48/05/08
بسم الله الرحمن الرحیم
مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمةالواجب/ الواجب النفسي و الغیري) /الشك في النفسیّة و الغیریّة
الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمةالواجب/ الواجب النفسي و الغیري) /الشك في النفسیّة و الغیریّة
خلاصة الدرس السابق:
ذكرنا في الدرس السابق، في تعريف الواجب النفسي و الغيري، أنّ الإشكال الوارد على إطلاق الهيئة هو أنّ صيغة الأمر جزئية. و قد أجاب الآخوند عن ذلك بالتفريق بين الإطلاق الأفرادي و الأحوالي و الأوصافي، موضّحاً أنّ الأمر الجزئي لا يمتلك إطلاقاً أفراديّاً، و لكنّه يمتلك إطلاقاً أحوالياً و أوصافياً، و يكون قابلاً للتقييد قبل تحقّقه في الخارج؛ أمّا بعد تحقّقه، فيصبح جزئياً من جميع الجهات.
ثمّ جرى التفريق بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية، و ذُكر أنّ مقدّمة الواجب لا تتجاوز اللابدية العقلية، و لا تمتلك لابديّةً شرعيّةً؛ و لذلك لا يتعلّق بها طلب شرعي مستقلّ.
الشكّ في كون الواجب نفسيّاً أو غيريّاً: ثمرة البحث، و إطلاق المادّة و الهيئة و المقام، و العلاقة بين طلب ذي المقدّمة و طلب المقدّمة.
١. الشكّ في كون الواجب نفسيّاً أو غيريّاً
يدور البحث في علم الأصول حول هذه المسألة، و هي: إذا شككنا في كون واجبٍ ما نفسيّاً أو غيريّ، فما هي وظيفة المجتهد؟ و كيف يمكنه تشخيص نفسيّة ذلك الواجب أو غيريّته؟
و لتوضيح المسألة، نأخذ «غُسْلَ الْجَنَابَةِ» مثالاً. فإذا كان غسل الجنابة واجباً نفسيّاً، فإنّ وجوبه لا يتوقّف على وجوب عمل آخر؛ أمّا إذا كان واجباً غيريّاً، فإنّ وجوبه يكون بسبب كونه مقدّمةً لواجب آخر، و من هذه الجهة لا يكون له وجوب مستقلّ.
فعلى سبيل المثال، في تعبيرات مثل: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ» و «اِغْتَسِلْ لِلصَّلَاةِ»، يكون الوضوء و الغُسل ملحوظين بوصفهما مقدّمةً للصلاة.
و بناءً على ذلك، فإنّ السؤال الأساسي هو: إذا شككنا في كون واجبٍ ما نفسيّاً أو غيريّاً، فما هو المبنى الذي يمكن الاستناد إليه لإثبات نفسيّته أو غيريّته؟
٢. ثمرة البحث: غسل الجنابة عند تعذّر الصلاة أو الصوم
من ثمرات هذا البحث أنّه إذا تعذّرت الصلاة على شخص، و لم يتمكّن من أدائها، فهل يبقى غسل الجنابة واجباً عليه؟ مع أنّه يستطيع الاغتسال، و لكنّه لا يستطيع الصلاة. و إذا لم يتمكّن من الصوم، و لكنّه يستطيع الاغتسال؛ كما لو كان في شهر رمضان و في مكانٍ لا يستطيع فيه الصوم، و لكنّه يتمكّن من غسل الجنابة.
فإذا كان غسل الجنابة واجباً نفسيّاً، وجب عليه الاغتسال، وإن لم يكن صائماً.
أمّا إذا كان غسل الجنابة واجباً غيريّاً، فيُقال: إنّك لا تستطيع الصوم حالياً، و لذلك لا يجب عليك الغُسل؛ لأنّه واجب غيريّ. فإذا تعذّر ذلك الواجب الآخر، لم يعد هذا الواجب الغيريّ ثابتاً أيضاً.
٢. ثمرة البحث: غسل الجنابة في فرض تعذّر الصلاة أو الصوم
من ثمرات هذا البحث أنّه إذا تعذّرت الصلاة على شخص و لم يتمكّن من أدائها، فهل يبقى غسل الجنابة واجباً عليه؟ مع أنّه يستطيع الاغتسال، و لكنّه لا يستطيع الصلاة. و كذلك إذا لم يتمكّن من الصوم، و لكنّه يستطيع الاغتسال؛ فمثلاً، إذا كان في شهر رمضان و في مكان لا يستطيع فيه الصوم، و لكنّه يتمكّن من الإتيان بغسل الجنابة.
فإذا كان غسل الجنابة واجباً نفسيّاً، وجب عليه الاغتسال، وإن لم يكن صائماً.
أمّا إذا كان غسل الجنابة واجباً غيريّاً، فيُقال: إنّك لا تستطيع الصوم حالياً، و لذلك لا يجب عليك الغُسل؛ لأنّه واجب غيريّ. فإذا تعذّر ذلك الواجب الآخر، لم يعد هذا الواجب الغيريّ ثابتاً أيضاً.
٣. التمسّك بإطلاق المادّة وإطلاق الهيئة
استدلّ المرحوم الشيخ الأنصاري، كما تقدّم بيانه، بـ«إِطْلَاقِ الْمَادَّةِ»؛ فإنّ إطلاق المادّة يقتضي الحكم بنفسيّة الواجب. أمّا في مورد الشكّ، فقد استدلّ المرحوم الآخوند بـ«إِطْلَاقِ الْهَيْئَةِ»؛ فإنّ الهيئة، و هي صيغة الأمر، تقتضي أن يكون الواجب نفسيّاً.
و لكن بصورة عامّة، سواء قبلنا بكلام الشيخ الأنصاري (إطلاق المادّة)، أم بكلام الآخوند (إطلاق الهيئة)، فإنّ السؤال هو: إذا كان الواجب نفسيّاً، فمعناه أنّه غير مقيّد، و إذا كان الواجب غيريّاً، فمعناه أنّه مقيّد.
مثل: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ»، و«اِغْتَسِلْ لِلصَّلَاةِ»، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾[1] ، فإنّنا نسمّي هذا واجباً غيريّاً.
فالواجب الغيريّ له قيد، و هو قوله: «إِذَا قُمْتُمْ»؛ أي إذا أردتم الصلاة، «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ». فالواجب الغيريّ مقيّد، أمّا الواجب النفسيّ فليس له قيد.
فإذا كان الله تعالى قد جعل هذا الواجب غيريّاً، فلماذا لم يبيّن قيده؟ فلم يرد هذا القيد لا في الآية و لا في الرواية. و عندما لا يرد القيد لا في الآية و لا في الرواية، لا متّصلاً و لا منفصلاً، نقول: إنّ هذا الواجب نفسيّ. و هذا ما نسمّيه «الإطلاق».
و يمكن إطلاق ثلاثة أسماء على ذلك: «إِطْلَاقُ الْمَادَّةِ»، و «إِطْلَاقُ الْهَيْئَةِ»، و «إِطْلَاقٌ مَقَامِيٌّ».
٤. الإطلاق المقامي
إضافةً إلى إطلاق المادّة و إطلاق الهيئة، يمكننا الحديث عن «الْإِطْلَاقِ الْمَقَامِيِّ» أيضاً.
يقوم الإطلاق المقامي في هذا البحث على أساس أنّه لو أراد المولى أن يجعل واجباً ما غيريّاً، لكان من المتوقّع أن يبيّن في كلامه ارتباط ذلك الواجب بواجب آخر؛ سواء أكان هذا البيان في الكلام نفسه و بصورة متّصلة، أم ورد في دليل آخر، كالروايات، بصورة منفصلة.
و بناءً على ذلك، إذا جرى البحث في الآيات و الروايات المرتبطة بالمسألة، و تبيّن أنّ المولى كان في مقام البيان، و مع ذلك لم يذكر أيّ قيد يدلّ على ارتباط الواجب بواجب آخر، أمكن الاستناد إلى هذا السكوت في مقام البيان لإثبات نفسيّة الواجب.
إذن، تُطرح هنا ثلاثة تقريبات للتمسّك بالإطلاق:
١- إطلاق المادّة.
٢- إطلاق الهيئة.
٣- الإطلاق المقامي.
ولكن، مجرّد عدم العثور على قيد في الآيات و الروايات لا يكفي وحده لإثبات الإطلاق المقامي، بل لا بدّ من إحراز شروط هذا الإطلاق أيضاً.
٥. خلاصة الاستنباط و الاتفاق على «أَصَالَةُ الْإِطْلَاقِ يَقْتَضِي النَّفْسِيَّةَ»
إنّ خلاصة المسألة للمجتهد الذي يريد إصدار الفتوى و تقديم الرسالة العملية بصورة سهلة و سريعة هي أنّه، سواء أكان الإطلاق مقامياً أم إطلاق المادّة أم إطلاق الهيئة، فإنّ الواجب الغيري يحتاج إلى قيد، أمّا الواجب النفسي فلا يحتاج إلى قيد.
و عندما لا يرد أيّ قيد في القرآن الكريم أو الروايات أو الإجماع و ما شابه ذلك، يُحكم بأنّ ذلك الواجب نفسيّ. و هذا استنباط سهل و واضح.
و لكن إذا أراد شخص أن يتعمّق في البحث و يدقّق في أنّ الصحيح هو إطلاق المادّة أم إطلاق الهيئة أم الإطلاق المقامي، فعليه أن يتأمّل في العبارات بصورة أكبر، و أن يبحث عن التقريب الصحيح منها.
و لكنّ خلاصة المسألة هي أنّ الجميع متّفقون على أنّ: «أَصَالَةُ الْإِطْلَاقِ يَقْتَضِي النَّفْسِيَّةَ» سواء أكان الإطلاق إطلاق الهيئة، أم إطلاق المادّة، أم الإطلاق المقامي.
٦. الإطلاق في الإنشاء
نشير هنا إلى النقطة الثانية التي ذكرها المرحوم الآخوند في بحث الإنشاء؛ و ذلك لأنّنا ذكرنا سابقاً أنّ الإنشاء جزئي، و أنّ «اِضْرِبْ» أمر جزئي، و طرحنا السؤال: هل يوجد إطلاق في الجزئي أم لا؟ و قلنا إنّ الإطلاق الأحوالي و الإطلاق الأوصافي متحقّقان فيه.
٧. هل إنّ إرادة ذي المقدّمة هي إرادة المقدّمة؟
و من النقاط الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هنا: هل إنّ الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة هي نفسها الإرادة المتعلّقة بالمقدّمة أم لا؟ و هل إنّ طلب ذي المقدّمة هو طلب المقدّمة أم لا؟ لقد أشرنا إلى هذا الموضوع بالأمس، و نريد اليوم توضيحه.
ورد في كتاب «الكفاية» أنّ مقدّمة الواجب لها «لَابُدِّيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ»، و لكن هل لها «لَابُدِّيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ» أيضاً أم لا؟
فإذا قلنا إنّ «طَلَبَ ذِي الْمُقَدِّمَةِ طَلَبٌ لِلْمُقَدِّمَةِ»، وإنّ «إِرَادَةَ ذِي الْمُقَدِّمَةِ إِرَادَةٌ لِلْمُقَدِّمَةِ»، فإنّ معنى ذلك أنّ المقدّمة تكون أيضاً واجباً شرعيّاً؛ لأنّ ذا المقدّمة واجب شرعيّ.
ولكن إذا قلنا: لا، إنّ طلب ذي المقدّمة ليس طلباً للمقدّمة، و إنّ إرادة ذي المقدّمة ليست إرادةً للمقدّمة، فإنّ ذلك يعني أنّه و إن كان على المكلّف نفسه الإتيان بالمقدّمة، إلّا أنّه لم يتعلّق بها طلب شرعي مستقلّ.
فمثلاً، قد يقوم الطفل أحياناً بعملٍ ما، فيُقال له: ألم يكن عقلك يدرك أنّ عليك القيام بهذا العمل؟ فعقله يدرك ذلك، و لكن لم يُطلب منه هذا العمل، و لم يُوجَّه إليه أمر بشأنه، بل تُرِك الأمر إلى عقله و إدراكه.
و كذلك الأمر في بحث مقدّمة الواجب؛ فعندما نقول إنّ مقدّمة الواجب واجبة عقلاً، فإنّ معنى ذلك أنّ على المكلّف نفسه أن يدرك أنّ «نَصْبَ السُّلَّمِ» ضروريّ للصعود «عَلَى السَّطْحِ». فهذه المقدّمة لها «لَابُدِّيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ»، و لكن ليس لها «لَابُدِّيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ»، بمعنى أنّه لا يوجد طلب مستقلّ متعلّق بها.
فإذا لم يصعد شخص إلى سطح المنزل، فإنّه يستحقّ عقاباً واحداً، لا عقابين؛ فلا يُعاقَب مرّةً على عدم الصعود، و مرّةً أخرى على عدم نصب السُلّم. فترك المقدّمة لا يوجب العقاب، و إنّما العقاب يترتّب على ترك ذي المقدّمة.
فبالنسبة إلى الشخص الذي لم يصلِّ، لا يُقال له: لماذا لم تتوضّأ؟ بل يُقال له: لماذا لم تصلِّ؟ و لماذا؟ لأنّ الطلب المتعلّق بالوضوء «طَلَبٌ غَيْرِيٌّ»، و الطلب الغيري لا يترتّب على مخالفته عذابٌ و عقاب.