47/08/19
بسم الله الرحمن الرحیم
الاقوال في مقدار الفحص عن المخصص/ الأمر الخامس /العام و الخاص
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الخامس / الاقوال في مقدار الفحص عن المخصص
تعرّض الغزالي لنقد الرأي الثالث الذي ذكر في الجلسة الماضية فقال: إنّ الإشكال فيه أنّه لا طريق إلى تحصيل مثل هذا القط نعم، قد ذكر طريقان لتحصيله:
الأوّل: إذا كانت المسألة قد دار حولها بحث طويل بين العلماء وطرحت فيها المدارك المحتملة ثم أُبطلت، أمكن القطع بعدم وجود مخصّص آخر.
غير أنّ الإشكال عليه أوّلاً: أنّ لازم ذلك عدم تمكّن الصحابة من التمسّك بالعمومات في المسائل التي لم يقع فيها بحث واسع، مع أنّ الأمر لم يكن كذلك.
وثانياً: إنّه حتّى بعد طول البحث لا يحصل اليقين؛ لاحتمال أن يكون لبعض العلماء مدرك لم يصل إلينا.
الثاني: يجوز أن يقول المجتهد: «لو كان هناك حكم خاصّ، لنصب الله تعالى عليه دليلاً ووصل إلى الناس، لأنّ الله تعالى لا يكلّف عباده بشيء من دون بيان».
غير أنّ هذا البيان أيضاً غير تامّ، لأنّه إنّما يتمّ فيما إذا حصل إجماع الأُمّة فيقال حينئذٍ بعدم وجود خلاف، أمّا في المسائل الخلافيّة فلا يحصل مثل هذا اليقين.
ثمّ قال في بيان مختاره: إنّه بعد الاستقصاء بالمقدار الممكن وبذل غاية الجهد في التحقيق، إذا أحسّ المجتهد بأنّ الاستمرار في البحث لا فائدة فيه وأنّه لا يترتّب عليه إلّا إضاعة الوقت، ففي هذه الحالة يكفي الظنّ بعدم وجود الدليل ويحكم بعدمه، لأنّ العجز عن العثور على الدليل يكون يقيناً في حقّه.[1]
وأمّا الشيخ الأعظم فقد أفاد أنّ مقدار الفحص يختلف باختلاف المبنى الذي يبتنى عليه وجوب الفحص، فعلى القائل بوجوب الفحص أن يحدّد مقداره بملاحظة المبنى الذي يلتزمه.[2]
كما أنّ الآخوند وبناءً على المبنى الذي اتّخذه في لزوم الفحص أفاد أنّ الفحص الواجب عن المخصّص هو بالمقدار الذي يخرج به العامّ عن كونه في معرض التخصيص، بحيث يمكن بعد ذلك إجراء أصل تطابق المراد الجدّي مع المراد الاستعمالي.[3]
ولکنّ السيّد الخوئي أشكل على مدّعاه فقال: إنّ العمومات إذا كانت في معرض التخصيص، فإنّها لا تخرج عن هذه المعرضيّة بمجرّد الفحص والبحث عن مخصّصاتها، لأنّ الشيء يبقى على ما هو عليه ولا يتغيّر. بل إنّ القطع الوجداني بعدم وجود مخصّص أيضاً لا يوجب خروجها عن كونها في معرض التخصيص فضلاً عن مجرّد الاطمئنان.[4]
غير أنّ هذا الإشكال غير وارد على الآخوند، لكون مدّعاه متعلّقاً بمقام الإثبات دون مقام الثبوت.
توضيح ذلك: أنّ المراد من «کون العامّ في معرض التخصيص» قد يكون ما يرجع إلی مقام الثبوت، وهو وجود إمكان تخصيص العامّ، بمعنی أنّه ليس آبياً عن التخصيص. ولو أُريد هذا المعنى لكان إشكال السيّد الخوئي وارداً، لأنّ إمكان التخصيص ثبوتاً لا يرتفع بعدم ورود المخصّص.
كما يمكن أن يستفاد من العبارة المذكورة معنىً آخر، وهو أنّ العامّ الذي له قابليّة التخصيص ثبوتاً، قد صدر في مقام يكون فيه في معرض التخصيص إثباتاً؛ أي: إنّ احتمال تخصيصه يبلغ حدّاً يعتني به العقلاء، فلا يجرون أصل تطابق المراد الجدّي مع المراد الاستعمالي ما لم يرتفع هذا الاحتمال.
ولا يرد إشكال السيّد الخوئي بناءً على هذا المعنى، لأنّ الخروج عن معرضيّة التخصيص هنا معناه أنّ احتمال ورود المخصّص للعامّ قد تضاءل إلى حدّ لا يعتني به العقلاء، ومن الواضح أنّ قاعدة «بقاء كلّ شيء على حالته السابقة» لا ارتباط لها بانتفاء احتمال ورود المخصّص.
ولا ريب أنّ مراد الآخوند هو هذا المعنی الثاني، ولذا لا يرى العمومات الواردة في المحاورات العرفيّة في معرض التخصيص، ومن البيّن أنّ مقصوده ليس نفي قابليّة هذه العمومات للتخصيص ثبوتاً بمعنی کونها آبية عن التخصيص.
والحقّ في هذه المسألة مع صاحب الکفاية، فإنّه بعد اليأس من الظفر بالمخصّص على نحو يحصل معه الاطمئنان بعدمه، يمكن الحكم بعدم وروده، لأنّ العقلاء يكتفون في سائر شؤونهم وأُمورهم بهذا المقدار، ولا دليل على اعتبار أزيد من ذلك في جريان الأُصول اللفظيّة عندهم.