47/07/20
بسم الله الرحمن الرحیم
إمكان إحراز شمول العامّ للفرد المشكوك باستصحاب العدم الأزلي/ الأمر الثالث /العام و الخاص
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الثالث / إمكان إحراز شمول العامّ للفرد المشكوك باستصحاب العدم الأزلي
الأمر الثالث: إمكان إحراز شمول العامّ للفرد المشكوك باستصحاب العدم الأزلي
قد تقدّم أنّه في صورة إجمال المخصّص، يسري هذا الإجمال إلى العامّ أيضاً، فلا يمكن عدّ الفرد المشكوك من أفراد العامّ.
ولكن هل يوجد أصل موضوعي يمكن بواسطته إثبات شمول حكم العامّ للفرد المشكوك؟
أفاد المحقّق الخراساني أنّ ما يبقی من العامّ بعد التخصيص، لا يكون معنوناً بعنوان خاصّ، بل يشمل كلّ ما لم يکن مندرجاً تحت عنوان الخاصّ. وفي أغلب الموارد ـ إلّا ما شذّ ـ يمكن عدّ الفرد المشكوك من مصاديق الباقي تحت العامّ بجريان الأصل الموضوعي والحكم عليه بحكم العامّ، وإن لم يجز التمسّك بالعامّ مباشرة.
فمثلاً إذا شكّ في كون امرأة قرشيّة، فمع أنّه لا يوجد أصل يثبت قرشيّتها أو ينفيها، إلّا أنّ أصالة عدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش، كافية في إدخالها تحت عموم قوله: «المرأة ترى الحمرة إلى خمسين»، لأنّ الخارج عن هذا الحكم إنّما هو المرأة القرشيّة خاصّة.[1]
وسيأتي بيان مراده من قوله: «إنّه لا يوجد أصل يثبت قرشيّة المرأة أو ينفيها» مع ذهابه إلی جريان أصالة عدم تحقّق انتساب المرأة إلی قريش.
وقد بيّن السيّد الخوئي محلّ النزاع حيث قال: إنّ محلّ البحث في جريان هذا الأصل أو عدم جريانه إنّما هو فيما إذا كان المخصّص ذا عنوان وجودي يستلزم تقييد موضوع العامّ بعدمه، كما في قولنا: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» أو «أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق منهم».
وأمّا إذا كان المخصّص موجباً لتقييد موضوع العامّ بعنوان وجودي، كما لو قيل: «أكرم العلماء العدول»، أو قيل أوّلاً: «أكرم العلماء» ثم أُتبع بقوله: «فليكونوا عدولاً»، فهذه الصورة خارجة عن محلّ الكلام؛ إذ لو شكّ في عدالة شخص، فلا يوجد أصل يحرز عدالته.
نعم، لو كان الشكّ في بقاء العدالة، فاستصحابها وإن كان يقتضي البقاء، إلّا أنّه خارج عن محلّ البحث؛ لأنّ الكلام إنّما هو فيما إذا كان هناك أصل يحرز العدالة على نحو مطلق وفي جميع الموارد، ولا يوجد مثل هذا الأصل.[2]
وحقيقة ما يدّعيه الآخوند هي أنّ موضوع الحكم في العامّ لا يتغيّر بعد التخصيص، وإنّما ينضمّ إليه عنوان عدمي. وبناءً على ذلك، حيث إنّ عنوان العامّ يحرز بالوجدان والعنوان العدميّ يحرز بالاستصحاب، يثبت شمول حكم العامّ للفرد المشكوك.
وبعبارة أُخرى: إنّ التخصيص لا يوجب ترتّب الحكم على عنوانٍ بسيط، وهو نفس العنوان المأخوذ في العامّ مقيّداً بعدم العنوان المأخوذ في الخاصّ، بل غايته أنّ موضوع الحكم يصبح عنواناً مركّباً من العنوان المأخوذ في العامّ ومن عدم عنوان الخاصّ بحيث يحرز أحد جزئيه بالوجدان والجزء الآخر بالاستصحاب، فيترتّب حكم العامّ على الفرد المشكوك.
فمثلاً: إذا قيل: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم»، فقبل ورود التخصيص كان موضوع الحكم هو عنوان «العلماء» فقط، وأمّا بعد التخصيص فيصبح موضوع وجوب الإكرام مركّباً من جزأين: أحدهما عنوان «العلماء» والآخر «عدم الفسق». وبالنسبة إلى الفرد المشكوك، فبحسب الفرض عنوان «العالم» محرز، فيتحقّق الجزء الأوّل من الموضوع، ويحرز الجزء الثاني بالأصل، فيشمله وجوب الإكرام.
فمراده ممّا مرّ من أنّه لا يوجد أصل يثبت قرشيّة المرأة أو ينفيها، هو فقدان أصل يحرز به عنوان «المرأة غير القرشيّة» بنحو بسيط، وإن أمکن إحراز عدم القرشيّة بوصفه عدماً محموليّاً.
إلّا أنّ الميرزا النائيني قد أشكل على هذا المدّعى فقال: إن كان الباقي تحت العامّ بعد التخصيص هو المرأة التي ليست منتسبة إلى قريش بنحو مفاد «ليس التامّة»، فحينئذٍ يصحّ التمسّك بالأصل لإلحاق الفرد المشكوك. ولكن حيث إنّ ظاهر الدليل أنّ الباقي هو «المرأة غير القرشيّة» بنحو مفاد «ليس الناقصة»، فلا يصحّ التمسّك بـ «أصالة العدم» في الفرد المشكوك؛ لأنّ العدم النعتي المأخوذ في الموضوع لا حالة سابقة له، والعدم المحموليّ الأزلي وإن كان مجرى للأصل، إلّا أنّه لا يثبت العدم النعتي إلّا على نحو الأصل المثبت.[3]
وتوضيح ذلك: أنّ عنوان موضوع الحكم قد يلحظ تارة على نحو التركيب من أجزاء متعدّدة بحيث يكون لكلّ جزء لحاظ مستقلّ عن الآخر، وقد يلحظ أُخرى على نحو البساطة بحيث لا تكون لأجزائه لحاظات مستقلّة.
وسيأتي توضيح هذا المطلب في الجلسة القادمة إن شاء الله تعالى.