47/05/24
الاستصحاب الكلي/الاستصحاب الكلي /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/الاستصحاب الكلي /الاستصحاب الكلي
ما زال الكلام في الإشكال الذي ذكره الفاضل التوني(قده) على المشهور، ثم جاء الشيخ الأعظم(قده) ليُدافع عن المشهور، فاستشهد ببعض الآيات المباركة الدالّة على مقصوده. ومن تلك الآيات ما ورد في سورة المائدة، قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ…﴾([1] ) وقد استثنت الآيةُ التذكية من جملة المحرّمات المذكورة.
كما ذكر الشيخُ الأعظم(قده) جملةً من الروايات الواردة في إرسال الكلاب المعلّمة إلى الصيد، حيث نُهي عن أكل ما إذا دخل مع الكلاب المعلّمة كلبٌ لا يُعرَف؛ لأنّ الكلابَ المعلّمة هي وسيلةُ التذكية الشرعية، وأمّا الكلبُ الغريب فبما أنّه غير معلومٍ هل هو معلّم أم لا، ورد النهيُ عن الأكل منه. إذن، يظهر من مجموع الآيات المباركة ومن الروايات الواردة في باب الصيد والذبائح أنّ العبرة في باب الحلّية والحرمة إنّما هي بالتذكية المعتبرة شرعاً، لا بمجرّد عدم العلم بالميتة ولا بأيّ عنوانٍ آخر. فالتذكيةُ هي الحدّ الفاصل بين الحلال والحرام، وهي الميزان الذي رتّبه الشارع لتمييز ما يجوز أكله عمّا لا يجوز وعليه، فالدليلان ــ الآية والروايات ــ يُفيدان بوضوحٍ أنّ موضوع الحلّية هو وجود التذكية، وموضوع الحرمة هو عدمها.
وذكرنا في الدرس السابق أنّ محلّ الكلام يشتمل على مطلبين مستقلّين:
الأول: حرمة الأكل.
الثاني: النجاسة.
وقد أوضحنا أنّ العلاقة بينهما ليست علاقة التساوي؛ فربّ شيءٍ يكون محرَّماً ولا يكون نجساً، كما في التراب وبعض الموجودات المحرّمة أكلاً.
فالآية الشريفة اقتصرَت على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم﴾، فهي بصدد بيان الحرمة فقط، والروايات الواردة في باب الذبائح دلّت على أنّ المورد غيرُ مُذَكّى؛ وهذا أيضاً يثبت جهة الحرمة. غير أنّ هذا المقدار ـ مع كونه تامّاً في بابه ـ لا يكفي في مقابل إشكال الفاضل التوني(قده)؛ لأنّ التوني يفرّق بين الجهتين، فيرى أنّ
الحرمة ترجع إلى عنوانٍ، والنجاسة ترجع إلى عنوانٍ آخر، ولا ملازمة بينهما.
ومن هنا يمكن القول: إنّ ما استدلّ به الشيخ الأعظم(قده) إلى الآن يُثبت الحرمة فقط، لأنّ: عنوان غير المذكى يلازم حرمة الأكل، ولكن النجاسة أمرٌ آخر لا يثبت بمجرّد عدم التذكية.
وبعبارة أوضح: غيرُ المذكى حرام الأكل، ولكنّ هذا لا يستلزم كونه نجساً شرعاً، لأنّ النجاسة تحتاج إلى موضوعٍ خاص دلّ الدليل على تعليقها عليه، وهو عند الفاضل التوني ـ كما سيأتي ـ عنوان الميتة بمعنى ما مات حتف أنفه. وهذا العنوان لا يثبت من مجرّد عدم التذكية.
وعليه: فرأيُ الشيخ الأعظم في باب الحرمة تامّ، أمّا في باب النجاسة فالمقام يحتاج إلى دليلٍ مستقلّ، إذ المطلوب إثبات أنّ غير المذكى حرامٌ ونجس معاً، وهنا يقع محلّ مطالبة الفاضل التوني للشيخ الأعظم بالدليل.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ الفاضل التوني ذهب إلى أنّ النجاسة متوقّفةٌ على عنوان الميتة، والميتةُ عنده هي ما مات حتف أنفه. أمّا مجرّد كونه غيرَ مُذَكّى فلا يكفي لإثبات أنّه مات حتف أنفه. وهذا نظير ما لو وجدنا جلداً مطروحاً في بلاد المسلمين؛ فإنّ المشهور يقولون بوجود أصلٍ موضوعي، وهو أصالة عدم التذكية، فيحكمون بالحرمة والنجاسة معاً.
غير أنّ الفاضل التوني اعترض، وقال: نعم، هذا الجلد المطروح غيرُ مُذَكّى، فتثبت منه الحرمة، ولا إشكال في ذلك، ولكنّكم تريدون من عنوان غير المذكى أن تُثبتوا عنوان الميتة، والميتةُ هي النجسة. وهذا ـ في نظره ـ من الأصل المُثبِت الذي ليس بحجّة، كما تقدّم بيانه سابقاً.
ثم جاء الشيخ الأعظم(قده) فأجاب، واستشهد بالآية المباركة: ﴿إلّا ما ذكيتم﴾، كما ذكر رواية الإمام الصادق(عليه السلام) الدالّة على اشتراط التذكية. غير أنّا نقول للشيخ الأعظم: إنّ هذه الآيات والروايات ـ مع تماميتها في محلّها ـ لا تُعارِض ما أفاده الفاضل التوني، لأنّ مفادها منحصرٌ في حرمة الأكل، ولا تتعرّض لجهة النجاسة.
وعليه، يبقى إيراد الفاضل التوني قائماً؛ فهو إلى الآن يطالب بالدليل على النجاسة، لا على الحرمة، إذ الدليل المذكور لا ينهض لإثبات هذا الجانب.
إلّا أنّ الشيخ الأعظم(قده) كان ملتفتاً إلى هذا الإشكال، ولذلك عبّر بتلك العبارة حيث قال: "ولا ينافي ذلك ـ الدليلُ على الحرمة والنجاسة من عدم التذكية ـ ما دلّ على كون حكم النجاسة مرتباً على موضوع الميتة بمقتضى أدلّة نجاسة الميتة؛ لأنّ الميتة عبارةٌ عن كلّ ما لم يُذكّ، لأنّ التذكية أمرٌ شرعيٌّ توقيفي، فما عدا المذكى ميتة"([2] ).
وتوضيح مراده(قده): إنّ الشيخ الأعظم يعترف بأنّ الميتة موضوعٌ لحكم النجاسة، وأنّ عدم التذكية موضوعٌ لحكم الحرمة؛ فصار عندنا موضوعان وحكمان: موضوع عدم التذكية، وحكمه الحرمة.
وموضوع الميتة، وحكمه النجاسة.
ومن جهة التبويب نقول: إنّ غير المذكى حكمه الحرمة، والميتة حكمها النجاسة. لكنّ السؤال هو: متى نحكم بالحرمة والنجاسة معاً؟
الجواب: إذا تحقّق الموضوعان مورداً، أي إذا كان الشيء غير مذكى وفي الوقت نفسه ميّتةً. وهنا نحتاج إلى معرفة حقيقة كلٍّ من المذكى و الميتة؛ فإن كانا أمرين وجوديين ودارت بينهما المقابلة، كان بينهما تضادّ، بمعنى أنّ التذكية أمر وجودي، والميتة أمر وجودي، ولا يجتمعان ـ وسيأتي بحثه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
لكنّ السؤال الذي يتوجّه هنا إلى الشيخ الأعظم هو: إنّ الفاضل التوني أصلُ إشكاله في هذا بالضبط؛ إذ يقول: إنّكم لا تستطيعون الانتقال من عنوان غير المذكى إلى عنوان الميتة؛ لأنّ الثاني هو الموضوع للنجاسة، وإثباته من خلال الأوّل يكون من الأصول المثبتة.
وقد أجاب الشيخ الأعظم(قده) قائلاً: "لا ينافي ذلك…" أي: إنّ ما قرّره من أنّ غير المذكى نجس لا ينافي كون موضوع النجاسة في الروايات هو الميتة. أو بتعبير آخر: إنّ كون الميتة نجسة لا ينافي كون غير المذكى نجساً أيضاً.
والسؤال هو: لماذا لا ينافي؟ وهذا هو بيتُ البحث.
فأجاب(قده): "لأنّ الميتة عبارةٌ عن كلّ ما لم يُذكّ". فكلّ ما لم يتحقّق فيه التذكية ـ وهي أمر شرعيٌّ توقيفيّ ـ فهو ميتة. فما عدا المذكى يدخل تحت عنوان الميتة.
إلّا أنّنا نقول: إنّ تعبير الشيخ الأعظم (الميتة عبارة عن كلّ ما لم يُذكّ) هل هو من باب الترادف؟ بمعنى أنّ الميتة و غير المذكى عنوانان لمعنى واحد؟ أم ليس من باب الترادف، بل هو من باب توسعة الموضوع الشرعي، باعتبار أنّ تعدّد الموضوعات إنّما يكون بلحاظ آثارها، فإذا اتّحد الأثر، كان التعدّد اختلافاً في التعبير؟
فهذا غير المذكى حرامٌ ونجس، والميتة كذلك حرامٌ ونجس، فيكون معنى كلام الشيخ الأعظم أنّ كلّ ميتةٍ هي غير مذكى، وأنّ غير المذكى هو بعينه الميتة. وهذه دعوى منه(قده)، وبعدها يأتي البحث في تحقيق حقيقة الميتة وما هو مفادها الشرعي.
وذلك لأنّ عنوان الميتة قد ورد في الآية المباركة، والألفاظُ التي تَرِد في الآيات الشريفة أو في الروايات يحتاج الفقيه إلى فهمِ مصطلحها الشرعي. وقد بيّنا سابقاً أنّ بعض المصطلحات قد تولّى الفقهاءُ بيانَها، فلا يُتوقّف كثيراً عند نفس الألفاظ ، بل تبقى اصطلاحاتٍ فقهية، من قبيل الشبهة غير المحصورة؛ فإنّ هذا التعبير غير واردٍ في آيةٍ ولا رواية، وإنّما هو اصطلاحٌ فقهـيّ يُفهَم من خلال استعمالات الفقيه. وأمّا في المقام، فبما أنّ الآيةَ الشريفة تناولت الميتة، فنحتاج أن نعرف: ما هي الميتة؟ كما أنّ الآية نفسها قالت: ﴿إلّا ما ذكيتم﴾، فالتذكيةُ أيضاً وردت في النصّ المبارك، فيلزم معرفة: ما هي التذكية؟ وما هو عدم التذكية؟ وما هو غير الميتة؟ فهذه كلّها أمورٌ لابدّ من تحديد مفاهيمها أوّلاً.
وقد بيّن الشيخ الأعظم ذلك، فقال(قده): "لأنّ الميتة عبارةٌ عن كلّ ما لم يُذَكَّ"، ثم علّل بقوله: "لأنّ التذكية أمرٌ شرعيٌّ توقيفي، فما عدا المذكى ميتة". وإذا أردنا توسيع عبارته ـ وهي دقيقة ـ نقول: إنّ التذكية بما أنّها أمرٌ شرعيٌّ توقيفي، فقد تكون لبعض الديانات تذكية، لكنّها تختلف عن تذكية المسلمين بحسب عقيدتنا؛ إذ يشترط عندنا أن يكون الذابحُ مسلماً، وأن تُقطع الأوداج الأربعة، وأن يُستقبل القبلة، وتُذكر التسمية، وغير ذلك من الشروط.
وعليه، يكون مفاد كلام الشيخ الأعظم أنّه "فما عدا المذكى يكون ميتة"، أي إنّ كلّ حيوانٍ غيرُ مذكى فهو ميتة. وبهذا يجتمع العنوانان، ويكون الفرق بينهما مجرّد اختلافٍ في التعبير. فيصحّ أن نقول: الميتة هي غير المذكى، وغير المذكى هو الميتة.
وبناءً على ذلك، فالشيخ الأعظم ملتفتٌ إلى أنّ بعض الروايات علّقت النجاسة على عنوان الميتة، فلا مانع من هذا التعبير؛ لأنّ النتيجة واحدة: كلّ ما لم يُذَكَّ فهو ميتة.
ثم قال الشيخ الأعظم(قده) بعد ذلك: "والحاصل: أنّ التذكية سببٌ للحلّ والطهارة، فكلّما شُكَّ فيها أو في مدخليّة شيءٍ فيها، فأصالة عدم تحقّق السبب الشرعي حاكمةٌ على أصالة الحلّ والطهارة".
وبذلك يكون قد أكمل تقرير رأيه المنسجم مع المشهور. غير أنّه عقب بكلمةٍ دقيقة، فقال(قده): "لكن الإنصاف: أنّه لو عُلِّق حكم النجاسة على ما مات حتف أنفه ـ لكون الميتة عبارة عن هذا المعنى كما يراه البعض…".
ومحصل كلامه (قده): أنّ فرض المسألة يتصوّر على ثلاثة فروض:
الفرض الأوّل: اجتماع شروط التذكية كاملةً: الذابح مسلم، وقطع الأوداج الأربعة، والتسمية، واستقبال القبلة. فيتحقّق عنوان المذكّى.
الفرض الثاني: تحقّق أكثر الشروط، لكن تخلّف شرطٌ منها، كترك الاستقبال عمداً. فهنا لا تتحقّق التذكية، فيُحكم بالعنوان: غير مذكّى.
الفرض الثالث: موت الحيوان قبل الذبح، فيُطلق عليه عنوان الميتة.
وعلى مبنى القائلين بالتعدّد، يكون عنوان غير المذكى في الفرض الثاني مبايناً لمفهوم الميتة في الفرض الثالث، لأنّ الميتة ـ بحسب تعريفهم ـ هي: الحيوان الذي مات حتف أنفه، بخلاف مورد عدم التذكية الناشئ عن فقدان شرطٍ من شروط التذكية. فالعنوانان مختلفان حقيقةً.
وبناءً على هذا المبنى، تكون "الميتة" عنواناً وجودياً، ومتعلّق النجاسة شرعاً هو هذا العنوان الوجودي. فإذا رأينا شاةً ميتةً في الطريق، فمجرّد رؤيتها بهذا الحال لا يُثبت أنّها ماتت حتف أنفها؛ إذ يحتمل أن تكون مخنوقة، أو مفترسة، أو ماتت بسببٍ آخر. فالتعبير بـ"الموت حتف الأنف" تعبير وجودي، يحتاج إلى إحراز، ولا يكفي مجرّد الشكّ.
فإذا كانت "الميتة" صفة وجودية، أمكن التمسّك بأصالة عدمها. فحين نشكّ في كون الحيوان قد مات حتف أنفه، تجري أصالة عدم ذلك، فلا يحكم بالنجاسة. نعم، هو غير مذكى، لأنّ التذكية تحتاج إلى إحراز، والأصل عدمها، فيحكم بالحرمة. وأمّا النجاسة فلا تثبت؛ لأنّ موضوعها ـ وهو الموت حتف الأنف ـ مشكوك، ومع الشك يجري استصحاب عدم تحقّقه.
ومن هنا، يجتمع في مثل هذا الحيوان حكمان:
الحرمة: لعدم إحراز التذكية واستصحاب عدمها.
والطهارة: لعدم إحراز الموت حتف الأنف واستصحاب عدمه فيكون الحيوان حراماً وطاهراً، وبهذا ينتصر الفاضل التوني(قده)، لأنّ أصل إشكاله قائمٌ على أنّ "الميتة" ليست هي "غير المذكى"، بل هي خصوص ما مات حتف أنفه.
ولهذا قال الشيخ الأعظم(قده) بصراحة:
"والإنصاف… أشكلُ إثباتُ الموضوع ـ أي الميتة، وهو الموت حتف الأنف ـ بمجرد أصالة عدم التذكية؛ وهي لا تثبت الموت حتف الأنف… لأنّ عدم التذكية السابق حال الحياة، المستصحب إلى زمان خروج الروح، لا يثبت كون الخروج حتف الأنف. فيبقى أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللحم ـ وهو الموت حتف الأنف ـ سليمةً عن المعارض، وإن لم يثبت به التذكية".
فهذا معنى "الإنصاف" عنده(قده). ثمّ بعد ذلك حرّر المطلب، وبيّن أنّ تعريف "الميتة" ليس هو "الموت حتف الأنف"، بل هو عدم التذكية، فيعود وينتصر للمشهور. نعم، يبقى هذا متوقّفاً على فهم حقيقة "الميتة" شرعاً، ولهذا نحيل إلى ما سيذكره السيد اليزدي(قده) في حاشيته على الرسائل، حيث تعرّض لتحقيق معنى "الميتة" كما سيأتي لاحقاً إن شاء الله تعالى.