47/05/18
الاستصحاب الكلي/الاستصحاب الكلي /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/الاستصحاب الكلي /الاستصحاب الكلي
لا زال الكلامُ في ما أفاده الفاضلُ التونيّ (قدِّه) من إشكالٍ على ما أفتى به المشهور من نجاسة الجلد المطروح مع عدم وجود إمارات التذكية. وقد بيَّنّا في الدرسِ السابق أنّ المدرك لفتواهم بالنجاسةِ ، هو أصالةُ عدمِ التذكية.
وبيَّنّا أيضًا أنّ الأصولَ الموضوعيّة تتقدَّم على الأصولِ الحكميّة، وهي مسألةٌ معروفةٌ وواضحةٌ عند أهلِ الفنّ، وقد ذُكرت في تنبيهاتِ البراءة، فالأصلَ الموضوعيَّ يُقدَّم عند المعارضة؛ لأنّه ناظرٌ إلى إحرازِ الموضوع، بخلافِ الأصلِ الحكميِّ الذي ينظر إلى الحكمِ بعد فرضِ ثبوتِ الموضوع.
وقد تصدى الفاضلُ التونيّ (قدِّه) إلى هذا المطلب، فحلّلهُ تحليلًا دقيقًا أراد من خلاله أن يُخطِّئَ المشهورَ في مسلكهم. وقد ذكرنا أنّ كلامَه يمكن أن يُحمَل على أكثر من وجه : فقد يُرادَ به كون استصحاب عدم التذكية في المقام من نحو الصورة الثانية من استصحابُ الكلّي من القسم الثالث التي حكم الشيخ بعدم جريان الاستصحاب فيها، كما فهم ذلك الشيخُ الأعظمُ (قدِّه) حيث نقل كلامه في بحث
القسم الثالث من استصحاب الكلي وجعله مما يُناسِب المقام.
فأشكاله على فتوى المشهور حينئذ من جهة عدم بقاء الموضوع وتبدله، ومن المعلوم ان تبدّلِ الموضوعِ مانعِ من جريانِ الاستصحاب لعدم تحقق أركانه وهي اليقين بالحدوث والشك في البقاء فيكون الشك بالتذكية في المثال شك في الحدوث لا في البقاء.
او أن يُرادَ به ان الأصلِ المتمسك به من جانب المشهور من نحو الأصل المثبت وهو ليس بحجة، فإن الحكمَ بالنجاسةِ مترتّبٌ على ملازِمٍ المستصحبِ لا على المستصحبِ نفسه.
وقد وصفَ بعضُ الأعلامِ كلام الفاضلِ التونيّ بشيءٍ من التشتّتِ أو عدمِ الانسجام، إلّا أنّ الأقربَ إلى مراده هو ما ذكرناه. وعلى أيّ حال، فإنّ المقصودَ الآن هو فهمُ مرادِ الفاضلِ التونيّ (قدِّه) على وجهٍ دقيقٍ ينسجمُ مع كلامه ومبناه.
والآن لا بُدَّ أن نتوجَّه إلى كلامِ الفاضلِ التونيّ (قدِّه) لنفهمَ مفادَه بدقّة؛ فإنّ حاصل كلامِه أنّ الحيوانَ لا يخرجُ عن حالتين: إمّا أن يكون حيًّا، وإمّا أن يكون ميتًا، ولا ثالثَ لهما. والمقصود من الميت هنا هو الذي ماتَ حتفَ أنفِه، سواءٌ أكان
بسببِ مرضٍ أم بافتراسِ سبعٍ أو نحوِ ذلك من أسبابِ الموت غير الشرعيّة.
ثمّ أفاد (قدِّه) أنّ عدمَ التذكيةِ لازمٌ أعمّ، أي إنّه يصدقُ على فردين؛ فهو من اللوازمِ المشتركة بين الحيّ والميت، نظير وصفِ الماشي، فإنّ الماشيَ يمكنُ أن يكون وصفا للانسان وهو الحيوان الناطق، كما يمكنُ أن يكون وصفا للحيوان الأعجم وهو الصامتُ. فلو رأينا من بعيدٍ حركةً أو سمعنا صوتَ مشيٍ، لا يصحُّ أن نحكمَ أنّه إنسانٌ؛ لأنّ هذا الوصفَ لا يختصُّ به، بل يشاركه فيه غيرُه.
وعلى هذا القياس، يرى (قدِّه) أنّ عدمَ التذكيةِ لازمٌ أعمّ أيضاً، فهو لازمٌ للحيوانِ الحيّ، بحيث يمكن أن يُشار إليه ويقال: هذا غيرُ مذكّى، كما أنّه لازمٌ للحيوانِ الميت الذي ماتَ حتفَ أنفِه، فيُقال كذلك: هذا غيرُ مذكّى.
وإذا أردنا تطبيقَ ذلك، فكما لو كانت عندنا شاةٌ حيّة وبجانبها شاةٌ ميتة، فإنّنا نستطيع أن نشيرَ إلى الحيّة فنقول: هذه غيرُ مذكّاة، ونشيرَ إلى الميتةِ فنقول: هذه غيرُ مذكّاة ايضا، وكِلا الحملين صحيحٌ، أي يجوزُ حملُ عنوانِ "غيرِ المذكى" على الحيّ وعلى الميت حتفَ أنفه معًا، لأنّهما يشتركان في هذا اللازم الأعمّ.
ثمّ تناول (قدِّه) كلام المشهور القائلين: "غيرُ المذكى نجسٌ". فبيَّن أنّ هذه العبارة
لها فردان؛ فـ الفردُ الثاني هو الحيوانُ الذي يموتُ حتفَ أنفِه، وهذا هو الذي يكون نجسًا.
ولكنَّ السؤالَ هو: كيف بُرهنَ ووُصلَ من عدمِ التذكيةِ إلى الموتِ حتفَ الأنف؟
فإنَّ الحيوانَ قبلَ أن يموتَ كان حيًّا، وكان غيرَ مذكّى، وهذا العنوانُ قد ارتفعَ قطعًا بموتِه، لأنّه صارَ الآن ميتًا حتفَ أنفِه، فحينئذٍ يُقال: إنّنا نستصحبُ كُلّيَّ عدمِ التذكية من حالِ الحياةِ إلى حالِ الموتِ حتفَ الأنف.
إلّا أنّ المقامَ لا يتعلّقُ بحيوانٍ ميتٍ مُحرَزٍ، وإنّما نحنُ شاهدنا جلدًا مطروحًا، فالمطلوبُ أن نُثبتَ أنّ هذا الجلد من حيوانٍ ماتَ حتفَ أنفِه، ومن ثَمَّ يكون نجسًا. لكنّنا حينئذٍ استصحبنا عدمَ التذكيةِ في الفردِ المرتفع جزْمًا (أي في الحيوانِ الحيّ) لإثباتِه في الفردِ الموجودِ المشكوك (أي في الجلدِ المطروح)، مع أنّنا لا نعلمُ أنّ الحيوانَ ماتَ حتفَ أنفِه. فبهذا نريدُ إثباتَ الموت حتفَ الأنفِ لِنُثبتَ به النجاسة، وهذا هو مطلبُ الفاضلِ التونيّ (قدِّه).
فتُلاحظ أنّه من هذه الجهةِ يُشبهُ المثال المعروف في الصورة الثانية من استصحابِ الكلِّيّ، وهو ما لو فُرض أنّ كلي الإنسان المتحقق في ضمنِ زيدٍ، وقد خرجَ زيدٌ من الدار فارتفعَ الكلي قطعًا، فنشكّ في بقاءِ كلِّيّ الإنسانِ في ضمنِ عمرو المحتمل دخوله حين خروج زيد. وهنا كذلك نشكّ في بقاءِ الكلِّيّ وهو عدمُ التذكية على هذا الجلد المطروح.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ استصحابَ عدمِ التذكيةِ لإثباتِ أنّ هذا الحيوان مات حتف انفه هو من بابِ الأصلِ المثبت؛ لأنّ الحكمَ بالنجاسةِ لا يترتّبُ على نفسِ عدم التذكية، بل على ملزومه وهو الموتُ حتفَ الأنف.
فالكلامُ ـ إذن ـ يحتملُ اكثر من وجه. ومع ذلك، لو سلَّمنا أنّ مرادَ الفاضلِ التونيّ هو النظرُ إلى استصحابِ الكلِّيّ من القسمِ الثالث، فحينئذٍ يكون كلي الإنسانُ في المثالِ المعروف نظير عدمِ التذكية هنا، والحياةُ نظير زيدٍ، والجلدُ المطروحُ نظيرَ عمرو، باعتبارِ أنّ الاستصحابَ يُرادُ به إثباتُ بقاءِ الكلِّيّ.
ولهذا الوجهِ بالذات قال الشيخُ الأعظمُ (قدِّه): "له كلامٌ يُناسِبُ المقام"، أي ان فهم الشيخ الأعظم (قدِّه) لمطلبِ الفاضلِ التونيّ (قدِّه) هو على هذا النحو. لذلك قال (قده) "فعدم المذبوحية اللازم للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه، والمعلوم ثبوته في الزمان السابق هو الأول، لا الثاني، وظاهر أنه غير
باق في الزمان الثاني"([1] ).
ومفاد كلامه: أن عدم التذكية في حال الحياة يختلف عن عدم التذكية في حال الممات، فعدم التذكية للحي هو الذي كان محرزاً في الزمان السابق، لأنه حين كان الحيوان حياً كان قطعاً غير مذكى، أما بعد موته فقد ارتفع هذا العنوان الأول، إذ لم يعد هناك حيوان حي يوصف بعدم التذكية، وإنما صار عندنا ميت، وعدم التذكية في الميت عنوان آخر مغاير للأول، فالأول قد ارتفع، والثاني حادث جديد.
وحينئذ يقال: فماذا يستصحب؟ إذ لا يمكن استصحاب عدم التذكية الثابت في حال الحياة لإثباته في حال الممات، لأن الموضوع قد تبدل، فعدم المذبوحية للحي غير عدم المذبوحية للميت. ولهذا قال (قده): "ففي الحقيقة يخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب، إذ شرطه بقاء الموضوع، وعدمه هنا معلوم".
أي إن عدم بقاء الموضوع معلوم بالوجدان.
فنحن الآن نريد أن نُقرِّب وجهَ استدلالِه بأدقِّ ما يمكن، ونُقيم بنيانَه بأوضحِ صورة، فنقول: أن المراد من كلامِه هو استصحابُ الكلِّيِّ من القسمِ الثالث؛ لأنَّه (قدِّه) ذكر مثالًا يُوضِّحُ به مرادَه، فقال (قدِّه): "وليس مثلُ المتمسِّكِ بهذا الاستصحابِ إلّا مثلَ مَن تمسَّك على وجودِ عمرو في الدارِ باستصحابِ بقاءِ الضاحكِ المتحقِّقِ بوجودِ زيدٍ في الدارِ في الوقتِ الأوَّل، وفسادُهُ غنيٌّ عن البيان، انتهى".
وحاصلُ كلامِه أنَّ هذا المثال من أوضحِ مصاديق استصحابِ الكلِّيِّ من القسمِ الثالث، إذ مثَّل بالضاحكِ الذي هو كلِّيٌّ يتحقَّقُ بفردٍ، فافترضَ أنَّ الضاحكَ كان قائمًا بزيدٍ في الدار، ثمَّ خرجَ زيدٌ منها، فشُكَّ في بقاءِ الكلِّيِّ ـ أي الضاحكِ ـ في ضمنِ عمرو، فاستُصحبَ بقاءُ الضاحكِ في عمرو بعدَ خروجِ زيدٍ، وهذا هو بعينه استصحابُ الكلِّيِّ من القسمِ الثالث، حيثُ يُشكُّ في بقاءِ الكلِّيِّ بعدَ ارتفاعِ فردِه المتيقَّن. وعليه، فاستصحابُ عدمِ التذكية الذي تمسَّكَ به المشهور هو نظيرُ هذا المثالِ تمامًا؛ إذ هو بمنزلةِ مَن يتمسَّكُ باستصحابِ بقاء الضاحك في عمرو بعدَ العلمِ بانتفائه في زيدٍ، وهو استصحابٌ لا يصحُّ، وفسادُه غنيٌّ عن البيان.
فمآلُ كلامِ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) أنَّ استدلالَ المشهورِ يرجعُ في حقيقتهِ إلى استصحابِ الكلِّيِّ من القسمِ الثالث.
ثم بعد ذلك نرجع فنحرّر كلامه (قدّه) مع مثاله. فالضاحك يقابله في مثاله عدم التذكية، والضاحك كليّ كما أنّ عدم التذكية كليّ أيضاً. والضاحك له ملزومان: زيد المعلوم وعمرو المشكوك، وكذلك عدم التذكية له ملزومان: الحياة المعلومة وحتف الأنف المشكوك.
فالضاحك مع زيد قد خرج من الغرفة، كما أنّ عدم التذكية مع الحياة قد انتهت، لأنّ الحيوان قد مات، فبقي عندنا عدم التذكية بغير الحياة، كما بقي الضاحك بغير زيد. لكنّ الضاحك في عمرو يختلف عن الضاحك في زيد، كما أنّ عدم التذكية في الحيّ يختلف عن عدم التذكية في الحيوان الذي مات حتف أنفه.
فهل يمكن أن نستصحب بقاء الضاحك لاحتمال قيامه بعمرو؟ كلا.
وهل يمكن أن نستصحب عدم التذكية لاحتمال كون الحيوان قد مات حتف أنفه؟ أيضاً كلا.
ولذا قال (قدّه): إنّ مثل هذا المثال هو عين ذاك، أي إنّ القياس تامّ بين الصورتين.
فإذا لم تقبلوا استصحاب الكلي من القسم الثالث، فكيف تفتون بنجاسة الجلد؟! فالقياس بين الموردين واحد في الحقيقة.
فهو (قدّه) يخالف المشهور، فبناءً على رأيه إذا وُجد جلدٌ مطروحٌ في الصحراء وليس عليه أمارات التذكية فالحكم بالطهارة.
إلا أنّ الشيخ الأعظم (قدّه) قبل منه جهةً ورفض أخرى؛ فقبِل قوله في المثال الذي ذكره، إذ لا يمكن استصحاب الضاحك بهذه الطريقة.
فالفاضل التوني يرى أنّ المشهور استصحبوا عدم التذكية لإثبات أنّ الحيوان مات حتف أنفه ثم رتبوا عليه النجاسة، أما هو فيقول إنّ النجاسة غير مترتّبة على عدم التذكية، بل على الموت بحتف الأنف، فإشكاله مع المشهور من هذه الجهة.
أمّا الشيخ الأعظم فناقش المسألة صغروياً، وجعل النجاسة مترتّبة على عدم التذكية نفسها، لا على الموت حتف الانف، وبذلك نصر المشهور، معتبراً أنّ كلامهم صحيح في الحكم والدليل معاً.
فالمسألة في حقيقتها راجعة إلى الفهم من الروايات؛ إذ إنّ الفاضل التوني فهم منها ترتّب النجاسة على الموت حتف الأنف، بينما الشيخ الأعظم فهم أنّها تترتّب على عدم التذكية مطلقاً، وأنّ الموت حتف الأنف إنما هو بيان لمصداقٍ من مصاديق عدم التذكية.
إذن، الشيخ الأعظم (قدّه) خالف الفاضل التوني، وأثبت أنّ فتوى المشهور صحيحة ودليلهم صحيح، وأنّ الجلد المطروح نجس لأنّ النجاسة مترتّبة على عدم التذكية.
ويبقى السؤال: ما هو دليل الشيخ الأعظم (قدّه) على أنّ النجاسة مترتبة على عدم التذكية؟ قد أجاب (قدّه) عن ذلك بما يلي: "إلّا أنّ نظر المشهور في تمسّكهم على النجاسة إلى أنّ النجاسة إنما رُتّبت في الشرع على مجرّد عدم التذكية، كما يُرشد إليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾".
فبيّن (قدّه) أنّ مستند المشهور في الحكم بنجاسة الجلد المطروح هو أنّ النجاسة في الشرع مترتّبة على مجرّد عدم التذكية، واستدلّ على ذلك بالآية الشريفة، لأنّها بحسب فهمه تدلّ على الحصر، أي أنّ ما لم يُذكَّ يكون داخلاً في حكم الميتة، والميتة محرّمة ونجسة.
بينما الفاضل التوني (قدّه) قال في مقابل ذلك:"والموجب للنجاسة ليس هذا اللازم
من حيث هو هو – أي عدم التذكية – بل ملزومه الثاني، أعني الموت حتف الأنف".
فالحاصل أنّ محلّ الخلاف بين الشيخ الأعظم والفاضل التوني راجع إلى فهم النصوص من الآيات والروايات، لا إلى القواعد الأصولية.
فالفاضل التوني يرى أنّ النجاسة مترتّبة على الموت حتف الأنف، أمّا الشيخ الأعظم فيرى أنّ النجاسة مترتّبة على عدم التذكية، فهما قولان مختلفان في تحديد الموضوع الشرعي للنجاسة.
ثم ذكر الشيخ الأعظم دليله فقال (قدّه): "كما يُرشد إليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾".
والمقصود من كلامه أنّ الآية الشريفة فيها استثناءٌ من التحريم، يدلّ على أنّ كلّ ما لم يُذكَّ داخل في المحرَّم، أي في عنوان الميتة. فقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ…﴾ ([2] )؟فالآية تقول: حرِّمت
عليكم الميتة والدم… ، ثم عدّدت مصاديق الميتة، ثم قالت: إلا ما ذكّيتم، أي أنّ ما لم يُذكَّ فهو داخل في المحرَّم، وما ذُكّي خارج عنه.
ومن هنا استظهر الشيخ الأعظم أنّ عدم التذكية هو موضوع التحريم والنجاسة معاً، لأنّ الآية حصرت الحلّ والحرمة في التذكية وعدمه.
غير أنّ الفاضل التوني (قدّه) لو كان حاضراً لقال للشيخ الأعظم: إنّ الآية لا تدلّ على النجاسة، بل تتحدث عن التحريم، وفرقٌ بين التحريم والنجاسة؛ فبينهما عموم وخصوص مطلق فإن كل نجس يحرم أكله وليس كل محرم الاكل نجس، إذ قد يكون الشيء حراماً غير نجس، كالتراب مثلًا، فهو حرام الأكل لكنّه طاهر.
فمفاد الآية: حرّم عليكم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير… إلا ما ذكيتم، أي أنّها تنهى عن الأكل وتدلّ على التحريم التكليفي، لا على النجاسة الوضعية.
ومن هنا، فلو قال الله تعالى مثلاً: حرّمت عليكم الميتة وهي نجسة لكان كلام الشيخ الأعظم تامّاً، لكن الآية لم تذكر النجاسة، بل ذكرت التحريم فقط، فلا يصحّ جعلها دليلاً على ترتّب النجاسة على عدم التذكية.
وعليه، فإنّ مناقشة الفاضل التوني للشيخ الأعظم في محلّها؛ لأنّ الاستدلال بالآية لا ينهض لإثبات النجاسة، وإنّما يثبت الحرمة التكليفية فحسب، فالآية تتكفّل بيان ما يحرم أكله، لا ما هو نجس .
فبذلك يكون الخلاف بينهما في فهم الآية: الشيخ الأعظم فهم منها أنّ النجاسة مترتّبة على عدم التذكية.
والفاضل التوني فهم أنّها تدلّ على التحريم لا النجاسة.
إذن فجوهر البحث هنا تفسيري فقهي، لا أصولي صرف، لأنّ المسألة ترجع إلى تعيين ما هو الموضوع في لسان الأدلّة: أهو عدم التذكية، أم الموت حتف الأنف.
ثم أردف الشيخ الأعظم (قدّه) قائلاً "الظاهر أن المحرَّم – أي بحسب الحصر – إنما هو لحم الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية واقعاً أو بطريقٍ شرعي، ولو كان أصلاً، أي بأصالة عدم التذكية".
ثم أضاف (قدّه): "وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ([3] )،
فليس فيه دلالةٌ على النجاسة، وإنّما دلالته على تحريم الأكل، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾"([4] )، فهذا أيضاً ناظرٌ إلى جواز الأكل ثم استشهد (قدّه) بما ورد في ذيل موثقة ابن بكير: "إذا كان ذكياً ذكّاه الذابح"([5] )
ولفظ الرواية بحسب المصادر الحديثية هو التالي( اذا علمت انه ذكي قد ذكاه الذبح) .
ثم أضاف (قدّه) بعض الأخبار المعلِّلة لحرمة الصيد الذي يُرسل إليه الكلاب المعلَّمة، ولا يُعلم هل مات بأخذ الكلب المعلَّم أو بسببٍ آخر.
وبيّن أنّ هذه الكلاب من الصنف المعلَّم المأذون شرعاً في الاصطياد، فإذا أُرسلت وذكرت التسمية عليها، فقتلت الصيد – كالغزال مثلاً – جاز أكله بعد غسل موضع العضّ.
أمّا إذا وُجد الحيوان ميتاً ولم يُعلم أنّه مات بأخذ الكلب المعلَّم، فحينئذٍ يُنهى عن الأكل. ثم استشهد (قدّه) بالرواية الواردة في الوسائل، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): "سألته عن قومٍ أرسلوا كلابهم وهي معلَّمة كلها وقد سمّوا عليها، فلما مضت الكلاب دخل فيها كلبٌ غريبٌ لم يُعرف له صاحب، فاشتركنا جميعاً في الصيد، فقال (عليه السلام): لا يؤكل منه، لأنك لا تدري أأخذه معلَّم أم لا"([6] ).
فنهى الإمام (عليه السلام) عن الأكل لعدم إحراز التذكية، فكان الشاهد في الرواية أن النهي لم يكن لملاك آخر، بل لكون الصيد لم يُذكَّ تذكيةً شرعية.
ثم قال الشيخ الأعظم (قدّه) مكملاً استدلاله: "بالشكّ في استناد موته إلى المعلَّم، إلى غير ذلك مما اشترط فيه العلم باستناد القتل إلى الرمي، والنهي عن الأكل مع الشكّ".
والمتحصل من مجموع هذه الأدلة أنّها تنهى عن الأكل مع الشك في التذكية، وتُثبت أنّ التحريم التكليفي مترتّب على عدم إحراز التذكية.
لكن رغم متانة هذه الشواهد، فإنّها – إلى هذا الموضع – تدلّ على الحرمة فقط دون النجاسة؛ إذ إنّ مفادها هو النهي عن الأكل لا الحكم بالنجاسة، فإشكال الفاضل التوني (قدّه) يبقى قائماً، لأنّ مورد البحث في النجاسة لم يُقم عليه دليل بعد.
غير أنّ الشيخ الأعظم (قدّه) كان ملتفتاً إلى هذا الإشكال، وسيتعرّض له لاحقاً ليُجيب عنه ويُبيّن وجه ترتّب النجاسة على عدم التذكية إن شاء الله تعالى.
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]