47/05/17
الاستصحاب الكلي/الاستصحاب الكلي /الأصول العملية

الموضوع: الأصول العملية/الاستصحاب الكلي /الاستصحاب الكلي
نَقَلَ الشيخُ الأعظمُ (قدِّه) ــ بعد ما اختاره من التفصيلِ في حُجِّيَةِ الاستصحابِ في القسمِ الثالثِ من استصحابِ الكلِّي ــ كلامًا لِـ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) يُناسِبُ ويُؤيِّدُ ما اختارَهُ الشيخُ (قدِّه) في المطلبِ المذكور، وإنْ كانَ بعضُ كلامِ الفاضلِ (قدِّه) لا يَخلو عنِ النَّظَرِ بلِ المَنْعِ.
وحاصِلُ كلامِه: أنّهُ (قدِّه) أورَدَ إشكالًا على ما أفتى به المشهورُ في إحدى المسائلِ الفقهيّةِ ــ وسيأتي بيانُها ــ، وعدَّ هذهِ المسألةَ من مواردِ استصحابِ الكلِّي من القسمِ الثالث، بِالتقريبِ الذي سيأتي بيانُه لاحقًا.
وقد بَسَطَ وجه الإشكالِ ببيانٍ مُفَصَّلٍ، وضَرَبَ لذلك مثالًا، إلّا أنّ فَسادَ هذا المثالِ واضحٌ كما صَرَّحَ (قدِّه) بقوله: "وفَسادُهُ غَنيٌّ عنِ البيان".
ومعَ ذلك، فإنَّ الشيخَ الأعظمَ (قدِّه) ــ معَ مُخالفتِهِ لِـ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) في ردِّهِ على فتوى المشهور ــ قد وافقَهُ في المثالِ نفسِه دونَ أن يُسَلِّمَ لهُ في النَّتيجةِ التي انتهى إليها. أمّا المسألةُ التي أفتى بها المشهور، فهي ممّا يتعلّقُ بـ لباسِ المصلّي، أي بما يَلبَسُهُ من الثيابِ
والجلودِ حالَ الصلاة.
وحاصلُ كلامِهم: أنّ المكلَّفَ إذا وجدَ جلداً مطروحاً في بلادِ المسلمين، فالأصلُ الجاري فيه هو أصالةُ عدمِ التذكية؛ لأنّ التذكيةَ أمرٌ وجوديٌّ، والأصلَ في الأمورِ الوجوديّةِ هو العدمُ ما لم يُحرَز وجودُها بدليلٍ أو أمارةٍ معتبرة. وعليه، فكلُّ لحمٍ أو جلدٍ يُشاهَد ولا يُعلَم وجهُ زهوقِ روحِ الحيوانِ فيه ــ هل كان على الوجهِ الشرعيّ أم على غيرِه ــ فالأصلُ فيه عدمُ التذكية.
نعم، يُستثنى من ذلك ما قامت عليه أمارةُ التذكية، كـ سوقِ المسلمين، فإنّه أمارةٌ على التذكية، وكذلك يدُ المسلم تُعدُّ أمارةَ على الحِلٍّ والطهارةٍ، بل أضافَ بعضُ الفقهاءِ إلى ذلك ما صُنِعَ في صناعةٍ يشترطُ فيها التذكيةُ شرعاً.
ومن هنا، ذُكر هذا البحثُ في تنبيهاتِ البراءةِ ، إذ إنّ البراءةَ في الشبهاتِ التحريميةِ تقتضي الإباحةَ ما لم يكن هناك أصلٌ موضوعيٌّ على خلافها، والأصلُ الموضوعيُّ هنا هو أصالةُ عدمِ التذكية، وهي مقدَّمةٌ على الأصلِ الحكميِّ (أصلِ البراءة).
فبناءً على ذلك، إذا وُجد الجلدُ المطروحُ في الطريقِ أو الصحراءِ ولم تُحرَز تذكيته بامارة من سوقِ المسلمين، أو يدِ مسلم، أو صناعة يشترطُ فيها التذكية، فقد أفتى المشهورُ بأنّه نجسٌ وحرام.
وخلاصةُ فتوى المشهور: أنّ الجلدَ المطروحَ الذي لم تثبت تذكيتُه بأمارةٍ معتبرةٍ يُحكم بنجاستِه وحرمةِ الانتفاعِ به في الصلاةِ وغيرها، وذلك استناداً إلى أصالةِ عدمِ التذكية.
ثمّ إنّ الفاضلَ التونيَّ (قدِّه) مرَّ بهذه المسألةِ التي أفتى فيها المشهورُ بالنجاسةِ والحرمة، فأشكلَ عليهم، وأفاد بأنّ فتواهم في غيرِ محلّها، وناقشَ المبنى الذي استندوا إليه.
إلا أنّه في مقامِ فهمِ مرادِه من هذه المناقشة، يمكنُ أن تُتَصوَّر وجوهٌ ثلاثة:
الوجهُ الأوّل: أن يكونَ مرادُ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) من مناقشتِه بيانَ أنّ موضوعَ المستصحَب غيرُ باقٍ، ومع عدمِ بقاءِ الموضوع لا يجري الاستصحاب؛ إذ من شروطِ الاستصحابِ بقاءُ الموضوعِ عرفاً. وعلى هذا الوجه، فمناقشتُه لا ترتبطُ بمقامِ استصحابِ الكلِّي أصلًا، بل هي أجنبيّةٌ عمّا نحنُ فيه.
الوجهُ الثاني: أن يُرادَ من كلامِه أنّ الاستدلالَ بالاستصحابِ هنا يؤدّي إلى التمسّكِ بالأصلِ المثبت، لأنّ الحكمَ بالنجاسةِ والحرمةِ مترتّبٌ على أمرٍ لازِمٍ للمستصحَب لا على نفسِ المستصحَب، فيكونُ التمسّكُ به من بابِ الأصلِ المثبتِ الذي لا يُعتنى به عند المحقّقين. الوجهُ الثالث: وهو الأنسبُ بسياقِ عبارته كما فهمه الشيخُ الأعظمُ (قدِّه)، أنَّ الفاضلَ التونيَّ (قدِّه) أرادَ الإشارةَ إلى أنّ المشهورَ إنّما استندوا في فتواهم إلى استصحابِ الكلِّي من القسمِ الثالث، وهو محلُّ الكلامِ في المقام.
وتوضيحُ ذلك: أنّ الكليَّ موجودٌ في ضمنِ فردٍ معيّنٍ ــ كزيدٍ ــ، فمع العلمِ بخروجِ هذا الفردِ من الدار يُشكّ في بقاءِ الكليّ، لاحتمالِ أن يكونَ له فردٌ آخر ــ كعمرو ــ كان مقارنًا لزيدٍ في الوجود أو مقارنًا لخروجه.
وقد قسّم الشيخُ الأعظمُ (قدِّه) هذا الفرضَ إلى صورتين: إحداهما: أن يكونَ وجود الفردِ الثاني مقارنًا لوجود الأوّل، وفي هذه الصورةِ يجري الاستصحاب.
والأخرى: أن يكونَ دخولُ الثاني مقارنًا لخروجِ الأوّل، وفيها لا يجري الاستصحاب.
فبناءً على هذا، يظهرُ أنَّ مرادَ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) في عبارته ــ كما فهمَه الشيخُ الأعظمُ (قدِّه) ــ هو أنّ المشهورَ في فتواهم تلك اعتمدوا على استصحابِ الكليِّ من القسمِ الثالث، ولأجلِ هذا ذكرَ الشيخُ الأعظمُ (قدِّه) كلامَهُ في هذا الموضعِ من البحث.
وأمّا لو كانت عبارةُ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) مُجملةً، فأنسبُ الوجوهِ في تفسيرِها هو هذا الوجهُ الثالث، لأنّهُ أوفقُ بذكرِ الشيخِ الأعظمِ لها في سياقِ مباحثِ القسمِ الثالث من استصحابِ الكليّ.
والآن، بعد أن تبيّنَت فتوى المشهور في المسألة، ننتقلُ إلى المرحلةِ الأُولى من البحث، وهي فهمُ دليلِ المشهور الذي اعتمدوه في هذه الفتوى؛ إذ إنّ الفاضلَ التونيَّ (قدِّه) لم يُناقش نفسَ الفتوى، بل تعرّضَ لدليلِها فذكرَ مستندَ المشهورِ أوّلاً، ثم أوردَ الإشكالَ عليه ثانياً.
فالمهمّ في هذه المرحلة هو أن نُحرّر دليلَ المشهور الذي أقاموه على القول بنجاسة الجلدِ المطروح وحرمةِ الانتفاعِ به، لنرى بعد ذلك كيف أشكلَ الفاضلُ التونيُّ (قدِّه) على ذلك الدليل، وبعبارةٍ أخرى: نحن الآن لا نبحث في نفسِ الفتوى من حيثُ الحكمُ الشرعيّ، بل في الدليل الذي استند إليه المشهورُ، وهو الذي سيتولّى الفاضلُ التونيّ (قدِّه) بيانَه أوّلاً ثم نقدَه بعد ذلك.
ثمّ يأتي بعد ذلك دورُ الشيخِ الأعظمِ (قدِّه)، وهو وإنْ نقلَ كلامَ الفاضلِ التونيِّ (قدِّه) وحرّرَ وجهَ إشكالِه على المشهور، إلّا أنّه لا يوافقُه في مضمونه؛ لأنّ موقفَ الشيخِ الأعظم في هذا الموضع ليس في قبالِ المشهور فحسب، بل هو في قبالِ الفاضلِ التونيّ أيضاً.
فالشيخُ الأعظمُ (قدِّه) يرى أنّ طريقةَ استدلالِ الفاضلِ التونيّ على اعتراضِه غيرُ تامّةٍ في أصلها.
وبذلك تتكوّنُ لدينا ثلاثيّةٌ واضحةُ المعالم في هذا البحث:
1- المشهور.
الفاضلُ التونيّ (قدِّه).
الشيخ الأعظم (قدِّه).
وبعد الفراغِ من تحليلِ مواقفِ هؤلاءِ الثلاثة، ننتقلُ إلى المرحلةِ التالية من البحث، وهي
النظرُ في مدى موافقةِ الأعلامِ المتأخّرين للشيخِ الأعظم، وهل أقرّوه على ما ذهبَ إليه أو أوردوا عليه اعتراضاتٍ في هذا المورد ليتّضحَ بذلك كلماتِ المتأخّرين.
أما الآن نأتي إلى طريقة الاستدلال فقال(قده) "ثم إن للفاضل التوني كلاما يناسب المقام-مؤيدا لبعض ما ذكرناه وان لم يخل بعضه عن النظر بل المنع قال في رد تمسك المشهور في نجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية" ([1] )
وحاصلُ كلامه (قدِّه): أنّ الكلامَ في المقامِ يجري في فرضِ ما إذا وُجدَ جلدٌ مطروحٌ في بلادِ المسلمين، كما لو كان المكلَّفُ في صحراء فشاهدَ جلداً ملقى. وقد أفتى المشهورُ حينئذٍ بنجاسته، واستندوا في ذلك إلى الاستصحاب، فقالوا: نستصحبُ عدمَ التذكية.
وبيانُ جهةِ الاستدلال أنّه: وإنْ كان الأصل في الشبهات الحكمية هو البراءة، إلّا أنّ البراءةَ أصلٌ حكميٌّ لا يجري مع وجودِ أصلٍ موضوعيٍّ على خلافه، لأنّ الأصلَ الموضوعيَّ يتقدّم على الأصلِ الحكميّ.
وهنا الأصلُ الموضوعيّ هو أستصحاب عدمِ التذكية؛ إذ التذكيةُ أمرٌ وجوديّ، والأصلُ في الأمورِ الوجوديةِ هو العدم. فبناءً على هذا الأصلِ الموضوعيّ، يُحكمُ بأنّ الجلدَ المطروحَ غيرُ مذكى، ومن ثَمَّ يُحكمُ بنجاستِه وحرمةِ استعمالِه.
وعليه، فعبارة المشهور تشتملُ على ركنين أساسيين:
أولاً، الفتوى: وهي الحكمُ بنجاسةِ الجلدِ المطروح.
ثانياً، الدليل: وهو استصحابُ عدمِ التذكية.
ولكن لا بدّ من بيانِ معنى هذا الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحابَ لا يجري إلّا مع تحقّقِ اليقينِ بالحدوثِ والشكِّ في البقاء.
فيقال: إنّ هذا الجلدَ المطروحَ كانَ في السابقِ ــ حين كان الحيوانُ حيّاً ــ غيرَ مذكى، لأنّ التذكيةَ إنّما تتحقّقُ بالذبحِ على الوجهِ الشرعيّ، وهو أمرٌ طارئٌ بعد الموت. فحينَ كان الحيوانُ حيّاً نقطعُ بعدمِ تذكيته، ثمّ بعد أن ماتَ ووجدنا جلدَه في الصحراء نشُكّ هل تحقّقت التذكيةُ الشرعيةُ أم لا؟ فحينئذٍ نستصحبُ الحالةَ السابقة، وهي عدمُ التذكية.
وهذا هو الركنُ الأوّل في الاستصحاب، أي اليقينُ بعدمِ التذكيةِ سابقاً، ثمّ الركنُ الثاني، وهو الشكُّ في بقائها بعد الموت.
ثمّ ينتقلُ المشهورُ من هذا الأصلِ الموضوعيِّ (عدمِ التذكية) إلى الحكم الشرعيّ، وهو النجاسةُ؛ لأنّ الدليلَ دلَّ على أنّ غيرَ المذكى نجسٌ. فبضمِّ الكبرى الشرعية:
"كلّ غيرِ مذكى نجس". مع الصغرى المستفادة من الاستصحاب: "هذا الجلدُ غيرُ مذكى"، ينتجُ: "هذا الجلدُ نجسٌ". وبهذا يتّضحُ أنّ الحكمَ بالنجاسةِ ليس من بابِ الأصلِ المثبت، لأنّ النجاسةَ مترتّبةٌ على نفسِ المستصحَب ــ وهو عدمُ التذكية ــ من دونِ توسّطِ
أمرٍ آخر، فليس هناك واسطةٌ بين المستصحَبِ والأثر.
وخلاصةُ دليل المشهور: أنّهم بنَوا حكمَهم على استصحابِ عدمِ التذكية، باعتبارِ أنّ التذكيةَ أمرٌ وجوديٌّ يُشكّ في تحقّقه، ومع اليقينِ السابق بعدمه، يُستصحبُ ذلك العدمُ إلى زمانِ الشكّ، فيُحكمُ بأنّ الجلدَ غيرُ مذكى، ومن ثمّ يُرتّبُ عليه أثرُه الشرعيّ، وهو النجاسةُ والحرمةُ.
وبذلك يتّضح أنّ النجاسةَ عند المشهور متوقّفةٌ على عدمِ التذكية، إلّا أنّ هذا التوقّفَ لا بدَّ له من دليلٍ شرعيٍّ خاصّ يثبتُ أنّ غيرَ المذكى نجسٌ، كآيةٍ أو روايةٍ تدلّ على ترتّب النجاسة على عنوان غير المذكى.
فحينئذٍ يكون الحكمُ بالنجاسة متوقّفًا على تحقّقِ موضوعه، وهو عدمُ التذكية، والمشهورُ قد أحرزوا هذا الموضوعَ بالاستصحاب؛ لأنّ الحيوانَ حالَ حياتِه مقطوعٌ بعدمِ التذكية، ثمّ بعد موته ووجدانِ جلدِه مطروحًا في الصحراءِ يشكّ في تحقّقِ التذكية الشرعية، فيُستصحبُ عدمُها.
وبهذا يتمّ ركنا الاستصحاب:
اليقينُ بالحدوث: وهو اليقينُ السابق بعدمِ التذكية حالَ حياةِ الحيوان.
والشكُّ في البقاء: وهو الشكُّ بعد الموت في تحقّقِ التذكية الشرعية.
فبضمِّ الكبرى التي مفادُها: أنّ غيرَ المذكى نجسٌ، إلى الصغرى أنّ هذا الجلد غيرُ مذكى، ينتجُ: أنّ هذا الجلد نجسٌ.
وبهذا صار دليلُ المشهور واضحًا، إذ بنَوا على استصحابِ عدمِ التذكية لتماميّةِ أركانه، فثبتَ بذلك الحكمُ بالنجاسة لتوقّفه على إحرازِ عنوانِ عدمِ التذكية، كما صار حكمُهم ووجهُ استدلالهم بيّنين.
ثمّ جاء بعد ذلك الفاضلُ التونيُّ (قدِّه) فناقشَ هذا الاستدلالَ، وبيَّنَ أنّ التمسّكَ باستصحابِ عدمِ التذكية على النحوِ الذي اعتمدَه المشهورُ غيرُ صحيح.
ولذلك قال (قدِّه): "بما حاصله: أنّ عدمَ التذكية أو عدمَ المذبوحية لازمٌ لأمرين: الحياة، والموت حتف الأنف كما لو ماتَ الحيوانُ بمرضٍ أو نحوِه".
فمفادُ كلامِه (قدِّه) أنّ عنوانَ عدمِ التذكية يلازمُ حالتين اثنتين:
1- حالَ الحياة، إذ الحيوانُ ما دام حيّاً لا يُعَدّ مذكىً شرعاً.
2- حالَ الموتِ حتفِ الأنف، أي إذا فهو أيضاً غيرُ مذكى.
فإذن، غيرُ المذكى لازمٌ لأمرين: الحياة والموتِ بغيرِ تذكية، وهذانِ الأمران هما الملزومان لعنوان عدمِ التذكية.
وإلى هنا يكون كلامُ الفاضلِ التونيّ (قدِّه)صحيحاً.
ثمّ قال (قدِّه):"والموجبُ للنجاسة ليس هذا اللازمَ من حيثُ هو"، أي إنّ النجاسةَ ليست مترتّبةً على عنوان عدم التذكية بما هو هو، فلا يوجد في الشريعةِ ما يدلّ على أنّ عدم التذكية بنفسه موضوعٌ للنجاسة، إذ ليس عندنا شيءٌ بعنوان "عدم المذكى نجس"، بل النجاسةُ إنّما تترتّبُ على أمرٍ آخرَ.
ثمّ قال (قدِّه) "بل ملزومُهُ الثاني، أعني به الموتَ حتفَ الأنف"([2] ). أي إنّ النجاسةَ إنّما تترتّبُ على الملزومِ الثاني لعدم التذكية، وهو الموتُ حتفَ الأنف، فالحيوانُ إذا ماتَ من غيرِ تذكيةٍ شرعيّةٍ ــ كأن يموتَ مريضاً أو خنقاً أو سقوطاً ــ يكون نجساً.
وعلى هذا البيان، يمكنُ تقريبُ كلامه (قدِّه) على النحو الآتي: إنّ المشهور قالوا: عدمُ التذكية ينتجُ النجاسةَ، لأنّهم جعلوا النجاسةَ مترتّبةً على عدمِ التذكية، وقد أحرزوا عدمَ التذكية بالاستصحاب.
لكن الفاضلَ التونيَّ (قدِّه) ناقشهم قائلاً: مَن قال إنّ النجاسةَ مترتّبةٌ على نفسِ عنوان عدمِ التذكية؟! فإنّ عدمَ التذكية عنوانٌ كلّيٌّ له فردان:
عدمُ التذكية في حال الحياة، وعدمُ التذكية في حال الموت بحتف الأنف.
والنجاسةُ ليست مترتّبةً على هذا الكلّي بما هو هو، بل هي مترتّبةٌ على خصوص الفرد الثاني، أي على موت الحيوان حتفَ أنفه.
ومن هنا يُحتمل أن يكون إشكالُ الفاضلِ التونيّ ناظراً إلى أنّ الاستدلالَ باستصحاب عدمِ التذكية لإثبات الموت حتفَ الأنف من بابِ الأصلِ المثبت، لأنّ بين عدم التذكية والنجاسة واسطةً، وهي الموت بحتف الأنف، وهذه الواسطةُ غيرُ محرزةٍ بنفسِ الاستصحاب.
وعلى الاحتمال الآخر، يمكنُ فهمُ عبارته (قدِّه) على أساسِ تبدّلِ الموضوع، بمعنى أنّ عدمَ التذكية في حالِ الحياة يختلفُ عن عدمه في حالِ الممات، لأنّ لكلٍّ من الحالتين أثرًا وموضوعًا مستقلًّا، فالموضوعُ في الأولى هو الحيوانُ الحيّ، وفي الثانية هو الميتُ، وهما موضوعان متغايران عرفاً.
وعلى أيّ تقديرٍ، فإنّ خلاصةَ كلامِ الفاضلِ التونيّ (قدِّه) أنّ عدمَ التذكية لا يُنتجُ النجاسةَ مباشرةً، لأنّ النجاسةَ مترتّبةٌ على الموتِ حتفَ الأنف، لا على نفسِ عنوانِ عدم التذكية، فإذن استصحابُ عدمِ التذكية لا يثبتُ النجاسةَ إلّا على نحوِ الأصلِ المثبت، أو هو غير جارٍ من جهةِ تبدّلِ الموضوع.وللكلام تتمة ..
[ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ]