47/11/09
بسم الله الرحمن الرحیم
ادلّة تمكّن الزوج من النفقة في صحّة النكاح/ النفقات /النکاح
الموضوع: النکاح / النفقات / ادلّة تمكّن الزوج من النفقة في صحّة النكاح
قلنا في الجلسة السابقة إنّه في مسألة اشتراط تمكّن الزوج من دفع نفقة الزوجة حال العقد، توجد ثلاثة أقوال بين الأصحاب، وقد ذكرنا تلك الأقوال أيضاً.
وأمّا القول باشتراط التمكّن من النفقة في صحّة النكاح، فقد ذُكرت له أدلّة:
1 ـ الآية الشريفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكـَتْ أَيْمَانُكـُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾[1] .[2]
وجه الاستدلال بهذه الآية أنّه قد بيّن فيها أنّ من لا يملك القدرة على نكاح الحرّة فليكتف بملك اليمين؛ إمّا بالاكتفاء بالاستمتاع بها ـ ولو بنحو التحليل أو بدفع الأُجرة ونحو ذلك ـ أو بنكاح الأمة، حيث إنّ نفقتها أقلّ من نفقة الحرّة.
وعليه يستفاد من الآية أنّه مع عدم القدرة على دفع النفقة لا يجوّز نكاح الحرّة.
لكنّ الجواب أنّ الآية إرشاديّة ولا تدلّ على النهي عن النكاح، مضافاً إلى أنّ المدّعى إنّما يستفاد من مفهومها لا منطوقها، مع أنّها لا مفهوم لها.
واحتمل صاحب الجواهر ـ مع حمل الآية على الإرشاد ـ أنّ المراد عدم القدرة على المهر لا النفقة[3] ، وهو خلاف الظاهر؛ إذ لم يكن المهر غالباً ممّا يعجز عنه الفقراء زمن النزول.
2 ـ مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبدالله(ع): «الکفؤ أن يکون عفيفاً وعنده يسار.»[4] [5] [6]
کما أنّ مرسلة محمّد بن الفضيل[7] وخبر محمّد بن الفضيل الهاشمی[8] [9] وردا بمضمون قريب من ذلك.
لكنّ الإشكال على الاستناد إلى هذه الأخبار أنّها ضعيفة السند ولم يثبت أنّ فتوى قدماء الأصحاب بمدخليّة التمكّن من النفقة مستندة إليها بحيث ينجبر ضعف سندها بذلك، بل لم يثبت اشتهار هذا القول بين قدماء الأصحاب.
هذا مضافاً إلی أنّ ذكر العفاف إلى جانب اليسار قرينة على أنّ الكفاءة المذكورة في الرواية ليست ممّا تترتّب عليه صحّة النكاح؛ إذ لم يقل أحد بمدخليّة العفاف في الكفاءة المشترطة في صحّة النكاح.
وعليه ينبغي حمل هذه الأخبار ـ مع الغضّ عن ضعف أسانيدها ـ على بيان الأولويّة.
3 ـ ما رواه العامّة عن فاطمة بنت قيس وقد ورد فيه: «...لمّا حللت ذکرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا الجهم خطباني، فقال رسول الله(ص): أمّا أبوالجهم فلا يضع عصاه، وأمّا معاوية فصُعلوك لا مال له، انکحي أُسامة بن زيد.»[10] [11]
لكن يمكن الجواب عن هذا الاستدلال بأنّ ما صدر عن النبيّ(ص) ـ على فرض صحّة الرواية ـ إنّما هو في مقام المشورة في أمر النكاح ولا يدلّ على اشتراط التمكّن من النفقة في صحّته، بل إنّما بيّن ما فيه خير وصلاح فاطمة بنت قيس.
بل لعلّ وصف معاوية بن أبي سفيان بكونه «صعلوكاً» كان لأجل أنّ النبيّ(ص) كان على علم بنفاقه ولکنّه لم يرد التصريح بذلك، فذكر هذا الوصف ليصرف فاطمة بنت قيس عن الزواج منه، لا أنّ هذا الوصف مانع حقيقي من النكاح.
هذا مضافاً إلى أنّ غاية ما يستفاد من الرواية هو جواز ردّ الخاطب إذا كان فاقداً للتمكّن المالي، لا اشتراط التمكّن من النفقة في صحّة النكاح.
4 ـ خبر عليّ بن بلال، قال: «لقي هشام بن الحكم بعض الخوارج فقال: يا هشام! ما تقول في العجم؟ يجوز أن يتزوّجوا في العرب؟ قال: نعم. قال: فالعرب يتزوّجوا من قريش؟ قال: نعم. قال: فقريش يتزوّج في بني هاشم؟ قال: نعم. قال: عمّن أخذت هذا؟ قال: عن جعفر بن محمّد(ع)، سمعته يقول: أتتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم؟ قال: فخرج الخارجي حتّى أتى أبا عبدالله(ع) فقال: إنّي لقيت هشاماً فسألته عن كذا فأخبرني بكذا وكذا وذكر أنّه سمعه منك. قال: نعم، قد قلت ذلك. فقال الخارجي: فها أنا ذا قد جئتك خاطباً. فقال له أبو عبدالله(ع): إنّك لكفو في دمك وحسبك في قومك، ولكنّ الله عزّ وجلّ صاننا عن الصدقة وهي أوساخ أيدي الناس، فنكره أن نشرك فيما فضّلنا الله به من لم يجعل الله له مثل ما جعل الله لنا. فقام الخارجي وهو يقول: تالله ما رأيت رجلاً مثله قطّ، ردّني والله أقبح ردّ وما خرج من قول صاحبه.»[12] [13]
وقد ذكر العلّامة في المختلف[14] أنّ ابن الجنيد استدلّ بهذه الرواية على اشتراط التمكّن من النفقة في الكفاءة؛ ثمّ أشكل عليه بأنّ هذه الرواية ينبغي حملها على بيان الأولويّة؛ وذلك بقرينة ما ورد في موثّقة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله(ع): «إنّ رسول الله(ص) زوّج ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطّلب من مقداد بن الأسود، فتكلّمت في ذلك بنو هاشم، فقال رسول الله(ص): إنّي إنّما أردت أن تتّضع المناكح.»[15] [16]
لكن من الواضح أنّ موثّقة معاوية بن عمّار لا ترتبط بهذا البحث؛ إذ الظاهر منها أنّ اعتراض بني هاشم كان من جهة حسب المقداد ونسبه، لا من جهة فقره.
وعليه يقال في الجواب عن مدّعى ابن الجنيد: إنّ غاية خبر علي بن بلال ـ مع الغضّ عن ضعف سنده ـ الدلالة على جواز ردّ الخاطب، لا على اشتراط التمكّن من النفقة في الكفاءة.
كما أنّ ما ذكره الإمام الصادق(ع) في جواب الخارجي ليس هو أنّك فاقد للتمكّن المالي فلا أُزوّجك، بل إنّ وجه الاستدلال أنّه لعلّك تحتاج إلى الانتفاع بالصدقات التي حرّمت على بني هاشم، وبسبب زواجك من امرأة هاشميّة قد تمتنع من ذلك، فمن هنا ردّ طلبك، وهذا لا يرتبط ببحثنا.
مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ الإمام(ع) إنّما صدر منه هذا الجواب على نحو التقيّة؛ لأنّ الخاطب كان خارجيّاً وهو بحكم الكافر ولا يحقّ له نكاح المرأة المسلمة، إلّا أنّ الإمام(ع) لم يرد التصريح بذلك، فاستند في إسكات الخصم إلى ما ذكر في الرواية.
ونؤجّل بيان بقيّة المطالب إلى الجلسة القادمة إن شاء الله.