47/05/25
الاستصحاب الكلي/الاستصحاب الكلي /الأصول العملية
الموضوع: الأصول العملية/الاستصحاب الكلي /الاستصحاب الكلي
تقدّم الكلام في بيان ما ذهب إليه المشهور من الحكم بحرمة الجلد المطروح ونجاسته، ثمّ أورد الفاضل التوني (قده) إشكاله المعروف على هذا المبنى. وبعد ذلك جاء الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) مدافعاً عن رأي المشهور، فأجاب عن إشكال التوني بتأسيس مبنى دقيق، وحاصله: أنّ المذكى يقابلُه غير المذكى، وأنّ عنوان غير المذكى ـ بحسب ما يستفاد من النصوص ـ ينطبق على الميتة؛ لأنّ الميتة أحد مصاديقه الواضحة.
وعليه، فكلّ حكمٍ رتّبه الشارع على الميتة أو رتّبه على غير المذكى يرجع في الحقيقة إلى حكمٍ واحد؛ إذ لا تغاير بينهما بعد تفسير غير المذكى بالميتة. وهذا هو ما اعتمده الشيخ الأعظم في الاستفادة من الروايات، حيث دلّت على أنّ عنوان غير المذكى هو الموضوع لاجتماع الحكمين: الحرمة والنجاسة، بلا تفكيكٍ بينهما. ثمّ نبّه (قده) على أنّ ما ذكره من كون غير المذكى مساوياً للميتة لا ينافي وجود بعض الأحكام التي رتّبتها النصوص مباشرةً على عنوان الميتة؛ لأنّ ذلك من باب ذكر أحد أفراد العام أو أحد مصاديق الكلّي، ولا يقتضي تعدّد الموضوع ولا تعدّد الجهة.
وبهذا الأساس يكون مبنى الشيخ الأعظم (قده) على خلاف ما أفاده الفاضل التوني؛ فإنّ التوني فرّق بين عنوان غير المذكى وعنوان الميتة، وادّعى أنّ لكلٍّ منهما لازماً مستقلاً: لازمٌ في حال حياة الحيوان (قبل أن يموت حتف أنفه)، ولا زمٌ بعد موته.
بينما يرى الشيخ الأعظم أنّ هذا التفكيك غير تام؛ لأنّ الروايات جعلت غير المذكى شاملاً للميتة من غير تعدّد في الموضوع، فيكون ما يترتّب على هذا العنوان حكماً واحداً لا جهتين مستقلّتين.
أمّا الآن فننتقل إلى ما أفاده السيّد اليزدي (قده). وحاصل كلامه أنّ له مطلبين رئيسيين:
المطلب الأوّل: في بيان جريان الأصول العمليّة.
المطلب الثاني: في تحقيق معنى الميتة وما يُراد منها.
وقبل الدخول في تفصيل هذين المطلبين، لا بأس بالإشارة ـ استطراداً ـ إلى أمرٍ مهمّ يتّصل بجانبٍ لغويّ يرتبط بموضوع البحث: فقد تقرّر في علم الأصول أنّ قول اللغوي ليس بحجّة في نفسه، ولكن هذا التقرير يفتح لنا نافذة مفيدة في مقام التحقيق، وإن لم يكن المقام مقامَ تأسيس هذا المطلب، إلّا أنّ الإشارة إليه نافعة.
فنقول: إنّ الرجوع إلى كتب اللغة ينبغي أن يكون إلى المصادر القديمة؛ لأنّ كتب اللغة اللاحقة تعتمد في كثيرٍ من مواردها على كتبٍ أقدم منها، فلا تكون أكثر من مجرّد نَقلٍ عن السابقين. وأهلُ اللغة المتقدّمون بذلوا جهداً كبيراً في استظهار معاني الألفاظ من اللسان العربي القديم، وهو اللسان الذي نزل به القرآن الكريم ووردت به الروايات، ممّا يجعل اعتمادهم أقرب إلى واقع الاستعمال زمن النصوص.
وأمّا الرجوع إلى بعض المعاجم المتأخّرة ـ كـ المنجد أو أقرب الموارد ـ فليس منهجاً علمياً منضبطاً في هذا الباب؛ لأنّ مؤلّفيها ليسوا من أهل التحقيق اللغوي القديم، بل هم ناقلون ومتأثّرون بالمدوّنات المتأخّرة. نعم، بعض المعاجم القديمة ذات نفعٍ بيّن، مثل:
كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، ومقاييس اللغة لابن فارس.
ثمّ ما كتبه المتقدّمون بعدهما كـ الجمهرة والصحاح وأمثالهما.
وينبغي التنبيه إلى أنّ هذه الكتب تُرجَع إليها بوصفها نقلاً عن أهل اللغة الذين عاصروا أو قارَبوا عصر النصوص، لا بوصفها اجتهاداً لغوياً؛ إذ لا مجال للاجتهاد في اللغة بمعنى الاستنباط والنظر، ولذلك اشتهر عند الأعلام: أنّ اللغة تُؤخذ نقلاً لا استدلالاً، فاللغويّ ليس إلا ناقلاً لمعنى اللفظ كما وُضع في استعمال العرب.
وهذه هي النقطة الأولى التي يحسن الالتفات إليها قبل الدخول في تحقيق معنى الميتة وما أراده السيّد اليزدي (قده).
وأمّا النقطة الثانية: فلا بدّ من الالتفات إلى أنّ اللغويّين كثيراً ما تختلط عليهم الدلالات الحقيقية والدلالات المجازية، فالرجوع إليهم لا يكشف ـ في كثير من الأحيان ـ عن التمييز الدقيق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. بل حتى الزمخشري في أساس البلاغة، مع دقّته اللغوية، يذكر المعنى الحقيقي والمعنى المجازي جنباً إلى جنب، من دون ضابطٍ قاطعٍ يُميّز به بينهما؛ لأنّهم في الحقيقة يذكرون الاستعمالات لا الحقائق اللغوية، وربّما يكون الاستعمال المجازي أكثر إستعمالاً ودوراناً من الحقيقي، فيظنّونه هو المعنى الأصلي.
نعم، بعض المؤلّفين حاول أن يضع منهجاً أنسب، وذلك بالرجوع إلى جذور الألفاظ وتحليل اشتقاقاتها، وبيان أصل مادّتها، كما فعل ابن فارس في المقاييس، وهذا المقدار مفيد جدّاً في فهم الأصول الدلالية للكلمات، ولكنّه غير كافٍ وحده في مقام الاعتماد الفقهي.
ثمّ إنّ هذا البحث شيء، والاعتماد على بعض المصادر اللغوية ذات الطابع الفقهي شيءٌ آخر. فلدينا اليوم كتابان مشهوران:
المصباح المنير للفيّومي (من المدرسة الشافعية)،
مجمع البحرين للطريحي (من علماء الإمامية).
وهذان الكتابان ـ وإن كانا نافعَين في لغة الفقهاء ـ إلّا أنّهما ليسا من كتب اللغة المحضة، بل هما في الحقيقة معاجم فقهية تُعنى بالألفاظ المتداولة في الكتب الفقهية، وتشرحها بلحاظ الاستعمال الفقهي، لا بلحاظ وضعها اللغوي الأول. ومن هنا، فاعتبارهما بديلَين عن كتاب العين للفراهيدي أو مقاييس اللغة لابن فارس أمرٌ غير سديد.
ولعلّ الشيخ الأعظم (قده) حين استند في المكاسب إلى المصباح المنير لم يكن يريد الاعتماد عليه من جهة اللغة بما هي لغة، بل لأنّ هذا الكتاب يُبيّن المعاني الفقهية التي يجري استعمالها في أبواب المعاملات، فناسب الرجوع إليه من تلك الجهة.
وبهذا التمهيد يتّضح موقع البحث الآتي؛ فإنّ عنوان الميتة قد ورد في الآيات المباركة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، كما ورد في الروايات، وكذلك عنوان غير المذكى والتذكية. وعليه، أصبحنا بحاجة إلى تحقيق هذه الألفاظ تحقيقاً دقيقاً:
ما معنى الميتة؟وما المراد بـ غير المذكى؟ وما هي حقيقة التذكية في لسان الشارع؟.
وبعد هذا التمهيد ننتقل إلى المطلب الأوّل الذي ذكره السيّد اليزدي (قده)، وهو في مقام ترتيب بعض الأصول العملية على موارد الشكّ، ليتّضح كيف يعالج (قده) حالات الاشتباه بين الميتة و غير المذكى.
قال (قده) "وتحقيقُ المقام أن يُقال: إنّه لا شكّ ولا ريب أنّ المذكّى حلالٌ وطاهرٌ…"([1] ).
وحاصل مراده (قده): أنّ هذا الإطلاق بحاجةٍ إلى تقييد، إذ ليس كلّ مُذَكّى حلالاً شرعاً؛ لأنّ الحيوان غير المأكول إذا أُجريت عليه التذكية الشرعية، فهو وإن أصبح طاهراً، إلّا أنّ أكله محرّم، لكون الحرمة ثابتة بلحاظ نوع الحيوان لا بلحاظ كونه مذكى أو غير مذكى. فالتذكية لا تُنتج الحلّية في جميع الموارد، بخلاف ما قد يُتوهّم من إطلاق العبارة.
ثم قال (قده): "… ويجوز بيعُه والصلاةُ فيه واقعاً، والميتة ـ ويراد منها غير المذكى ـ حرامٌ ونجسٌ، لا يجوز بيعُها ولا الصلاةُ فيها واقعاً".
والمقصود بـ الواقعاً أنّ هذه الأحكام ثابتة في نفس الأمر، لا بلحاظ الأصول العملية. فلو رأى المكلّف حيواناً ميتاً أمامه، فهو بحسب الواقع ميتةٌ نجسة، لا يجوز الانتفاع بها فيما يعتبر الطهارة، ولا الصلاة في جلده. وأمّا الحيوان إذا ثبتت تذكيته فهو طاهرٌ وحلالٌ من حيث الطهارة (ولو كان محرّم الأكل)، فيجوز بيع جلده والصلاة فيه ما دام من الأفراد التي لا تتوقّف طهارتها على كون الحيوان مما يؤكل لحمه.
فإذن، ما أورده السيّد اليزدي هنا تمهيدٌ لإعمال الأصول في موارد الشكّ، بعد بيان حكم الواقع أوّلاً.
ثم قال السيّد اليزدي (قده): "إنّما الكلام في العنوان الذي عُلِّق عليه الحكمُ في لسان الأدلّة".
والمقصود من هذه العبارة: الإشارة إلى منهجٍ مهمّ في عمليّة الاستنباط، وهو أنّ الباحث لا بدّ له ـ قبل الدخول في تفاصيل الأدلة ـ من تهيئة الأصل العملي المناسب للمسألة، ليكون هو المرجع عند فقدان الدليل أو إجماله أو تعارضه.
فأيّ مسألةٍ نريد بحثها يمكن أن نبدأ أولاً بتشخيص المقتضى من الأصول العملية:
فإن كان للموضوع حالة سابقة مستوفية للأركان، أجرينا الاستصحاب.
وإن لم تكن له حالة سابقة، وكانت الشبهة وجوبيةً أو تحريميةً، رجعنا إلى أصل البراءة. وإن كان هناك شكّ في المكلّف به مع العلم بالاشتغال، كان المرجع أصل الاشتغال.
وإن دار الأمر بين محذورين، أو تساوى الطرفان، فربما انتهى الأمر إلى أصل التخيير.
وهذه الأصول قد لا نحتاجها ابتداءً، ولكن إعدادها مسبقاً ضروريّ عند الطروّ؛ إذ قد يثبت عندنا دليل لفظي لكنّه مجمل، أو يكون لدينا دليل لفظي آخر معارض لا يمكن الأخذ به في مقام الاستنباط، فيصبح الأصل العمليّ المرجعَ النهائيّ لتعيين الوظيفة الظاهرية.
ومن هنا، يوضّح السيّد اليزدي (قده) نقطتين أساسيتين:
1- حكم المذكى من حيث الطهارة والجواز.
2- حكم غير المذكى (الميتة) من حيث الحرمة والنجاسة.
وهذا التمييز هو الأساس الذي تبنى عليه الأصول العملية عند وقوع الشكّ في العنوان أو في تحقّقه خارجاً.
ثمّ قال السيّد اليزدي (قده):"حتى يُثمِر في جريان الأصول عند الشكّ…".
ومراده من ذلك: أنّ الفائدة من هذا التمهيد إنّما تظهر عند وقوع الشكّ؛ إذ بمجرّد أن يشكّ المكلّف في تحقّق عنوان المذكّى أو غير المذكى، يكون هذا البحث مقدّمةً لمعرفة مقتضى الأصل العملي في المقام. فلابدّ من تشخيص الأصل العملي المناسب قبل الدخول في مناقشة الأدلّة اللفظيّة، حتى نعرف ـ عند فقد الدليل أو إجماله أو تعارضه ـ ما هو المرجع في مقام العمل.
فهذا منهجٌ استنباطيّ مهمّ، يُلزم الفقيه بأن يُحدّد ابتداءً: هل المقام من موارد الاستصحاب؟ أو البراءة؟ أو الاشتغال؟ أو غير ذلك من الأصول العملية. ثمّ بعد ذلك ينتقل إلى الأدلّة اللفظيّة ليستكشف منها الحكم الواقعي إن أمكن، وإلّا رجع إلى الأصل الممهَّد سابقاً.
ثمّ ذكر السيّد اليزدي (قده) صورة الترديد، فقال: "فإن فُرض تعليق الأحكام الأوّلية ـ من الحلّية والطهارة ـ على عنوان المُذَكّى، كان مقتضى ذلك أنّ المذكى حلال وطاهر. فعند الشكّ في التذكية يُجرى أصل عدم التذكية، فيُحكم بنفي تلك الأحكام وثبوت أضدادها".
ومراده (قده): أنّه متى كان المدار في الحلّية والطهارة على عنوان المذكى، فإذا شككنا في تحقّق التذكية، فالأصل الجاري هو أصالة عدم التذكية، فيُحرز بها عنوان غير المذكى، فيثبت حكمه وهو: عدم الحلّية وعدم الطهارة. وهذا كلّه في
مقام الواقع، لا في مقام الأصول الحكمية.
غير أنّ الشارع المقدّس لم يترك هذه النتيجة على إطلاقها، بل عالجها في موارد مخصوصة، تقدّم بعضها في بحث الفاضل التوني، وذلك بوجود أصول موضوعية تتقدّم على أصالة عدم التذكية، من قبيل:
أولاً: قاعدة سوق المسلمين: فإذا اشترى المكلّف لحماً من سوق المسلمين، وشكّ في تذكيته، فلا تُجرى أصالة عدم التذكية؛ لأنّ السوق أمارةٌ متقدّمة على الأصل.
ثانياً: قاعدة اليد: فإذا كان الجلد أو اللحم في يد مسلم غير مسبوق بيد الكافر، حُكم بالطهارة، ولا تصل النوبة إلى أصالة عدم التذكية.
ثالثاً: صنع في بلاد المسلمين فيما يشترط فيه الطهارة: فإنّ الصناعة في بلاد الإسلام تكون كاشفةً نوعية عن الطهارة، فتقدّم على الأصل أيضاً.
فهذا كلّه يُبيّن أنّ أصالة عدم التذكية لا يُرجع إليها عند وجود هذه القواعد الموضوعية، تماماً كما ذُكر في خاتمة بحث البراءة: فإنّ للبراءة شروطاً وتنبيهات، كما أنّ للاستصحاب شروطاً وتنبيهات. فكما أنّ الأصول الحكمية لا تجري عند تقدّم الأصول الموضوعية، كذلك هنا:
فأصالة عدم التذكية أصلٌ موضوعي، ولذلك يتقدّم على البراءة (الحكمية) في موارد الشكّ في حلّية اللحم.
ومن هنا قال الأعلام: إنّ من أراد إجراء البراءة في شبهة تحريمية ـ كأكل اللحم المشكوك ـ لا يمكنه المضيّ إلى البراءة مباشرة؛ لأنّ أصالة عدم التذكية أصلٌ موضوعي يتقدّم عليها، فيُثبت عدم الحلّية.
وقد طُرق هذا المبحث أيضاً في مباحث الصلاة، لأنّ "عدم جواز الصلاة بجلد الميتة" فرع على إحراز عنوان الميتة أو غير المذكى، فبحثوا هناك تقدّم الأصول الموضوعية على الحكمية.
ولهذا نجد أنّ بعض الكتب الأصولية لم تتعرّض لهذا التفصيل، بينما أورده الأعلام في كتبهم الفقهية، لما له من ثمرةٍ عملية واضحة في أبواب الطهارة والنجاسة واللحم والجلود. والشيخ الأعظم (قده) إنّما ذكره هنا في الفرائد تبعاً للفاضل التوني، وباعتبار حاجة المقام إليه. فالنتيجة: أنّ السيّد اليزدي (قده) إنّما أراد بهذه المباحث تنقيح الأصل العملي في مورد الشكّ بين التذكية وعدمه، وتحديد حدود جريان أصالة عدم التذكية وتمييزها عن موارد تقدّم القواعد الشرعية الأخرى
عليها.
ثمّ أردف السيّد اليزدي (قده) قائلاً: "وكذا إذا فُرض تعليقُ الأحكام الأخيرة على عنوان الميتة"
ومراده: أنّه كما فُرض سابقاً تعليقُ أحكام الحلّية والطهارة على عنوان المُذَكّى، كذلك يمكن فرضُ تعليق أحكام النجاسة والحرمة على عنوانٍ آخر، وهو عنوان الميتة. فعندئذٍ تكون العلّة في الحكم بالحرمة والنجاسة هو عنوان الميتة نفسُه، لا عنوان عدم التذكية.
فالموضوع ـ على هذا الفرض ـ ليس هو عدم التذكية بوصفه أصلاً موضوعياً، بل هو الميتة بما هي ميتة؛ ولذا يُحكم بأنّ هذا الشيء نجسٌ؛ لأنّه ميتة، وحرامٌ؛ لأنّه ميتة. فيتبيّن أنّ عنوان المذكى عنوانٌ مستقلّ، وعنوان الميتة عنوانٌ آخر مستقلّ، ولكلٍّ منهما أحكامه الخاصّة.
ثمّ قال السيّد اليزدي (قده): "فعند الشكّ تجري أصالة عدم الموت حتف الأنف ـ أيضاً على الميتة لا على غير المذكى ـ فيُحكم بسلب تلك الأحكام وثبوت أضدادها. ومن هنا يُعلَم أنّه لو عُلِّقت الأحكام الأُولى على عنوان المذكى…".
وحاصل مراده (قده): أنّه كما أنّ عنوان المذكى يمكن إحرازه بأصالة عدم التذكية عند الشكّ، كذلك عنوان الميتة يمكن نفيه بأصالة عدم الموت حتف الأنف. فكلٌّ من العنوانين ـ المذكى و الميتة ـ حقيقة وجودية مستقلّة، وهما صفتان متقابلتان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً، ولا يمكن حمل إحداهما على الأخرى؛ فلا يُقال: "المذكى ميتة"، ولا: "الميتة مذكى". فهما عنوانان متضادان.
وبالتالي، فعند الشكّ في تحقق أحدهما، يكون المرجع أصالة عدم التذكية لنفي عنوان المذكى، وأصالة عدم الموت حتف الأنف لنفي عنوان الميتة، وكلاهما من باب الاستصحاب الموضوعي.
فالمقام إذن يشتمل على أصلين موضوعيين مستقلّين، كلٌّ منهما ينفي أحد العنوانين، ويترتّب على نفي كلّ عنوانٍ الحكمُ الخاصّ به:
نفي عنوان المذكى يترتب عليه عدم ثبوت أحكام الحلّية والطهارة.
ونفي عنوان الميتة يترتب عليه عدم ثبوت أحكام النجاسة والحرمة.
وهذا يُظهر بوضوح أنّ تغاير العنوانين يستلزم تغاير الأصلين.
ثمّ قال السيّد اليزدي (قده): "والأحكام الأخيرة على عنوان الميتة، يتعارض
الأصلان من الجانبين، فلا بدّ من الرجوع إلى أصلٍ آخر يكون هو المرجع".
وحاصل مراده (قده): أنّ كلا العنوانين ـ المذكى و الميتة ـ صفتان وجوديتان متقابلتان، فلا يثبت أحدهما بنفي الآخر؛ لأنّ إثبات أحد الضدّين بنفي ضده من الأصل المثبت، وهو غير جارٍ في باب الأصول العملية.
فإذا شككنا في أنّ هذا الحيوان مذكى أو لا:
1- إجراء أصالة عدم التذكية لا يثبت كونه ميتة؛ لأنّ نفي التذكية لا يلازم ـ شرعاً ـ ثبوت الموت حتف الأنف، وإثبات ذلك يكون من الأصل المثبت. نعم، أقصى ما يثبت هو أنّه ليس بمذكى، فيترتب عليه عدم ثبوت أحكام الطهارة والحلّية.
2- وإجراء أصالة عدم الموت حتف الأنف لا يثبت كونه مذكى؛ لأنّ نفي عنوان الميتة لا يساوق عرفاً ولا شرعاً ثبوت التذكية. فيثبت بهذا الأصل فقط أنّه ليس بميتة، ولا يثبت طهارته ولا حلّيته.
فإذا أجرينا الأصلين معاً، فهما كالآتي:
أصل عدم التذكية يثبت عدم الطهارة وعدم الحلّية.
وأصل عدم الميتة لا يثبت الطهارة ولا الحلّية، بل ينفي النجاسة والحرمة فقط.
وحيث إنّ أحد الأصلين يمنع ترتّب آثار الأصل الآخر، والآخر يمنع ترتّب آثار الأول، يقع بينهما التعارض الكامل؛ لأنّهما بمنزلة أصالة عدم البياض في قبال أصالة عدم السواد: فكلٌّ منهما ينفي أحد الضدّين، ولا يوجد مرجّح لتقديم أحدهما على الآخر، وإلّا لزم ترجيح بلا مرجّح.
ومتى تحقق هذا النوع من المعارضة، كانت النتيجة: تساقط الأصلين؛ فلا تعمل أصالة عدم التذكية، ولا تعمل أصالة عدم الميتة.
ومع سقوطهما لا بدّ، كما قال (قده)، من الرجوع إلى أصلٍ آخر يكون هو المرجع النهائي في المقام.
فبعد تساقط الأصلين، يكون المرجع هو الأصل الآخر المناسب لمورد الشكّ.
فإذا شككنا في اللحم مثلاً: هل هو طاهر أو نجس؟ فالمرجع حينئذٍ أصالة الطهارة؛ لأنها أصلٌ مستقلّ لا معارض له بعد سقوط أصالة عدم التذكية وأصالة عدم الميتة. وأمّا من جهة كونه حلالاً أو حراماً، فلا يصحّ التمسّك بـ أصالة عدم التذكية؛ لأنها قد سقطت بمقارنتها لأصالة عدم الميتة، والساقط لا يعود. ومع ذلك قد يُقال: يمكن إجراء أصالة عدم التذكية في خصوص باب اللحم، فنحكم بأنّه طاهر (بأصالة الطهارة) وحرام (بأصالة عدم التذكية).
إلّا أنّ هذا الوجه قابل للمناقشة، كما سيأتي بيانه.
ثمّ إنّ السيّد اليزدي (قده) بعد أن عرض هذا التقريب، نبّه إلى أنّ تمام ما ذُكر إنّما هو في مقام التصوّر وتحديد ما يقتضيه كلّ عنوان من حيث القاعدة.
أمّا في مقام العمل، فالعبرة بما رتّبه الشارع من الأحكام: هل علّقها على عنوان الميتة أو على عنوان المذكى؟ إذ يختلف الحكم العملي باختلاف العنوان المأخوذ موضوعاً في لسان الدليل.
ثمّ قال السيّد اليزدي (قده) بعد ذلك: "وهو أنّ المراد من الميتة على تقدير كون الحكم معلَّقاً عليها…".
والمقصود من عبارته: أنّ المُذَكّى قد تقدّم تعريفه، وهو إمّا أن يُجعل عنواناً مركّباً من أمور متعدّدة: قطع الأوداج الأربعة، واستقبال القبلة، والذبح بالحديد، وكون الذابح مسلماً، فحينئذٍ إذا انتفى واحدٌ من هذه الأجزاء انتفى المركّب كلّه؛ وإمّا أن تُجعل التذكية أمراً بسيطاً متولّداً من مجموع هذه الأمور، فتكون تلك الأمور
مقدّماتٍ لتحصيل التذكية، لا أنّها هي التذكية نفسها.
ونظير ذلك ما يقال في الطهارة: فتارةً تُعرَّف الطهارة بأنّها نفس غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، فهي مركّب من هذه الأفعال؛ وتارةً يُقال إنّ الطهارة أمر بسيط يتحقّق بعد الإتيان بهذه الأفعال، وهذه الأفعال ليست هي الطهارة عيناً، بل هي المحصِّلة لها.
وكذلك الحال في باب التذكية: فهذه الأفعال المخصوصة ليست هي عنوان التذكية، بل هي المُحصِّلات لها، وبعد انتهائها يتحقّق عنوان المذكّى.
وبناءً عليه: فإنّ عنوان المذكّى بات واضحاً ومعلوماً من جهة حقيقته وآثاره.
وأمّا عنوان الميتة، فما هو؟.
وهذا هو المبحث الذي أراد السيّد اليزدي الانتقال إليه بعد فراغه من بيان حقيقة التذكية.وللكلام بقية .. [ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]