« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/07/07

بسم الله الرحمن الرحیم

 اشتغال ذمّة الزوج بنفقة الزوجة - استرداد ما لم تصرفه الزوجة من النفقة/ النفقات /النکاح

الموضوع: النکاح / النفقات / اشتغال ذمّة الزوج بنفقة الزوجة - استرداد ما لم تصرفه الزوجة من النفقة

 

قلنا في الجلسة السابقة: إنّه في مسألة اشتغال ذمّة الزوج بنفقة الزوجة، ذهب بعض العامّة إلى التفريق بين ما إذا كان هناك حكم من الحاكم وما إذا لم يكن.

قال ابن قدامة في هذا المجال: «من ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدّة، لم يسقط بذلك وكانت ديناً في ذمّته ـ سواء تركها لعذر أو غير عذر ـ في أظهر الروايتين؛ وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.

والرواية الأُخرى: تسقط نفقتها ما لم يكن الحاكم قد فرضها لها؛ وهذا مذهب أبي حنيفة، لأنّها نفقة تجب يوماً فيوماً، فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب، لأنّ نفقة الماضي قد استغني عنها بمضيّ وقتها، فتسقط، كنفقة الأقارب.»[1]

ولكن لا وجه لهذا التفصيل؛ إذ لو لم نعتبر وجوب النفقة شرعاً على الزوج مستلزماً لاشتغال ذمّته، فإنّ مجرّد تقدير القاضي لها وحكمه بها لا يوجب اشتغال الذمّة.

الأمر الرابع: استرداد ما لم تصرفه الزوجة من النفقة

إذا لم تصرف الزوجة ـ بسبب الاقتصاد والتقتير ـ تمام ما وضع تحت تصرّفها بعنوان النفقة، فهل يكون للزوج حقّ استرداد الزائد؟

تقدّم في كلمات المحقّق أنّه لا حقّ للزوج في ذلك، بل ادّعي عدم الخلاف فيه[2] [3] .

والحقّ في هذه المسألة أنّه في الأُمور التي قام الدليل على تملّك الزوجة لها ـ كالأطعمة ـ تكون ملكيّة الزوجة للنفقة منوطة بوجود المقتضي وعدم المانع، ولا مدخليّة لكون ما أخذته الزوجة قد صرفته أو لم تصرفه في ذلك. وتؤيّد ذلك صحيحة شهاب بن عبد ربّه التي تقدّمت سابقاً وقد ورد فيها أنّ الزوجة بعد أن تتسلّم الطعام، يجوز لها أن تأكله أو تهبه أو تتصدّق به، وهذا يدلّ على أنّ صرف ما وضع تحت تصرّف الزوجة بعنوان النفقة من قبلها لا مدخليّة له في ثبوت ملكيّتها له.

وبناءً على ذلك فالنفقة التي دخلت في ملك الزوجة لا وجه لخروجها عن ملكها ولا لثبوت حقّ الاسترداد للزوج فيها.

الأمر الخامس: حكم الکسوة

وقع الخلاف بين الأصحاب في أنّ الکسوة التي تعطى للزوجة بعنوان النفقة هل تکون ملكاً لها أم لا؟

قال الشيخ في المبسوط في هذا المجال: «إذا أسلم إليها الكسوة، فقد ملكتها على الإطلاق، تتصرّف فيها كيف شاءت.»[4]

ويستفاد من كلمات المحقّق أيضاً ـ التي تقدّمت في صدر البحث ـ أنّه يقول بملكيّة الزوجة للكسوة.

وكذلك قال العلامة في القواعد: «هل الواجب في الكسوة الإمتاع أو التمليك‌؟ إشكال، أقربه الثاني.»[5]

إلا أنّه قال في التحرير: «يكفي في الكسوة الإمتاع دون التمليك على إشكال.»[6]

وقال في الإرشاد: «لا يجب في الكسوة والمسكن والأثاث التمليك بل الامتاع.»[7]

وقال فخر المحقّقين في توضيح وجه الإشکال تقدّم في کلام العلامة في القواعد: «ينشأ من أنّ الغاية من وجوب الكسوة، الستر كالسكنى، وهو يحصل بالإمتاع كالسكنى. ولأصالة براءة الذمة من وجوب التمليك، لقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾[8] وهي للمال ويتمّ بالإمتاع، وإيجاب التمليك يستلزم زيادة إضمار من غير ضرورة.

ومن أنّ الإمتاع لها متلف فكانت كالطعام.

واختار إمام المجتهدين والدي المصنّف الثاني وهو التمليك، وهو الأقوى عندي، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‌ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ عطفها على الرزق، فيكون الواجب فيهما واحداً، لأن قضيّة العطف التسوية في الحكم المتقدّم، وهو في الرزق التمليك، فكذا في الكسوة.

ولقوله(ع): «ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف»[9] واللام للتمليك.»[10]

وأمّا الشهيد الثاني فبعد أن نقل الاستدلالات المذكورة لکون الکسوة ملکاً للزوجة، أورد عليها إشكالاً وسنقوم بدراسة كلماته في الجلسة القادمة إن شاء الله.

 


[9] مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج5، ص73.
logo