« قائمة الدروس
بحث الفقه الأستاذ سید علي الموسوي اردبیلي

47/07/06

بسم الله الرحمن الرحیم

زوال الزوجيّة قبل احتياج الزوجة إلی النفقة - اشتغال ذمّة الزوج بعدم إعطاء نفقة الزوجة/ النفقات /النکاح

الموضوع: النکاح / النفقات / زوال الزوجيّة قبل احتياج الزوجة إلی النفقة - اشتغال ذمّة الزوج بعدم إعطاء نفقة الزوجة

 

قلنا في الجلسة السابقة: إنّه إذا سلّم الزوج النفقة إلى الزوجة ثمّ قبل حلول زمان احتياج الزوجة إليها زالت الزوجيّة أو نشزت الزوجة، كان للزوج حقّ استرداد ما زاد من الأموال التي سلّمها إليها.

وقال صاحب الجواهر أيضاً في خصوص ما تقدّم في كلمات العلامة وكاشف اللثام: «قد يشكل الفرق بين يوم الطلاق وغيره بعد اشتراط التمكين.

وإن قيل: إنّها في صورة الطلاق مسلّمة للعوض الذي هو التمكين، وإنّما ردّه الزوج بالطلاق، بخلاف غيره من الصور التي لا تسليم فيها.

لكنّه كما ترى، ضرورة صدق عدم حصوله بفوات الزوجيّة بسبب الطلاق المأذون فيه شرعاً، والمشروط عدم عند عدم شرطه.

كدعوى الفرق بين يوم الطلاق وغيره من الأيّام، وبأنّها ملكت النفقة ملكاً مستقرّاً في صبيحته ببذل التمكين أوّله، بخلاف غيره الذي لا ملك لها فيه أصلاً، إذ هي إنّما تملك متجدّداً بتجدّد كلّ يوم؛ وذلك لما عرفت من عدم الفرق بين الأيّام في كيفيّة اشتراط التمكين، فهي وإن ملكت المدفوع إليها في يومه لكنّه مراعیً بالتمكين الذي هو كالمعوّض، فإن سلّم فذاك وإلا استردّ بإزائه، نحو المؤجر الذي يملك تمام الأُجرة ملكاً مراعیً بسلامة العوض للمستأجر.

بل اللازم على تقدير الاكتفاء ببذل التمكين أوّل اليوم الاستقرار في ذمّته لها إن لم يدفع لو طلّقها في أثناء اليوم، والظاهر أنّهم لا يلتزمون به...

بل ربما احتمل استرداد جميع نفقة اليوم والليلة بفوات التمكين ولو في الجزء الأخير منها ، لكونه في تمام اليوم والليلة، ولعلّه ظاهر بعض العبارات، وإن كان الذي يقوى في النظر التوزيع، نحو توزيع الأعواض على المعوّضات.

وهذا متّجه في نفقة اليوم والليلة الحاضرين. أمّا ما زاد عليهما فلا إشكال ولا خلاف في استردادها بالموت والطلاق والنشوز وغير ذلك.»[1]

أقول: وإن كان أصل ما ذكره في خصوص جواز استرداد الزوج قابلاً للالتزام، إلا أنّ توجيه هذه الدعوى بأنّ الزوج لعدم تلقّيه عوض النفقة ـ أي: التمکين ـ له حقّ استرداد المعوّض، غير قابل للالتزام؛ إذ كما كرّرنا غير مرّة لا دليل على أنّ النفقة في مقابل التمكين وتعدّ عوضاً عنه، بل نفقة الزوجة إلی نهاية أمد الزوجيّة تجب على الزوج بمجرّد تحقّقها، ويعدّ نشوز الزوجة مانعاً عنها.

وبناءً على ذلك فكون ملكيّة الزوجة للنفقة مراعاة ليس بمعنی کونها في مقابل تلقّي الزوج لعوضها، بل بمعنى أنّ ملكيّتها لها على نحو الشرط المتأخّر مشروطة بوجود المقتضي لها وعدم المانع منها حين احتياجها إليها؛ فإذا تبيّن بعد ذلك أنّ المقتضي لملكيّة الزوجة للنفقة في زمان احتياجها إليها كان مفقوداً، أو أنّ مانعاً منها كان موجوداً، كان ذلك كاشفاً عن عدم تحقّق ملكيّتها للنفقة من أوّل الأمر، فيكون ما يستردّه الزوج في هذه الصورة مالاً لم يخرج عن ملكه أصلاً حتّى يحتاج في عودته إلى ملكه إلى التماس دليل.

ووجه توزيع النفقة بحسب ساعات الليل والنهار هو هذا المعنى بعينه؛ وذلك لأنّ الزوجة بحسب الأوقات المختلفة تكون لها مصارف متنوّعة، فالنفقة التي كانت الزوجيّة قائمة حين الحاجة إليها ولم يتحقّق نشوز حينها، قد دخلت في ملك الزوجة ولا وجه لاستردادها.

وأمّا النفقة التي كانت الزوجيّة مفقودة في زمان الحاجة إليها، أو كان الزوجة ناشزاً حينها، فلم تدخل في ملك الزوجة أصلاً وهي قابلة للاسترداد.

ونتيجة ذلك أنّه لا وجه لاعتبار جميع نفقة يوم وليلة بحكم واحد.

وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر من أنّ الخلاف في هذه المسألة إنّما هو في خصوص نفقة يوم الطلاق، وأمّا نفقة الأيّام اللاحقة فلا إشكال في جواز استردادها، فيتّضح أيضاً ممّا ذكره كاشف اللثام في توجيه دعوى العلامة.

هذا، مضافاً إلى ورود صحيحة زرارة في هذا الباب حيث جاء فيها: «سألت أبا جعفر(ع) عن رجل سافر وترك عند امرأته نفقة ستّة أشهر أو نحواً من ذلك ثمّ مات بعد شهر وشهرين؟ فقال: تردّ فضل ما عندها في الميراث.»[2] [3]

بل حيث إنّ ظاهر الرواية أنّ المراد من «فضل ما عندها» هو المقدار منها الذي لم يصرف في زمان موت الزوج، فعلى أساس إطلاق الرواية يجب على الزوجة أن تردّ الزائد من نفقة يوم وفاة الزوج أيضاً.

كما أنّ إطلاق الرواية يشمل الصورة التي يصل فيها خبر وفاة الزوج إلى الزوجة مع فصل وتأخير؛ فلو أنّ الزوجة في الفترة بين موت الزوج ووصول خبر موته إليها قد صرفت مقداراً من ذلك المال في نفقتها، لزمها أن ترجع بدله إلى الورثة.

الأمر الثالث: في اشتغال ذمّة الزوج بعدم إعطاء نفقة الزوجة

قد تقدّم في الأمر الأوّل أنّه لا دليل على اشتغال ذمّة الزوج على نحو الإطلاق بنفقة الزوجة في صورة امتناعه عن دفعها إليها، وإن لم يكن هناك إشكال في عصيان الزوج إذا تعمّد عدم أداء نفقة زوجته.

نعم، لو كانت النفقة من الأُمور التي دلّ الدليل على تملّك الزوجة لها ـ بمعنى أنّ الشارع أدخلها في ملكيّتها، لا أنّ تمليكها واجب على الزوج ـ ففي هذه الصورة إذا امتنع الزوج عن إعطائها إيّاها، اشتغلت ذمّته لها، كما في الطعام والإدام وأمثالهما من الأشياء التي يتوقّف الانتفاع بها على استهلاك أعيانها.

نعم، قد ادّعي عدم الخلاف في أنّ الزوج إذا لم يعط نفقة الزوجة يكون مديوناً لها مطلقاً[4] [5] ، إلا أنّه لمّا كان معلوماً أنّ مستند هذا الحكم أُمور لا تخلو من إشكال، فلا يمنع عدم الخلاف ـ بل ولا حتّى دعوى الإجماع ـ عمّا ذكرناه.

كما أنّ الأصحاب لم يفرّقوا في هذه المسألة بين ما إذا كان القاضي قد عيّن مقدار النفقة وحكم بها وبين غيره.

لكنّ بعض العامّة ذهبوا إلى التفريق بين هذين الموردين وسننقل کلماتهم في الجلسة القادم إن شاء الله.

 


logo