47/07/23
بسم الله الرحمن الرحیم
إشکال السيّد الخوئي علی المحقّق العراقي/ الأمر الثالث /العام و الخاص
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الثالث / إشکال السيّد الخوئي علی المحقّق العراقي
ذکرنا في الجلسة السابقة الإشکال الذي أورده المحقّق العراقي على المقدّمة الأُولى للميرزا النائيني.
إلّا أنّ السيّد الخوئي قد أجاب عن هذا الإشكال بأنّ قياس التخصيص على خروج بعض الأفراد من تحت العامّ بسبب الموت، قياس غير صحيح؛ لأنّ الموت أمر تكويني يستلزم انتفاء الحكم بسبب انتفاء الموضوع في مرحلة التطبيق لا تقييد الحكم في مرحلة الجعل، بينما التخصيص يقيّد الحكم في مرحلة الجعل وفي مقام الثبوت ويكشف المخصّص عن أنّ الحكم كان من البداية خاصّاً. أمّا في مقام الإثبات، فالتخصيص بمعنى انتفاء الحكم مع بقاء الموضوع، أي: «سالبة بانتفاء المحمول»، لا «سالبة بانتفاء الموضوع» كما هو الحال في الموت.[1]
أقول: إنّ ما أفاده السيّد الخوئي وإن كان تامّاً في دفع الإشکال بلحاظ ما قاس به المحقّق العراقي هذه المسألة، إلّا أنّه لا ينفي أصل مدّعاه؛ لأنّ «العموم» ـ على خلاف ما ادّعاه الآخوند والمحقّق النائيني ـ ليس بمعنى تعميم الحكم على أفراد ما أُريد من مدخول أداة العموم لكي يستنتج عند ورود المخصّص تقييد مدخولها بقيد وتکون وظيفة هذه الأداة تعميم عنوان ناشئ من تقييد العنوان المأخوذ في دليل العامّ بـ «عدم العنوان المأخوذ في الخاصّ» علی أفراده.
وبعبارة أُخرى: الفرق بين «التخصيص» و«التقييد» هو أنّه في التخصيص، بعد شمول الحكم لجميع الأفراد بواسطة الدليل العامّ، تخرج بعض هذه الأفراد عن تحت شموله بسبب الدليل الخاصّ، من دون أن يطرأ أيّ تصرّف على موضوع الدليل العامّ؛ لأنّ الدليل الخاصّ ليس ناظراً إلى موضوع الدليل العامّ، بل هو بصدد إخراج أفراده خاصّة من تحت شموله، وهذا الإخراج إخراج حكمي فحسب.
أمّا في التقييد، فإنّ الموضوع المأخوذ في الدليل المطلق يقيّد بقيد بحيث إنّ الأفراد الفاقدة لذلك القيد لا تكون داخلة في الموضوع من الأسا
ولذلك قال المحقّق الإصفهاني أيضاً: إنّ شأن المخصّص ليس إلّا إخراج بعض أفراد العامّ من تحت شمول الحكم لكي يختصّ الحكم بالباقي منها، من دون أن يعنون الباقي بعنوان وجودي أو عدمي.[2] نعم، إنّه حكم باستحالة كاشفيّة المخصّص عن أنّ الموضوع الحقيقي للعام مقيّد بـ «غير الخاصّ»، إلّا أنّ الدليل الذي أقامه على ذلك غير تامّ ولا استحالة في هذا الأمر ثبوتاً، وإن كان لا يتحقّق إثباتاً.
وبناءً على ما تقدّم يتّضح أيضاً الإشكال في دعوی الآخوند؛ إذ الفرق بين دعواه ودعوی الميرزا النائيني إنّما هو في أنّ العنوان الذي تقع تحته الأفراد الباقية بعد التخصيص هل هو عنوان مركّب أو بسيط؟ أمّا أصل الدعوى وهو أنّ التخصيص يوجب وقوع الأفراد الباقية تحت عنوان غير عنوان العامّ، فهما متّفقان عليها. وعليه، فبإنكار هذا المدّعى لا يبقى مجال للالتزام باستدلال الآخوند أيضاً.
غير أنّ الشهيد الصدر ذهب إلى أنّ الآخوند مع أنّه لا يرى استلزام ورود الخاصّ لوقوع الباقي من العامّ تحت عنوان غير عنوان العامّ، يرى صحّة التمسّك بالاستصحاب المذكور لإحراز موضوع العامّ وقد أفاد في هذا الشأن: إنّ مراد الآخوند هو أنّ العامّ وإن لم يعنون بنقيض عنوان الخاصّ، إلّا أنّ الدليل العامّ يثبت حكمه للأفراد بجميع العناوين ما عدا العنوان الذي خرج بالمخصّص، فكلّ واحد من هذه العناوين يكون مشمولاً للعامّ. فمثلاً إذا قيل: «أكرم كلّ فقير إلّا الفقير الأُموي»، فإنّ وجوب الإكرام بعمومه يشمل: «الفقير الأُموي» و«الفقير غير الأُموي» و«الفقير القرشي» و«الفقير غير القرشي» وغير ذلك. والذي خرج من تحت العامّ بواسطة المخصّص هو العنوان الأوّل، أمّا العنوان الثاني فهو باقٍ، وبالاستصحاب العدمي الأزلي لعدم الأُمويّة يحرز هذا العنوان، ويترتّب عليه حكم العامّ.
ثمّ أورد الشهيد الصدر إشكالاً على هذا البيان، فقال: إنّ العموم ليس بمعنى جمع القيود والعناوين المتعدّدة بحيث يكون كلّ عنوان منطبق على الأفراد موضوعاً مستقلّاً للحكم؛ إذ لو كان كذلك للزم تعدّد الجعل، مع أنّ دليل العام لا يتكفّل إلّا جعلاً واحداً، بل معنى العموم هو عدم الاختصاص بعنوان معيّن.
وبعبارة أُخرى: إنّ العام كالمطلق، وكلاهما بمعنى «رفض القيود والعناوين»، لا بمعنى «جمع القيود والعناوين». وعليه فإن أمكن إثبات حكم العامّ بالتمسّك بأصالة العموم، فلا إشكال، وإلّا فبناءً على هذا الرأي القائل بأنّ العامّ بعد التخصيص لا يعنون بنقيض عنوان الخاصّ، لا يمكن إثبات حكم العامّ باستصحاب عدم عنوان الخاصّ.[3]
والحقّ في هذا الإشكال ـ بناءً على كون مراد الآخوند هو ما فهمه منه ـ مع الشهيد الصدر؛ فإنّ عبارة «كلّ فقير» تشمل كلّ فرد فرد من الفقراء من دون لحاظ العناوين الأُخری الطارئة عليهم، لا أنّها تشمل كلّ فقير مع لحاظ کلّ عنوان طارئ عليه.