47/07/06
بسم الله الرحمن الرحیم
الإشکال علی مدعیَ المحقّق العراقي و الميرزا النائيني/ الأمر الثاني /العام و الخاص
الموضوع: العام و الخاص / الأمر الثاني / الإشکال علی مدعیَ المحقّق العراقي و الميرزا النائيني
قال المحقّق العراقي في الاستدلال على عدم جواز التمسّك بالعامّ في فرض إجمال المخصّص من حيث الشبهة المصداقيّة: إنّ الحجّيّة منحصرة في الظهور التصديقي، وهو الظهور القائم على كون المتكلّم في مقام الإفادة والاستفادة. ولا يتحقّق مثل هذا الظهور إلّا في الفرض الذي يتعلّق فيه قصد المتكلّم بإظهار مراده بواسطة اللفظ، وهذا بدوره متفرّع على التفات المتكلّم إلى ما تعلّق به مراده، إذ لو كان جاهلاً به أو احتمل كونه خارجاً عن مراده، فكيف يمكن أن يتعلّق قصده بإبرازه وكشفه باللفظ؟ ومن الواضح أنّ جميع الشبهات الموضوعيّة من هذا القبيل.[1]
وأورد السيّد الخميني إشكالاً على هذا الاستدلال فقال: إنّ حجّيّة الظهور ترتبط بمقام جعل الكبريات لا بتشخيص الصغريات. فالآمر إنّما يجب عليه أن يحرز أنّ الحكم يشمل تمام أفراد الطبيعة وإن أخطأ هو نفسه في تطبيقه على المصاديق. ولو قيل: إنّ كلّ مورد تكون للمتکلّم فيه شبهة لا يكون ظهور كلامه فيه حجّة، للزم من ذلك أنّه إذا شكّ المتکلّم في عدالة زيد، فلا يجب إكرامه علی المکلّف ولو مع علمه بعدالته، مع أنّ الالتزام بمثل هذه النتيجة ممّا لا يمكن قبوله بوضوح.[2]
والحقّ في هذا الإشكال مع السيّد الخميني.
هذا مضافاً إلى أنّ وجود الشبهة المصداقيّة للمخاطب لا يستلزم بالضرورة أن يكون المتكلّم مبتلىً بمثل هذه الشبهة، بل لعلّ المتكلّم لا تكون لديه أيّ شبهة في خصوص المصاديق أصلاً كما هو الحال في الأوامر الشرعيّة.
ثمّ إنّ الميرزا النائيني بعد أن ذهب إلی سقوط حجّيّة عموم العامّ عند إجمال المخصّص من حيث الشبهة المصداقيّة مع بقاء ظهوره في العموم، واعتبر ذلك ناشئاً من تقييد المراد الواقعي للمتكلّم من مدخول أداة العموم بالخاصّ، قال في خصوص عدم الفرق من هذه الجهة بين القضايا الخارجيّة والحقيقيّة: إنّه وإن قيل إنّ المتكلّم في القضيّة الخارجيّة يتكفّل بنفسه إحراز انطباق العنوان العامّ على المصاديق الخارجيّة، وبناءً عليه يكون ظهور كلامه متّبعاً في غير الموارد التي نعلم بدخولها في عنوان الخاصّ، إلّا أنّ الإشكال في هذه الدعوى هو أنّ استعمال العامّ في القضايا الخارجيّة كاستعماله في القضايا الحقيقيّة، وفي كلتيهما يكون العنوان العامّ مجرّد مرآة للأفراد، والفرق بينهما إنّما هو أنّ العنوان العامّ في القضيّة الحقيقيّة مضافاً إلى كونه مرآة للأفراد، يكون دخيلاً في ثبوت الحكم لهم، فيعدّ واسطة في الثبوت، بينما في القضايا الخارجيّة يكون ثبوت الحكم للأفراد ناشئاً من ملاك آخر، وهذا المقدار من الفرق بين القضيّتين لا تأثير له في الجهة التي نبحث عنها.[3]
ولکن يناقش في ذلك أوّلاً: بأنّ إجمال العامّ بسبب الشبهة المصداقيّة في مخصّصه ناشئ من الإجمال في المراد الجدّي للمتكلّم، لا من تقييد مدخول أداة العموم بقيد مجمل.
وثانياً: أنّ الحکم في القضايا الحقيقيّة يترتّب على الطبيعة بما هي هي، لا من حيث كونها مرآة للأفراد؛ لأنّ الطبيعة في حدّ ذاتها لا يمكن أن تكون مرآة لأفرادها مع لحاظ خصوصيّاتهم. وأمّا ترتّب الحكم في الموارد التي يكون فيها الموضوع ذا عموم على أفراد الطبيعة، فإنّما هو ناشئ من نسبة خاصّة قائمة بين الطبيعة وأفرادها في مثل هذه الموارد ـ وهي النسبة التي تقدّم بيانها في مبحث معنى العموم ـ لا لأجل كون الطبيعة مرآة للأفراد.
فالأولی أن يقال في الجواب عمّا ذكر لجواز التمسّك بالعامّ في القضايا الخارجيّة ما لم يعلم بخروج المصداق عن شمول الحکم: إنّ تكفّل المتكلّم في هذا النوع من القضايا بإحراز القيود لا يعني أنّه لا يمكنه أن يحيل إحراز بعض القيود إلی المخاطب؛ فمثلاً إذا قيل: «أكرم کلّ من في هذه الدار من العدول»، فمع أنّ هذه الجملة من القضايا الخارجيّة إلّا أنّ إحراز صفة العدالة فيها قد أُحيل إلی المكلّف.
وبعبارة أُخرى: لا يلزم في القضيّة الخارجيّة أن يحرز المتكلّم جميع القيود، بل يكفي أن يحرز بعضها ليعدّ الكلام قضيّة خارجيّة، وإن أُحيل إحراز القيود الأُخرى إلى المخاطب.
وعلى هذا فإذا صدر في القضيّة الخارجيّة حكم عامّ ثمّ خصّص بدليل آخر، يكشف ذلك عن عدم کون المراد الجدّي للمتكلّم في القضيّة الأُولى علی نحو أنّه قد أحرز بنفسه جميع القيود اللازمة ولم يکن للمكلّف تكليف بالنسبة إلی إحرازها، بل إنّ بعض القيود يجب إحرازه من قبل المخاطب.
إنّ ما ذكرناه كان مبنيّاً على افتراض أنّ المخصّص سبب لتقييد مدخول أداة العموم.
أمّا إذا اعتبرنا الخاصّ مجرّد مبيّن للمراد الجدّي للمتكلّم من العامّ، فيمكن أن يقال: إنّ الفرق بين القضايا الحقيقيّة والخارجيّة من حيث إرادة العموم إنّما هو في سعة الدائرة التي يجري فيها العموم؛ بمعنى أنّ هذه الدائرة في القضايا الحقيقيّة غير مقيّدة بالقيود التي أحرزها المتكلّم، في حين أنّها في القضايا الخارجيّة مقيّدة بتلك القيود. ومع ذلك فإنّ هذا الفرق لا يستلزم عدم كون ورود الخاصّ في القضايا الخارجيّة سبباً لتضييق المراد الجدّي للمتكلّم، بل إنّ الخاصّ في هذه الموارد أيضاً يؤدّي الدور نفسه، ونتيجة لذلك لا يكون من حيث سراية إجمال الخاصّ إلى العامّ فرق بين القضايا الحقيقيّة والخارجيّة.
ثمّ إنّ ما تقدّم إلى هنا إنّما كان في مورد ما إذا كان المخصّص لفظيّاً.
ونرجئ البحث عن المخصّص اللبّي إلى الجلسات القادمة إن شاء الله.