47/06/19
بسم الله الرحمن الرحیم
آیة237/سورة البقرة /تفسير القرآن الکريم
الموضوع: تفسير القرآن الکريم/سورة البقرة /آیة237
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِیضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[1]
يجري الکلام في تفسير آية المأتين و السابعة و الثلاثين من سورة البقرة.
الطلاق قبل المعاشرة و أحكام المهر:
يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾؛ إذا طلّق الرجل زوجته، ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ قبل المعاشرة، و ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِیضَةً﴾؛ بينما قد حددتم لهنّ مهراً ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
أدب القرآن في بيان المسائل الزوجيّة:
القرآن الكريم يراعي أقصى درجات الأدب و عفّة الكلام في بيان المسائل الحسّاسة. في هذه الآية، بدلاً من التصريح، تمّت الإشارة إلى المعاشرة بتعبير ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾. و هذا يدلّ على أنّ الله- تعالى- يعلّمنا أدب القول حتى في تعليم الأحكام، و يقول: عبّروا عن الأمور بالتلميح و الإشارة و العفّة.
وجوب تحديد المهر:
يستفاد من عبارة ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِیضَةً﴾ أنّ تحديد المهر للمرأة واجب؛ سواء في العقد الدائم أو في العقد المؤقت. يجب أن يُحدّد مهر لكلّ امرأة.
حكم المهر في الطلاق قبل المعاشرة:
إذا وقع الطلاق قبل المعاشرة، يقول الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾؛ يعني أنّ الرجل ملزم بدفع نصف المهر المحدّد.
عفو المرأة عن المهر:
ثمّ يقول: ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾؛ يعني إلّا إذا عفَت النساء؛ أي تقول المرأة: لا أريد مهري و أتنازل عن حقّي. هنا يُطرح النقاش الأدبي حيث إنّ «يَعْفُونَ» من الناحية الصرفيّة يمكن أن تكون جمع مؤنث أو جمع مذكر. و قد ذكر بعض المفسرين كلا الاحتمالين. و لكن مع مراعاة قرائن الآية، و خاصّةً الجملة التالية، يتّضح أنّ المقصود هو جمع مؤنث؛ أي أنّ النساء أو المرأة نفسها يعفون.
عفو وليّ المرأة:
يقول الله تعالى: ﴿يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أي أنّ من يملك عقد النكاح يمكنه العفو؛ أي وليّ المرأة، مثل الأب أو الجدّ، خاصّةً في الحالات التي تكون فيها المرأة صغيرة السن و قد أُجري العقد بإذن وليّها، يمكنه التنازل عن المهر.
عفو الرجل و دفع المهر كاملاً:
ثمّ يقول: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾؛ وإذا عفوتُم (أيّها الرجال)، فهو أقرب للتقوى. هنا الخطاب موجّه إلى الرجال؛ يعني مع أنّ واجب الرجل هو دفع نصف المهر، إلّا أنّه إذا جاء الرجل و دفع المهر كاملاً، فإنّ هذا الأمر محبب وأقرب إلى التقوى.
حفظ الفضل و المحبة بعد الطلاق:
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ لا تنسوا الفضل، المحبة، الرفاقة و الأخلاق الإنسانيّ بينکم. نرى في المجتمع أنّ الطلاق أحياناً يكون مصحوباً بالشجار و الخلاف و الغضب و المشاكل العديدة؛ بينما حتّى إذا لم يكن هناك توافق لاستمرار الحياة لأيّ سبب كان، يجب أن یكون الفراق مع التسامح و المحبة و الحنان. لا ينبغي أن يؤدّي الطلاق إلى فضيحة أو عداوة بين العائلات أو كسر الحرمات. هذان الشخصان قد بدآ حياتهما المشتركة بمحبّة و عاطفة؛ و الآن إذا كان من المقرّر أن ينفصلا، فلا ينبغي أن ينسوا الأخلاق و الفضل.
تحذير من الظلم و الاتهام في الطلاق:
في نهاية الآية يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ مسألة الطلاق هي التي قد تحدث فيه أحياناً ظلم كبير؛ قد يظلم الرجل و أحياناً تظلم المرأة. أحياناً تُقال كلمات غير صحيحة و وُجّهت اتهامات و نسبات لا أساس لها. تحذير الآية هو ألّا تُتّهم المرأة لتبرير الطلاق. إنّ ماء وجه المرأة هو ماء وجه عائلتها. إذا وُجّهت اتهامات، قد لا تستطيع المرأة الزواجَ طوال حياتها. إذا كان هناك شيء في حدود الشك أو التردّد أو الظن في ذهن الإنسان، فلا ينبغي أن یلفظ به.
الطلاق الجميل:
الطلاق أحياناً يكون ممّا لا مفرّ منه، لكنّه يمكن أن يكون جميلاً أو قبيحاً. لا ينبغي أن يكون ذريعةً لسوء الأخلاق، أو تدخّلات غير صحيحة من العائلات، أو تحريض من المحيطين.