47/08/19
بسم الله الرحمن الرحیم
تقدّم نفقة الزوجيّة على الأقارب/ النفقات /النکاح
الموضوع: النکاح / النفقات / تقدّم نفقة الزوجيّة على الأقارب
قال المحقّق الحلّي: «الثامنة: نفقة الزوجيّة مقدّمة على الأقارب، فما فضل عن قوته صرفه إليها. ثمّ لا يدفع إلى الأقارب إلا ما يفضل عن واجب نفقة الزوجة، لأنّها نفقة معاوضة وتثبت في الذمّة.»[1]
قال الشهيد الثاني في توضيح هذه المسألة: «إذا اجتمع على الشخص الواحد محتاجون يلزمه الإنفاق عليهم، فإن وفي ماله أو كسبه بنفقتهم فعليه نفقة الجميع، وإن لم يف بالكلّ ابتدأ بنفقة نفسه، لأنّ نفقته مقدّمة على جميع الحقوق من الديون وغيرها من أموال المعاوضات، وغاية نفقة الزوجة إلحاقها بذلك.
فإن فضل منه نفقة واحد قدّم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب.
والفرق بين نفقتهما ـ مع اشتراكهما في أصل الوجوب ـ ما أشار إليه المصنّف من أنّ نفقة الزوجة تثبت على وجه المعاوضة على الاستمتاع، وتثبت في الذمّة إذا فاتت، بخلاف نفقة القريب، فإنّها تثبت لمجرّد المواساة، والعوض أولى بالرعاية من المواساة. ولأنّها أقوى من نفقة القريب، ولهذا لا تسقط بغناها ولا بمضيّ الزمان، بخلاف نفقته.
واعترض بأنّ نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون، ونفقة القريب مقدّمة على الديون كما علم من باب المفلّ
ويؤيّده ما روي «أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ(ص) فقال: معي دينار، فقال(ص): أنفقه على نفسك. فقال: معي آخر، فقال(ص): أنفقه على ولدك. فقال: معي آخر، فقال(ص): أنفقه على أهلك.»
فقدّم نفقة الولد على نفقة الأهل كما قدّم نفقة النفس على الولد.
ولهذا الخبر ذهب بعض الشافعيّة إلى أنّ نفقة الطفل تقدّم على نفقة الزوجة.
ويمكن الجواب بأنّ نفقة الزوجة إنّما تكون كالدين مع مضيّ وقتها، ويلتزم حينئذٍ بأنّ نفقة القريب مقدّمة على قضائها كما تقدّم على قضاء الدين. أمّا الحاضرة فإنّها أقوى من الدين، ولذلك قدّمت نفقة الزوجة عليه في مال المفلّس، ويبقى معها المرجّح على نفقة القريب بقوّتها بسبب المعاوضة، وثبوتها مع الغنى والفقر، بخلاف نفقة القريب، فيقدّم عليها.
والخبر ـ مع تسليمه ـ يحمل على الإنفاق على وجه التبرّع توسّعاً في النفقة.
ويؤيّده قوله فيه بعد ذلك: «معي آخر، قال(ص): أنفقه على خادمك. قال: معي آخر، قال(ص): أنفقه في سبيل الله، وذلك أيسر» مع أنّ نفقة الخادم أعمّ من أن تكون واجبة وغير واجبة، وكذلك الإنفاق في سبيل الله، فجرى الحديث على الأمر بالإنفاق على ما فيه قربة.»[2]
غير أنّ على ما أفاده إشكالات عدّة، منها:
أوّلاً: إنّ ما ذكره في وجه تقديم نفقة النفس على نفقة الغير ليس مدّعى تامّاً ـ وإن ادّعى بعضهم عليه الإجماع[3] [4] ـ كما أنّ دعوى أهمّيّة النفس على الغير عند الشارع[5] على نحو الإطلاق دعوى بلا دليل.
نعم، إذا كان أداء النفقة موجباً للحرج على الزوج بحيث يؤدّي إلى وقوعه في الحرج بسبب حرمانه ممّا هو من مؤونته، فلا إشكال في أنّ أدلّة نفي الحرج تقتضي رفع وجوب النفقة عنه. إلا أنّ محلّ البحث هنا أعمّ من مورد الحرج؛ لأنّ تقديم نفقة النفس على نفقة الغير يقتضي أن يبدأ الزوج ـ حتّى مع عدم تمكّن الزوجة ماليّاً وعدم قدرتها على تأمين نفقتها ـ بإنفاق ماله على نفسه بالمقدار الذي يكفيه عادة، ولو كان ذلك أكثر بكثير من المقدار الذي يندفع به الحرج، ثمّ إن بقي شيء أنفقه في نفقة الزوجة.
فإن قيل: إنّ دليل ذلك هو سيرة العقلاء.
قلت: إنّ ثبوت مثل هذه السيرة عند العقلاء غير معلوم، بل لعلّ السيرة على خلاف ذلك موجودة عندهم.
وبناءً على ذلك ينبغي أن يقال في هذه المسألة: إنّه إذا كانت الزوجة فاقدة للأموال التي يمكنها أن تؤمّن بها نفقتها، وجب على الزوج ـ بعد المقدار الذي يندفع به الحرج عنه ـ أن يلاحظ قاعدة الأهمّ والمهمّ، فإن كان أداء النفقة للزوجة أهمّ من صرف المال في نفقته الشخصيّة، لزمه أن يدفع نفقة الزوجة إليها.
وأمّا إذا كانت الزوجة تملك من الأموال ما يمكنها أن تؤمّن به نفقتها، فيمكن الادّعاء أنّ الزوج في هذه الحالة يكون أحقّ بصرف المال في نفقته على نفسه من الزوجة.
وكذلك الحال في نفقة الأقارب ـ التي لا تجب على الإنسان إلا في صورة عجزهم عن تأمين نفقتهم بأنفسهم ـ إذ يلزم فيها ملاحظة جانب الأهمّ عند صرف المال الزائد على المقدار الذي يندفع به الحرج.
فمثلاً إذا كان للأب ولد صغير وكان عدم تأمين نفقته يؤدّي إلى ضعفه ومرضه ـ وإن لم يصل الأمر إلى تعرّض حياته للخطر ـ فلا يمكن الالتزام بأنّ أكل الأب للطعام إلى حدّ الإشباع الكامل مقدّم على تأمين حاجة الولد إلى الطعام.
وأمّا ما قيل من أنّ تأمين نفقة النفس مقدّم على أداء الدّين فلا يرتبط ببحثنا هذا، لأنّ الكلام هنا في وجوب تأمين نفقة الزوجة والأقارب، لا في أداء نفقة مضى وقتها وتعلّقت بالذمّة.