« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/05/06

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمةالواجب/ الواجب النفسي و الغیري) /الشكّ في النفسیّة و الغیریّة

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/الأوامر (مقدّمةالواجب/ الواجب النفسي و الغیري) /الشكّ في النفسیّة و الغیریّة

 

خلاصة الدرس السابق:

في الدرس السابق، ذكرنا في تعريف الواجب النفسي والغيري أنّ الواجب النفسي هو ما تعلّق به الأمر لنفسه، والواجب الغيري هو ما تعلّق به الأمر للتوصّل إلى واجب أعلى منه.

ولا يوجد بحث في الموارد التي يكون فيها كون الواجب نفسياً أو غيرياً يقينياً؛ وإنّما يقع مجال الاجتهاد في الموارد التي يكون فيها أصل الوجوب معلوماً، و لكن يُشكّ في كون الواجب نفسياً أو غيرياً.

والظاهر أنّ الأصحاب متسالمون على النفسية في مقام الشكّ، وإنّما يقع اختلافهم في وجه إثباتها. فإذا كان الدليل لفظياً، أمكن معرفة كون الواجب نفسياً أو غيرياً من خلال اشتمال الأمر على القيد أو عدم اشتماله عليه. أمّا إذا كان الدليل لُبِّيّاً أو لم يكن له لسان لفظي، فالسؤال الأساسي هو: هل تجري أصالة النفسية أم أصالة الغيرية؟

الواجب النفسي و الواجب الغيري؛ الشكّ في النفسية و الغيرية، و أصالة النفسية، و اختلاف الشيخ الأنصاري و الآخوند الخراساني في إطلاق المادّة و الهيئة:

    1. طرح البحث: الشكّ في النفسية و الغيرية و أقسام الدليل

يدور البحث في هذا القسم من علم الأصول حول النفسية و الغيرية في الواجب، فإذا شككنا في كون واجبٍ ما نفسياً أو غيرياً، طُرح هذا السؤال: ما الحكم الذي ينبغي للمجتهد أن يتبنّاه؟ هل ينبغي له أن يعتبر ذلك الواجب نفسياً أم غيرياً؟

و للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ أولاً من دراسة دليل الوجوب. قد يكون دليل كلا الواجبين لفظياً، أو يكون دليلهما لُبِّيّاً، أو يكون دليل أحدهما لفظياً و دليل الآخر لُبِّيّاً. و عليه، يمكن تصوّر ثلاث صور:

1) أن يكون دليل كلا الواجبين لفظياً.

2) أن يكون دليل كلا الواجبين لُبِّيّاً.

3) أن يكون دليل أحد الواجبين لفظياً و دليل الواجب الآخر لُبِّيّاً.

و يمكن أن يؤثّر البحث في كلّ واحدة من هذه الصور في كيفية الاستدلال لإثبات نفسية الواجب أو غيريته.

تُطرح في هذا المقام أقوال:

٢. القول الأوّل:

 

    1. الصورة الأولى: أن يكون دليل كلا الواجبين لفظياً.

    2. «أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَلِيلُ الْوَاجِبَيْنِ لَفْظِيًّا؛ نَظَرًا إِلَى الْأَخْذِ بِإِطْلَاقِ الْمَادَّةِ يَجِبُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِمَا وَاجِبَيْنِ نَفْسِيَّيْنِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ لَفْظِيًّا فَيَلْحَقُهُ حُكْمُهُ مِنَ الْأَخْذِ بِإِطْلَاقِ الْمَادَّةِ، وَيَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِالنَّفْسِيَّةِ.

    3. أَمَّا عَلَىٰ تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ الْوَاجِبِ الْمَفْرُوضِ لَفْظِيًّا فَيُحْكَمُ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا نَفْسِيًّا. وَأَمَّا الْغَيْرُ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ تَابِعٌ لِدَلِيلِهِ الْمُفِيدِ لِوُجُوبِهِ، فَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ الْمُفِيدُ لِوُجُوبِهِ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ عَدَمِ الْوَاجِبِ أَيْضًا فَهُوَ وَاجِبٌ نَفْسِيٌّ أَيْضًا، وَإِلَّا فَعِنْدَ عَدَمِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُحْتَمَلُ اشْتِرَاطُهُ بِهِ يُحْكَمُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ؛ لِأَصَالَةِ الْبَرَاءَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

    4. وَأَمَّا إِذَا كَانَ دَلِيلُ الْغَيْرِ لَفْظِيًّا دُونَ دَلِيلِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ الْإِجْمَاعُ عَلَىٰ وُجُوبِهِ ـ وَلَوْ عِنْدَ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ مِنَ الْغَيْرِ ـ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا نَفْسِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إِجْمَاعٌ عَلَىٰ وُجُوبِهِ وَلَوْ حَالَ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنِ الْغَيْرِ، فَمَرْجِعُ الشَّكِّ إِلَىٰ ثُبُوتِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَالْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ. وَيُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْوُجُوبِ النَّفْسِيِّ لِلْوَاجِبِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِهِ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ غَيْرِيًّا أَوْ نَفْسِيًّا.»[1]

إذا كان دليل كلا الواجبين لفظياً، كما في الوضوء الذي يكون واجباً غيرياً، والصلاة التي تكون واجباً نفسياً، وكان الدليل على كليهما آيةً قرآنية، كان التكليف واضحاً تماماً. فكلّما ذُكر واجب من دون قيد، مثل: «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، يُفهم منه كونه واجباً نفسياً؛ وكلّما ورد مقروناً بقيد، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾[2] ، يُفهم منه كونه واجباً غيرياً. و كذلك فإنّ «صَلِّ» يدلّ على واجب نفسي، و «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ» يدلّ على واجب غيري. و عليه، يستطيع المجتهد في هذه الصورة استنباط الحكم بسهولة.

٢) الصورة الثانية و الثالثة: الدليل اللُّبِّي أو اختلاف نوع الدليلين

إذا كان دليل أحد الواجبين لفظياً و الآخر لُبِّيّاً، و كان الدليل اللُّبِّي إجماعاً أو سيرةً أو دليلاً عقلياً لا يوجد فيه لفظ و لا إطلاق و لا عموم، فهنا تبرز حالتان: إذا كان كون أحد الواجبين غيرياً معلوماً، فهو واجب غيري؛ و إذا لم يكن ذلك معلوماً، نحكم بكونه واجباً نفسياً.

أمّا بالنسبة إلى الواجب الذي له دليل لفظي، فننظر في دليله: فإن لم يكن له قيد، كان واجباً نفسياً، و إن كان له قيد، كان واجباً غيرياً. و أمّا الواجب الذي دليله لُبِّيّ، فإذا لم يكن له قيد، فهو واجب نفسي، إلّا إذا قام دليل على كونه غيرياً.

إنّ كون الواجب غيرياً يحتاج إلى دليل، سواء أكان إجماعاً أم دليلاً عقلياً أم دليلاً لفظياً؛ أمّا كون الواجب نفسياً، فيُحكم به بمجرّد ثبوت وجوبه. و بناءً على ذلك، فالأصل في الواجبات هو «النَّفْسِيَّةُ»، و أمّا الغيرية فتحتاج إلى دليل.

3. القول الثاني: إنّ إطلاق الهیئة یقتضي كون الواجب نفسیاً[3] [4] [5] [6] [7] [8] [9]

«إِنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِيمَا إِذَا عُلِمَ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا شُكَّ فِي وَاجِبٍ أَنَّهُ نَفْسِيٌّ أَوْ غَيْرِيٌّ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْهَيْئَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَا يَعُمُّهُمَا، إِلَّا أَنَّ إِطْلَاقَهَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ نَفْسِيًّا».[10]

لإثبات النفسية، يتمسّك الشيخ الأنصاري بـ«إِطْلَاقِ الْمَادَّةِ»، و يتمسّك المرحوم الآخوند، صاحب كتاب «كفاية الأصول»، بـ«إِطْلَاقِ الْهَيْئَةِ». و لكن المجتهد في مقام الاجتهاد، متى ثبتت مدّعاه، لا يختلف لديه الأمر بين أن يكون دليله إطلاق المادّة أو إطلاق الهيئة؛ إذ إنّ مقتضى كليهما هو النفسية.

إضافةً إلى ذلك، فإنّ المجتهد لديه اشتغالات كثيرة، و لذلك لا يتوفّر لديه وقت كافٍ للتدقيق في هذه المسألة، و البحث في أنّ ما أفاده الشيخ هو الصحيح أم ما أفاده الآخوند، و أنّ الصحيح هو إطلاق المادّة أم إطلاق الهيئة. فكلاهما يؤديان إلى نتيجة واحدة؛ فالتمسّك بإطلاق المادّة يثبت النفسية، و التمسّك بإطلاق الهيئة يثبتها أيضاً. و الاختلاف إنّما هو في التعبير؛ فالشيخ يعبّر عنه بإطلاق المادّة، و الآخوند بإطلاق الهيئة، و النتيجة في كليهما هي النفسية.

٤. الفرق بين مقام الاستنباط و مقام التحقيق و دراسة المباني

و بذلك يكون المجتهد قد أدرك الحق و ثبت مدّعاه. و في هذه المرحلة، لا يُبحث بدقّة في أنّ ما أفاده الشيخ هو الصحيح أم ما أفاده الآخوند؛ لأنّها مرحلة من مراحل الاستنباط تكون النتيجة فيها واحدةً. و لكن قد تُطرح أحياناً مرحلة أخرى، و هي أنّ على المحقّق أن يتأمّل و يدقّق ليرى ماذا أفاد الشيخ و ماذا أفاد الآخوند، و أيّهما على حقّ، و هل الصحيح هو إطلاق المادّة أم إطلاق الهيئة. و هذا عمل من يريد أن يدرك المطالب إدراكاً تامّاً من جذورها و أصولها.

و خلاصة الكلام أنّه قد ذُكرت استدلالات لإثبات «أَصَالَةِ النَّفْسِيَّةِ»؛ فالمرحوم الشيخ استدلّ بطريقة، و المرحوم الآخوند بطريقة أخرى، و المرحوم البجنوردي بطريقة أخری، كما ذكر الآخرون استدلالات متعدّدة، و لكنّ النتيجة واحدة، و هي أنّه إذا شُكّ في كون واجبٍ ما نفسياً أو غيرياً، فلا بدّ من الحكم بكونه نفسياً.

٥. تقريب استدلال الشيخ الأنصاري و الآخوند الخراساني

لتوضيح الفرق بين الرأيين، لا بدّ من بيان معنى إطلاق المادّة و إطلاق الهيئة؛ إذ قد نحتاج إلى ذلك في مقام التدري

إطلاق المادّة: تقتضي مادّة «الصَّلَاة» أن يكون هذا التكليف ثابتاً في ذمّة المكلّف.

[توضيح: المادّة هي متعلَّق الأمر، مثل «الصَّلَاة» التي هي متعلَّق الأمر «صَلِّ»؛ و الهيئة هي صيغة الأمر التي تدلّ على الطلب.]

إطلاق الهيئة: يقول المرحوم الآخوند إنّ هيئة الأمر، أي «أَقِمِ الصَّلَاةَ»، لا ترتبط بعمل آخر أو واجب آخر، سواء أصبح واجب آخر واجباً أم لم يصبح؛ و هذا هو معنى الواجب النفسي. فالواجب النفسي هو الواجب الذي لا يرتبط بأيّ واجب آخر، أمّا الواجب الغيري فهو ما يكون وجوبه من أجل واجب آخر. فالشيخ يرى إطلاق المادّة، و الآخوند يرى إطلاق الهيئة.

٦. إشكال جزئية الهيئة و جواب الآخوند الخراساني: الإطلاق الأفرادي و الإطلاق الأحوالي

توجد هنا إشكالية أدّت إلى الاختلاف بين الشيخ و الآخوند، و هي أنّ الأمر و صيغة الأمر جزئيّان. و ينبغي الالتفات إلى هذه النقطة؛ فمعرفتها ليست مهمّةً كثيراً في هذا المقام، و لكن مَن أراد أن يكون محقّقاً، فلا بدّ له من الالتفات إليها.

فعندما يقال: «اِضْرِبْ»، أي اضرب، يكون المخاطب حاضراً، و لذلك يكون الكلام جزئياً. و الإطلاق لا يسري في الجزئي. و عليه، فإنّ ما أفاده الآخوند بشأن إطلاق الهيئة ليس صحيحاً؛ لأنّ الهيئة جزئية، و الجزئي لا إطلاق له حتى يمكن التمسّك بإطلاق الهيئة. و نتيجةً لذلك، يكون كلام الشيخ صحيحاً؛ إذ قال إنّ مادّة «الصَّلَاة» مطلقة، سواء أكان هناك واجب آخر أم لم يكن، و يكون كلام الآخوند باطلاً.

جواب الآخوند الخراساني: التفريق بين الإطلاق الأفرادي و الإطلاق الأحوالي

أجاب الآخوند الخراساني عن هذا الإشكال بالتفريق بين نوعين من الإطلاق:

«إِطْلَاقٌ أَفْرَادِيٌّ»: وهو الإطلاق الذي ينظر إلى الأفراد والمصاديق.

«إِطْلَاقٌ أَحْوَالِيٌّ»: وهو الإطلاق الذي يشمل الحالات والأوضاع المختلفة للفرد الواحد.

يقول المرحوم الآخوند: صحيح أنّ «اِضْرِبْ» جزئي؛ فعندما يُقال للمخاطب الحاضر: «اِضْرِبْ»، أي اضرب، يكون المخاطب الحاضر جزئياً. و لكن مع ذلك، يمكن أن يُسأل: هل أضرب في حال النوم، أم في حال الجلوس، أم في حال المشي؟ و هذا ما نسمّيه بالإطلاق الأحوالي، و هو الإطلاق الذي يشمل أحوال هذا الشخص؛ فقد يكون في حال المشي، أو الجلوس، أو النوم. فـ«اِضْرِبْ»، و إن كان جزئياً، إلّا أنّ له إطلاقاً أحوالياً.

و يقول الآخوند: إنّ الإطلاق الذي أطرحه، و الذي يُستفاد من الهيئة، هو الإطلاق الأحوالي.

 


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo