47/08/20
بسم الله الرحمن الرحیم
وجوب النفقة في النکاح المفسوخ - لزوم مراعاة العدل بين الزوجات في باب النفقة/ النفقات /النکاح
الموضوع: النکاح / النفقات / وجوب النفقة في النکاح المفسوخ - لزوم مراعاة العدل بين الزوجات في باب النفقة
تقدّم في الجلسة السابقة بيان الإشكال الأوّل الوارد على دعوى الشهيد الثاني.
الثاني: إنّ القول بتقديم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب على نحو الإطلاق لا وجه له أيضاً؛ وذلك لأنّ نفقة الزوجة ـ كما تقدّم ـ ليست واجبة على الزوج من باب المعاوضة، بل إنّ وجوبها حكم تكليفيّ شرّعه الشارع.
كما أنّ عدم سقوط نفقة الزوجة مع تمكّنها المالي ـ بخلاف نفقة الأقارب ـ لا يصلح دليلاً على تقديم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب على نحو مطلق.
وعليه فبناءً على ما ذكرناه سابقاً في مسألة تقديم نفقة النفس، يقال هنا أيضاً: إنّه إذا كانت الزوجة مالكة لأموال يمكنها أن تؤمّن نفقتها منها، فإنّ نفقة الأقارب تكون مقدّمة على نفقة الزوجة؛ لوقوع التزاحم بين واجبين، وتكون الأهمّيّة في هذه الحالة لنفقة الأقارب.
وأمّا إذا كانت الزوجة فاقدة لمثل هذه الأموال، فلابدّ من ملاحظة الظروف وتشخيص الأهمّ والمهمّ والعمل على ضوء ذلك؛ فمثلاً لا شكّ أنّ الاكتفاء في نفقة الزوجة بمقدار أقلّ ممّا تحتاج إليه عادة مع تأمين نفقة ولده الصغير الذي لا يملك مالاً، أهمّ من تأمين النفقة المعتادة للزوجة وترك الطفل الصغير بلا أيّ نفقة.
الثالث: كما تقدّم في المسألة السابقة، فإنّ دعوى الشهيد الثاني في هذه المسألة من أنّ نفقة الزوجة لا تتعلّق بالذمّة ما لم يمض وقتها، تنافي ما تقدّم عنه في المسألة السابقة من أنّ نفقة الزوجة بمنزلة الدين في ذمّة الزوج.
ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى بحث بعض الفروع التي لم يتعرّض لها المحقّق في هذا المقام.
الفرع الأوّل: وجوب النفقة في النکاح المفسوخ
قال الشيخ في المبسوط: «وأمّا النكاح المفسوخ فعلى ضربين: نكاح وقع مفسوخاً، ونكاح وقع صحيحاً ثم فسخ.
فأمّا ما كان مفسوخاً ـ مثل نكاح الشغار عندنا وعندهم مثل المتعة والنكاح بلا وليّ وشاهدين ـ فلها بالعقد مهر المثل، لأنّها معاوضة فاسدة فلم يجب فيها المسمّى كالبيع الفاسد، وأمّا النفقة فلا يجب لها وإن مكّنت من نفسها التمكين الكامل، لأنّها في مقابلة التمكين المستحقّ الواجب عليها، ويفرّق بينهما ولا يقرّان على فرج حرام...
فأمّا إن وقع صحيحاً ثمّ فسخ بالعيب، لم يخلُ من أحد أمرين: إمّا أن يكون قبل الدخول أو بعده.
فإن كان قبله فلا نفقة ولا سكنى ولا مهر، ولا فرق بين أن يكون العيب موجوداً حال العقد أو حدث بعده.
وأمّا إن كان قبله... يكون الحكم في العدة والسكنى والنفقة على ما فصّلناه في النكاح المفسوخ من أصله.
وإن كان لعيب حدث بعد الدخول... والحكم في السكنى والنفقة على ما فصّلناه في النكاح المفسوخ.»[1]
وقال العلامة في التحرير: «النكاح المفسوخ من أصله كالشغار، لا يستحقّ بالعقد فيه مهر ولا نفقة، ويفرّق بينهما. ولو دخل جاهلاً بالفساد، فإن كان قد سمّى، ثبت المسمّى وإلا فمهر المثل، ويفرّق بينهما، ولا نفقة لها ولا سكنى.
ولو حملت قال الشيخ: لها النفقة عندنا، لعموم الأخبار.
ولو وقع صحيحاً ثمّ فسخ لعيب قبل الدخول، فلا نفقة ولا مهر. وإن كان بعده فلا نفقة أيضاً ولها المسمّى، أو مهر المثل إن لم يسمّ. ولو كانت حاملاً فلها النفقة أيضاً.»[2]
والذي يمكن قوله في هذه المسألة هو أنّه إذا كان النكاح باطلاً من أصله ـ كما إذا تبيّن بعد ذلك أنّ الزوجة أُخت رضاعيّة للزوج ـ فلا وجه لوجوب النفقة؛ لانتفاء سببها وهو الزوجيّة. بل حتّى في الصورة التي اعتدّت فيها المرأة بعد انكشاف فساد النكاح عدّة وطء الشبهة بسبب دخول قد وقع وكانت حاملاً، فإنّها لا تستحقّ النفقة أيضاً؛ لما تقدّم من عدم الدليل على استحقاق المرأة الحامل للنفقة إذا كانت في عدّة بائنة لسبب غير الطلاق، وإن كنّا قد ذكرنا أنّ مقتضى الاحتياط هو المصالحة بينهما.
وأمّا إذا فسخ النكاح بعد ذلك لسبب كالعيب، فلا إشكال في أنّ ما كانت الزوجة قد تلقّته سابقاً وقبل الفسخ، يعدّ نفقة لها، لأنّ الفسخ إنّما يؤثّر من حينه ولا يستلزم فساد أصل النكاح.
وأمّا بعد الفسخ، فلا وجه لاستحقاق المرأة للنفقة وإن كانت حاملاً، ووجه ذلك هو عين ما تقدّم بيانه.
الفرع الثاني: لزوم مراعاة العدل بين الزوجات في باب النفقة
تقدّم سابقاً أنّ ما ذكر في الآية الشريفة بعنوان لزوم مراعاة العدل بين الزوجات، قد فسّر في حسنة نوح بن شعيب ومحمّد بن الحسن بلزوم مراعاة العدل في خصوص إعطاء النفقة، حيث ورد فيها: «سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم فقال له: أليس الله حكيماً؟ قال: بلى، وهو أحكم الحاكمين. قال: فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ: ﴿فَانْكـِحُوا مَا طَابَ لَكـُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ و َثُلَاثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾[3] ، أليس هذا فرضاً؟ قال: بلى. قال: فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ: ﴿و َلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾[4] أيّ حكيم يتكلّم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب. فرحل إلى المدينة إلى أبي عبدالله(ع)، فقال: يا هشام! في غير وقت حجّ ولا عمرة؟ قال: نعم، جعلت فداك! لأمر أهمّني. إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء. قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصّة فقال له أبو عبدالله(ع): أمّا قوله عزّ وجلّ: «فَانْكـِحُوا مَا طَابَ لَكـُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ و َثُلَاثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» يعني في النفقة، وأمّا قوله: «و َلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ» يعني في المودّة. قال: فلمّا قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره قال: والله ما هذا من عندك.»[5] [6]
إلا أنّ هذا المطلب قد نفي في صحيحة عبد الملك بن عتبة الهاشمي حيث قال: «سألت أبا الحسن(ع) عن الرجل يكون له امرأتان، يريد أن يؤثر إحداهما بالكسوة والعطيّة، أيصلح ذلك؟ قال: لا بأس بذلك، واجتهد في العدل بينهما.»[7] [8]
وقد حمل صاحب الوسائل الرواية الأُولى في مقام الجمع على النفقة الواجبة، والرواية الثانية على النفقة المستحبّة.[9]
أقول: ينبغي الالتفات إلی أنّ المراد من مراعاة العدل بين الزوجات من حيث النفقة ليس هو التسوية بينهنّ في مقدار ما يدفع إليهنّ بعنوان النفقة، بل المقصود أن تعطى كلّ واحدة منهنّ نفقتها على النحو المناسب لشأنها. فإذا لم يكن الزوج متمكّناً من تأمين نفقة جميع الزوجات بما يوافق شأنهنّ، وجب عليه أن يوزّع ما يتمكّن من أدائه بعنوان النفقة بينهنّ بنسبة نفقتهنّ بحسب ما يقتضيه شأن كلّ واحدة منهنّ.
وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير الرواية الثانية بأنّ التسوية بين الزوجات غير واجبة وإنّما الواجب هو مراعاة العدل. نعم، وبالنظر إلى اشتمال الرواية على لفظ «العطيّة»، يمكن أيضاً عدّ ما ذكره صاحب الوسائل من الحمل مقبولاً.