47/06/12
بسم الله الرحمن الرحیم
آیة236/سورة البقرة /تفسير القرآن الکريم
الموضوع: تفسير القرآن الکريم/سورة البقرة /آیة236
﴿وَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِیضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَی الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَی الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَی الْمُحْسِنِینَ﴾[1]
يجري الکلام في تفسير آية المأتين و السادسة و الثلاثين من سورة البقرة.
أحكام الطلاق قبل تحديد المهر و قبل الدخول:
يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ...﴾؛ يعني إذا طلَّقتم النساء، فلا جناح عليكم، ما لم تكن قد مسستموهنَّ و لم يُحدَّد لهنّ مهر.
صور الطلاق و أحكامه:
في باب الطلاق، توجد صور متعدّدة، لكلّ منها حكم خاص:
الصورة الأولى:
إذا عقد الرجل على امرأة و حدّد المهر و تمّ الدخول بها ثمّ طلق، فيجب دفع كامل المهر.
الصورة الثانية:
إذا تمّ العقد و حدّد المهر، و لكن لم يتمّ الدخول، فيجب دفع نصف المهر.
الصورة الثالثة (موضوع الآية):
إذا عقد الرجل على امرأة، و لم يُحدَّد لها مهر، و لم يتمّ الدخول أو المس، ثمّ أراد طلاقها، فإنّ حكم هذه الصورة قد ذكر في هذه الآية. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فلا إشكال إذا قمتم بطلاق هذه المرأة، ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ مادام لم يتم المس أو الدخول، ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾؛ و لم يُحدَّد لهن مهر. كثير من المفسرين أخذوا «أَوْ» هنا بمعنى «واو»؛ يعني لم يتم المسّ، و لم يُحدَّد مهر.
حکم هذه الصورة: إعطاء الهديّة (المتعة)
في هذه الحالة، يقول الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ يعني قدّموا هديّةً مناسبةً لتلك المرأة. هذه الهدية تعتبر بديلاً عن المهر؛ لأنّ الدخول لم يتم، و لم يُحدَّد مهر، و لكن العقد الشرعي قد وقع.
مقدار الهدية كيف يكون؟
يقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾؛ فمن له القدرة المالية، فبقدر استطاعته، ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ و من كان ذا ضيق، فبقدر وسعه. ﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ يجب أن تكون الهدية عرفيّةً متعارفةً تليق بها.
هل هذه الهديّة واجبةً أم مستحبّةً؟
قال في نهاية الآية: ﴿حَقّاً عَلَی الْمُحْسِنِینَ﴾
یقع هنا نقاش فقهي: هل «الحقّ» دالّ علی الوجوب؟ أو هو استحباب مؤکّد؟
من جهة، صيغة الأمر ﴿مَتّعُوهُنَّ﴾ و كلمة ﴿حَقّاً﴾ يمكن أن تکونا ظاهرتين في الوجوب. و لكن من جهة أخرى، تعبير ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و أنّ هذه الدفع جاءت في إطار الإحسان و الهدية، قد جعل بعض الفقهاء يقولون إنّه لا يُستفاد منه الوجوب القطعي، بل هو استحباب مؤكد. هذه المسألة قد تمّ نقاشها في الفقه و الروايات بشكل مفصل و هي محل خلاف.
الصورة الرابعة:
إذا تمّ العقد و لم يُحدَّد المهر و لكن تمّ الدخول، فيجب دفع مهر المثل.
النُکت الأخلاقيّة المستفادة من الآية:
۱. الطلاق من دون عداوة:
يستفاد من هذه الآية أنّه حتّى عند الفراق، لا ينبغي أن يصير القهر أو الخصام أو العداوة حاکماً. إذا لم يكن استمرار الحياة ممكناً لأيّ سبب، يجب أن يكون الفراق بمحبّة و احترام و تعويض عادل.
٢. العفّة في الكلام: تعبير ﴿لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى يراعي العفّة في الكلام حتّى عند بيان الأحكام. هذا درس أخلاقي يُعلّم الإنسان أن يكون مؤدباً و لطيفاً في حديثه.
٣. مراعاة العدالة و الإنصاف: في جميع الحالات؛ سواء تمّ تحديد المهر أو لم يتم، سواء حدث دخول أو لم يحدث، يجب أن تُراعى العدالة و الإنصاف و الأخلاق الإسلاميّة.
الملخص النهائي:
يستفاد من مجموع الآية أنّ العقد بدون المهر و بدون الدخول، إذا انتهى إلى الطلاق، ليس بلا مسؤولية. أقل واجب على الرجل هو دفع هدية تتناسب مع قدرته. هذا الأمر يدلّ على روح العدالة و الأخلاق و كرامة الإنسان في شريعة الإسلام. حتّى في أوقات الخلاف، لا يسمح الإسلام بعدم الأخلاق أو الإهانة أو الظلم؛ بل يؤكّد دائماً على المحبّة و الإحسان و الإنصاف.