« قائمة الدروس
التفسیر الأستاذ محسن الفقیهی

47/10/19

بسم الله الرحمن الرحیم

 آیة 243/سورة البقرة/تفسیر القرآن الکریم

 

موضوع: تفسیر القرآن الکریم/سورة البقرة/ آیة 243

 

﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَي الَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَی النَّاسِ وَ لکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا يَشْکُرُونَ﴾[1]

يدور النقاش حول تفسير الآية ٢٤٣ من سورة البقرة.

الموت والحياة بيد الله:

يقول الله الحكيم في هذه الآية: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَي الَّذَان خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾؛ أي: ألم ترَ الذين خرجوا من ديارهم وهربوا من الموت، فاسعوا جاهدين لمنع الموت من إدراكهم، فماتوا على نفس الطريق الذي هاجروا فيه؟ يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَي الَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ ألم ترَ إلی الذين خرجوا من ديارهم ﴿وَ هُمْ أُلُوفٌ﴾ کانوا آلاف رجل ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ هربوا من الموت فقال لهم الله: موتوا، فماتوا. الهروب لا يُغيّر شيئاً في الحياة أو الموت. ثم بعد حين، أحياهم الله عبرةً لأنفسهم و لغيرهم. و هذا يُبيّن أن على الإنسان و غيره أن يُدركوا أنّ الهروب من الموت لا يُنجي الإنسان.

﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾[2] أينما كنت، سيدركك الموت، حتى لو كنت في أفضل مواقعك. أينما كنت، سيأتي الموت إلى الإنسان، و إذا حان أجله، فلا مفرّ منه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَی النَّاسِ﴾؛ إنّ فضل الله و رحمته ینزل علی جميع الناس ﴿وَ لکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا يَشْکُرُونَ﴾، و لكنّ أكثر الناس جحود. فليكن هذا عبرةً لجميع الناس في العالم، ليعلموا أنّ الموت أينما حلّ بالإنسان، سيدركه و لا مفرّ منه. مهما حاولت الهرب، سترى أنّ الموت قادم لا محالة.

شأن نزول الآية:

ورد في شأن نزول هذه الآية أنّ هناك مدينةً في جوار الشام يبلغ عدد ساکنيها نحو سبعين ألف نسمة. حلّ بها الطاعون و الوبا، فهاجر أهلها الميسورون منها هرباً من الموت، قائلين بأنّ هنا قد حلّ الطاعون فسنرحل. هاجروا و لم يستجيبوا لأمر نبيهم. كان نبيّهم قد أمرهم بالجهاد، فقالوا: «لا، لن نجاهد، فقد حلّ الطاعون، و هذه منطقة حرب خطيرة» و كانوا ميسورين أيضاً. رحلوا، فأخبرهم الله أنّ الموت نزل عليهم فماتوا، ثم عادوا إلى الحياة بعد حين. فكانت هذه عبرةً للناس ليفهموا أنّ الموت بيد الله، و أنّ مشيئة الله ليست أن يختاروا الهجرة هرباً من الموت، بل إنّ النجاة منه لن تُنجيهم. هذه عبرة لهم و لغيرهم ممّن رأوا قصّتهم.

 

العبرة:

في هذه الأيام التي وقعت فيها قضية الحرب و قضية أمريكا و إسرائيل و تحديات جديدة للشعب الإيراني، فإنّها عبرة لمن يفرّون ظانّين أنهم سينجون من الموت. كلّا، فإذا تعلّقت مشيئة الله، فستحلّ بهم، سواء أحياهم أم أماتهم. يجب أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار.

لا مفرّ من الموت، و لا بدّ من التسليم لمشيئة الله. التاريخ عبرة لنا. رأينا في التاريخ أنّ بعضهم فرّوا فماتوا، وب عضهم لم يفرّوا و بقي سالماً. في التاريخ، يُعدّ الشرف و الثبات مهمّين للإنسان ليحافظ على شرفه و ثباته فلا يسقط، و لا يُخاطر بحياته هنا و هناك لينجو بنفسه. هذه مسألة تاريخية. أمام مشيئة الله، لا نفع من الفرار. إذا تعلّقت مشيئة الله، فالحياة و الموت بيده. ليس الأمر و كأنّك تستطيع الفرار من الموت.

إنّ تقلبات الحياة، من أفراح و أحزان و موت البشر و مرضهم، كلّها من رحمة الله الذي يختبر الإنسان. هذه اختبارات إلهية، فكيف تعاملنا معها؟ هل کفرنا بنعم الله؟ هل تركنا ألسنتنا و فتحناه بالانتقاد قائلين: «يا الله، لماذا تفعل هذا؟ لماذا يحدث هذا؟ لماذا نواجه كلّ هذه المشاكل؟» إنّ هذه التقلبات في حياة الإنسان اختبار إلهي، و لكي تتطوّر روحياً، عليك أن تسعى جاهداً لاجتياز هذه الاختبارات بنجاح.

لذلك، يدعو الله تعالى في هذه الآية الكريمة إلى الإيمان بأنّ الحياة و الموت بيد الله، و أنه لا ينبغي التهرب من الموت بأيّ حال من الأحوال.

معنی ﴿ألَم ترَ﴾:

معنى الآية ﴿الم تر﴾ هو أنّك رأيت بأعينك الظاهرة أنّ بعض الناس هربوا من الموت ثم أدركهم، و أنّ بعض الناس لم يهربوا منه و بقوا أصحاء و عاشوا عمراً مديداً. و هذا يعني أنّ عليك أن تنظر ببصيرتك كما تنظر بأعينك الظاهرة. تذكّر أنّ الحياة بيد الله تعالى.

ترى كثيرين یهربون من الموت، ثم يدركهم. يعيشون حياة رغيدة و يتمتعون بأفضل النعم و مع ذلك يمرض أحدهم و يموت. يصاب بالسرطان و يعاني من مشاكل صحّيّة، فيدركه الموت قبل غيره.

لكن ترى شخصاً لا يملك شيئاً، يعيش على الخبز و الجبن، و مع ذلك عاش مئةً و عشر سنوات، و عمره مديد و لم ينجُ من الموت. لقد تحمل كل مصاعب الحياة، و مع ذلك ينعّم بطول العمر و السعادة في الدنيا و الآخرة.

علينا أن نصبر و نتحمل مصاعبنا. بالطبع، تواجه الجمهورية الإسلامية صعوباتٍ جمّةً الآن. فهم يقصفون المنازل و يخلقون المصاعب للشعب. علينا جميعاً أن يحب بعضنا بعضاً و نتعاون و نسعى لحل مشاكل بعضنا. و لكن تذكّروا أنّ هذه ابتلاءاتٌ من الله، و علينا أن نخرج منها فائزین. هذه الآية الكريمة درسٌ لنا: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَي الَّذَنَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛ فبعض الناس يفعلون أشياءً كثيرةً خوفًا من الموت، و لكن هذا ليس صحيحاً. علينا أن نتوكل على الله و نشكره على نعمه. ليس من اللائق أن ننتقد و نقول مثل هذا الكلام، فهذا يدل بوضوح على کفران النعم. بل يجب أن نكون شاكرين في كلّ الأحوال، و أن نحمد الله على فضله. تقول الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَمْ يُسْرِفُ النَّاسِ﴾ هذه رحمة الله و كرمه الذي لا ندركه. لكن معظم الناس لا يُظهرون الشكر، بل قد ينتقدون قائلين: «یا الله، لماذا حدث هذا؟ لماذا حلّت بنا هذه المشكلة؟» و لكن هذه نعمة الله و رزقه و اختباره و تهذيبه للإنسان.

سيحل الله تعالى المشاكل يوماً بعد يوم إن شاء و سيرزق جميعَ الناس السعادةَ في الدنيا و الآخرة.


logo