« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/11/08

بسم الله الرحمن الرحیم

 عجز الزوج عن دفع نفقة الزوجة/ النفقات /النکاح

الموضوع: النکاح / النفقات / عجز الزوج عن دفع نفقة الزوجة

 

الفرع الثالث: عجز الزوج عن دفع نفقة الزوجة

إذا عجز الزوج عن دفع نفقة زوجته، فهل يكون للزوجة حقّ فسخ عقد النكاح أو المطالبة بالطلاق أم لا؟

لقد تقدّم البحث في هذه المسألة سابقاً ضمن مسائل اشتراط الكفاءة في النكاح، ولكن لمّا كان الارتباط الأساسي للمسألة بمباحث النفقات، نعيد النظر فيها هنا مرة أُخرى.

وهذه المسألة ينبغي البحث فيها ضمن مقامين:

المقام الأوّل: اشتراط تمكّن الزوج من النفقة في صحة النكاح ابتداءً

هل يشترط في صحّة النكاح ابتداءً أن يكون الزوج متمكّناً من الإنفاق على الزوجة بحيث لو لم يكن متمكّناً من ذلك، لم تتحقّق الكفاءة وكان النكاح فاسداً، أو يكون للزوجة حقّ الفسخ؟

في هذه المسألة ثلاثة أقوال بين الأصحاب:

القول الأوّل: اشتراط التمکّن من النفقة في تحقّق الکفاءة

قال المفيد في المقنعة: «المسلم إذا كان واجداً طولاً للإنفاق بحسب الحاجة على الأزواج مستطيعاً للنكاح مأموناً على الأنفس والأموال ولم يكن به آفة في عقله ولا سفه في الرأي، فهو كفو في النكاح‌.»[1]

كما ذكر ابن البرّاج في كتابه المهذّب مضموناً قريباً من هذا المعنى.[2]

وقال الشيخ في المبسوط: «الكفاءة معتبرة بلا خلاف في النكاح، وعندنا هي الإيمان مع إمكان القيام بالنفقة.»[3] وهذا الكلام ظاهر في دعوى الإجماع في المسألة.

وكلام الشيخ في الخلاف، وابن زهرة في الغنية، والعلّامة في التذكرة أيضاً نظير هذا المطلب. [4] [5] [6]

إلّا أنّ ابن إدريس قال في هذه المسألة: «عندنا أنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران: الإيمان، واليسار بقدر ما يقوم بأمرها والإنفاق عليها، ولا يراعى ما وراء ذلك من الأنساب والصنائع.

والأولى أن يقال: إنّ اليسار ليس بشرط في صحّة العقد، وإنّما للمرأة الخيار إذا لم يكن موسراً بنفقتها، ولا يكون العقد باطلاً، بل الخيار إليها، وليس كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا بان كافراً، فانّ العقد باطل ولا يكون للمرأة الخيار كما كان لها في اليسار.

فليلحظ ذلك ويتأمّل، فقد يوجد في كثير من الكتب المصنّفة إطلاق ذلك وأنّ الكفاءة المعتبرة في صحة النكاح عندنا أمران، الإيمان والنفقة، وتحريره ما ذكرناه وبيّنّاه.»[7]

واختار ابن سعيد والعلّامة في المختلف رأياً نظير هذا القول. [8] [9]

إلّا أنّ فخر المحققين لا يقبل أنّ جميع القائلين باشتراط تمكّن الزوج من نفقة الزوجة يرون ثبوت حقّ الفسخ للزوجة عند فقدان هذا التمكّن، بل يحمل كلام من قال باشتراط التمكّن من النفقة في الكفاءة على نحو مطلق على أنّه مع فقدان هذا التمكّن يكون النكاح فاسداً حيث يقول: : «اختلف الناس في التمكن من النفقة على أقوال ثلاثة: ألف ـ أنّه شرط... ب ـ ليس بشرط... ج ـ أنّه ليس بشرط لكن للمرئة خيار الفسخ مع عدم اليسار بنفقتها.»[10]

ولكنّ العلامة في المختلف ادّعى الإجماع على أنّه إذا كانت الزوجة عالمة بإعسار الزوج ومع ذلك رضيت بالنكاح، فإنّ النكاح صحيح. [11]

بل يظهر الإجماع المذکور من کلام الشيخ نفسه حيث قال في المبسوط: «متى رضي الأولياء والمزوّجة بمن ليس بكفو ووقع العقد على من دونها في النسب والحرّيّة والدين والصناعة والسلامة من العيوب واليسار، كان العقد صحيحاً بلا خلاف، إلّا الماجشوني، فإنّه قال: الكفاءة شرط في صحّة العقد، فمتى لم يكن كفواً كان العقد باطلاً.»[12]

وقال الشهيد في غاية المراد: «هي في النكاح تحصل بأشياء تنقسم قسمين:

الأوّل: الكفاءة الإجباريّة التي لا يؤثّر فيها اختيار الزوجين لعدمها، وهي الإسلام في حقّ الزوجة إجماعاً، والإيمان في الأصحّ.

الثاني: الكفاءة الاختياريّة، وهي المبيحة للامتناع من إجابة الخاطب وهي التمكّن من النفقة...

ولا أظنّ أنّ أحداً من الأصحاب خالف في أنّ التمكّن من النفقة من الكفاءة بهذا المعنى ولا أنّ أحداً منهم جعل التمكّن من النفقة من القسم الأوّل.

والمصنّف في المختلف ادّعى الإجماع على صحّة نكاح الفقير مع علمها، ولكنّ الشيخ في المبسوط والخلاف كلامه يوهم أنّهما من القسم الأوّل... وكأنّ بعض الأصحاب فهم أنّه يشترطها كاشتراطه الإيمان، فقال ابن إدريس: «والأولى أنّ اليسار ليس بشرط في صحّة العقد.»

وعلى ما قلناه لا خلاف يحصل هنا وإنّما الخلاف في شي‌ء آخر وهو أنّه لو تزوّج فبان معسراً فهل للزوجة الخيار في الفسخ والإمضاء؟»[13]

القول الثاني: عدم اشتراط التمکّن من النفقة في تحقّق الکفاءة

قال الصدوق في المقنع میفرمايد: «وإذا خطب إليك رجل رضيت دينه وخلقه وأمانته فزوّجه، فإنّ الله يقول: ﴿إِنْ‌ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ‌ يُغْنِهِمُ‌ اللّٰهُ‌ مِنْ‌ فَضْلِهِ﴾[14] [15]

وقال ابن حمزة: «الكفاءة معتبرة في نكاح الدوام‌ وهي الإيمان.»[16]

وقال المحقّق في النافع: «لا يشترط تمكّن الزوج من النفقة.»[17]

وقال في الشرائع: «هل يشترط تمكّنه من النفقة؟ قيل: نعم، وقيل: لا؛ وهو الأشبه.»[18]

وقال العلّامة في التحرير: «هل يشترط تمكّن الزوج من النفقة؟ قيل: نعم، والأقرب أنّه ليس شرطاً.»[19]

وقد اختار في القواعد أيضاً نظير هذا الرأي.[20]

بل إنّ المحقّق الكركي، والشهيد الثاني، وكاشف اللثام مع قبولهم هذا القول، نسبوه إلى أكثر الأصحاب. [21] [22] [23]

بل إنّ كاشف اللثام استفاد من کلام الشيخ في النهاية ـ حيث قال فيها: «إذا خطب المؤمن إلى غيره بنته وكان عنده يسار بقدر ما يقوم بأمرها والإنفاق عليها وكان ممّن يرضى دينه وأمانته ولا يكون مرتكباً لشيء من الفجور وإن كان حقيراً في نسبه قليل المال فلم يزوّجه إيّاها، كان عاصياً لله مخالفاً لسنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله.»[24] ـ أنّه من القائلين بهذا القول، إذ استظهر من كلامه أنّ التمكّن من النفقة وإن لم يكن دخيلاً في الكفاءة، إلّا أنّ عدم تمكّن الزوج منها يعدّ مسوّغاً لعدم قبول طلب النكاح.

فهذا في الواقع نظير مدّعی الشهيد في اللمعة حيث قال فيها: «ليس التمكن من النفقة شرطاً في صحّة العقد. نعم، هو شرط في وجوب الاجابة.»[25]

وعليه يمکن عدّ الشيخ في النهاية والشهيد في اللمعة أيضاً من أصحاب القول الثاني.

القول الثالث: التوقّف في المسألة

قال العلّامة في الإرشاد: «لا يشترط تمكّنه من النفقة على رأي.»[26]

ونوکل بقيّة البحث إلی الجلسة القادمة إن شاء الله.


[8] الجامع للشرائع، ص439.
logo