنّه لما كانت بعض المحاذير قد تُستفاد من التعبير بالبقاء، عدل بعض الأعلام عن هذا اللفظ، وقالوا: إنّ المستفاد من الروايات هو معنى الاستمرار لا البقاء.

ومع ذلك، فحتى لفظ "الاستمرار" ليس مأخوذًا بخصوصه من لسان الرواية، وإنّما هو تعبيرٌ آخر أُبدل بلفظة "البقاء"؛ دفعًا لبعض الآثار التي قد تترتّب على استعمال لفظ البقاء بالخصوص.

وبالجملة، فالتعبير بالبقاء أو بالاستمرار كلٌّ منهما اصطلاحي، والملاك الواقعي

المستفاد من الدليل هو عدم نقض اليقين بالشك، أمّا ما يترتّب على اختلاف

التعابير من آثارٍ ومناقشات، فسيأتي الكلام فيه لاحقًا إن شاء الله تعالى.

لذا ان صاحب الكفاية قال: "ولا يعتبر في الاستصحاب - بحسب تعريفه وأخبار الباب وغيرها من أدلته - غير صدق النقض والبقاء كذلك قطعا"

وهذا ملخص ما أفاده صاحب الكفاية.

 

وللكلام بقية..

 

[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]

 


[1] - كفاية الأصول، ص٤٠٧.
logo