47/07/24
بسم الله الرحمن الرحیم
آیة 239/سورة البقرة /تفسير القرآن الکريم
الموضوع: تفسير القرآن الکريم/سورة البقرة /آیة 239
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[1]
يجري الکلام في تفسير آیة المأتين و التاسعة و الثلاثين من سورة البقرة. هذه الآیة تکون في ذیل الآیة السابقة: ﴿حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسطىٰ وَقوموا لِلَّهِ قانِتين﴾[2] و تعتبر قیداً لها.
أهميّة الصلاة و عدم سقوطها في أي حال:
لا تسقط الصلاة حتّی في حال الخوف و الظروف الصعبة. ینبغي أن یهتمّ الإنسان بالصلاة دائماً و لا یترکها. أمرُ الله- تعالی- بـ ﴿حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الوُسطىٰ﴾ قد أکّد علی المحافظة التامّة علی الصلوات لا سيّما الصلاة الوسطی.
الصلاة في الظروف العاديّة (عدم الخوف):
هذا الأمر يجري في الظروف العاديّة و في ظرف عدم الخوف. یجب إتيان الصلاة في الظروف العاديّة مع جميع الشرائط و الأجزاء تماماً.
الصلاة في حال الخوف (صلوة الخوف):
إذا کان الشخص في ظروف الخوف (کالحرب و الحريق و خطر الغرق أو کلّ ظرف خطير) فعليه بصلاة الخوف. أمّا خصوصيّات صلاة الخوف هي کما يلي:
• التخفیف و التقليل:
تؤتی الصلاة بقدر الإمکان و بمقدار الخوف و الخطر، و قد تؤتی بالإشارة و الحرکات المختصرة (کالإشارة للرکوع و السجود).
• التجنّب عن العسر و الحرج:
لا یجوز أن یقع الإنسان نفسه في العسر و الحرج. أصل الصلاة یکون مطلوباً و لو یؤتی بها ناقصاً.
• إعطاء التشخیص للمصلّي:
كيفيّة أداء صلاة الخوف موكولة إلى الفرد نفسه. كلّ شخص يؤدّي الصلاة بالطريقة التي يستطيعها وفقاً لمستوى خوفه و قدرته. قد يؤدّي شخصما الصلاة بالإشارة فقط، بينما يستطيع آخر أداء جزء أكبر من الصلاة.
• النماذج التاريخية
صلّی النبي الأكرم (صلّی الله علیه و آله) صلاة الخوف في غزوة الأحزاب، و أمر أمير المؤمنين علي (ع) بإتيانهاتها في بعض المعارك.
• عدم القضاء و إعادة:
يعتقد العديد من الفقهاء أنّ صلاة الخوف بعد أدائها لا قضاء لها و لا إعادة، و تعتبر الصلاة الناقصة مقبولةً
معنای ﴿رِجَالاً أو رُکباناً﴾
«رِجَالاً»: يمكن أن تكون جمع «راجل» (بمعنى الماشي) أو جمع «رَجُل» (بمعنى رجل). و بالنظر إلى قرينة «رُكبان» (الفرسان) في الآية، فإنّ المعنى الأكثر ملاءمةً هنا هو «المشاة». و بالتالي، توضّح الآية شروط الصلاة لمن هم مشاة أو ركبان (على الدواب، السيارات، الدبابات، و ما إلى ذلك).
العودة إلى الصلاة الكاملة بعد زوال الخوف
بمجرد زوال حالة الخوف وعودة الأمن (فإذا أمنتم)، يجب أداء الصلاة بشكل كامل مع مراعاة جميع الشرائط و الأجزاء (فاذكروا الله). عبارة «اذكروا الله» هنا تشير إلى إقامة الصلاة، كما في آيات أخرى (مثل الآية 9 من سورة الجمعة) حيث استخدم «ذكر الله» بمعنى الصلاة.
توقيفية أحكام الصلاة
عبارة ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تؤكّد على أنّ أحكام الصلاة و کيفيّتها، توقيفيّة؛ أي يجب أن تؤدّى بالضبط كما علّمها الله عن طريق الوحي، و لا يمكن إضافة شيء عليها أو حذف شيء منها. هذه القاعدة تسري بشكل كامل في حالة الأمن و الراحة. و في حالة الخوف، رغم وجود التخفيف، فإنّ أصل إقامة الصلاة هو أمر توقيفي.
نکات کلیدی آیه:
۱. عدم سقوط الصلاة في أيّة حالة: الصلاة لا تترك حتّی في أشدّ الأحوال و الظروف (بخلاف الصوم في صورة الضرر).
۲. سقوط کثير من شرائط الصلاة في حال الخوف: شرائط کالطمأنينة و الاستقرار و الاستقبال … لا تکون إلزاميّاً و تؤتی بها بقدر الإمکان.
۳. إعطاء تشخيص کيفيّة أداء صلاة الخوف إلی المکلّف: لیس لکيفيّة صلاة الخوف أمر ثابت و مفصّل، بل یرتبط بقدرة المکلّف و حاله.
۴. لزوم إتيان الصلاة کاملةً بعد زوال الخوف: بمجرّد حسّ الأمان، یجب إتیان الصلاة کاملةً.
۵. التأکيد علی توقيفيّة العبادات: أحکام الصلاة تأتي من جانب الله- تعالی- و تابعة للوحي.
الخلاصة
الآیة الشريفة قد أکّدت علی الوجوب الدائمي للصلاة ببيان حکم الصلاة في الحالات العاديّة و حالة الخوف و قد فتحَت الطريقَ لأداء الفريضة في الظروف الصعبة مع الالتفات إلی قاعدة «العسر و الحرج». و هذه علامة علی جامعيّة الأحکام الإسلاميّة و أنّها تابعة للواقع.