« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/05/01

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الألفاظ/اوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب النفسي و الغیري/ترشحيّة الوجوب الغیري و مسألة المصلحة

 

الموضوع: مباحث الألفاظ/اوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب النفسي و الغیري/ترشحيّة الوجوب الغیري و مسألة المصلحة

 

خلاصة الجلسة الماضية:

في تعريف الواجب النفسي و الغيري، قلنا إنّ الواجب النفسي هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَ يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، و الواجب الغيري هو: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَ لَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ».

تعريف الترشّحي: (النائيني): الوجوب الغيري يترشّح من وجوب واجب آخر. و الإشكال عليه أنّ هذا التعريف لا يشمل المقدّمات البعيدة، مثل التسجيل للحجّ، إذ لا يصدق عليها الترشّح؛ و لذلك لا يكون جامعاً.

و مثال الوضوء: أنّه لا يكون واجباً قبل دخول وقت الصلاة، بل يكون مستحبّاً نفسياً، و لا يتحقّق الترشّح إلا بعد وجوب الصلاة، أي عند الأذان.

التعريف المصلحتي: الواجب النفسي هو «مطلوبٌ لذاته»، و الواجب الغيري هو «مطلوبٌ لا لنفسه».

و جميع الأحكام إنّما هي لأجل رضا الله تعالى، و لكن لا يلزم إدراك المصلحة الجزئية لكلّ حكم.

المصلحة في المجعول و الجعل: قد تكون المصلحة في متعلّق الحكم، كما في الخمس و الزكاة اللذين شُرّعاً لرفع الفقر، و قد تكون في نفس الجعل، كما في أمر الطفل بقصد تربيته.

الواجب النفسي والواجب الغيري: تعريف الإمام الراحل، مقام الاجتهاد في موارد الشكّ، إطلاق المادّة والهيئة، وأصالة النفسيّة أو أصالة الغيريّة؛

١. تعريف الواجب النفسي و الواجب الغيري من وجهة نظر الإمام الراحل

«يَصِحُّ مَا يَدُورُ فِي الْأَلْسُنِ مِنْ «أَنَّ النَّفْسِيَّ مَا أُمِرَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَالْغَيْرِيَّ مَا أُمِرَ بِهِ لِغَيْرِهِ»؛ وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ تَعْرِيفَهُمَا بِـ«أَنَّ الْبَعْثَ إِذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ لِأَجْلِ التوصّل إِلَىٰ مَبْعُوثٍ إِلَيْهِ فَوْقَهُ فَهُوَ غَيْرِيٌّ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِ فَهُوَ نَفْسِيٌّ.»[1]

يقول الإمام الراحل (أعلى الله مقامه الشريف): إنّ هذه العبارة المشهورة: «أَنَّ النَّفْسِيَّ مَا أُمِرَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَ الْغَيْرِيَّ مَا أُمِرَ بِهِ لِغَيْرِهِ» عبارة حسنة و تعريف جيّد.

فما هو الواجب النفسي؟ هو «مَا أُمِرَ لِنَفْسِهِ»، أي إنّه أُمِرَ به لأجل نفسه. وأمّا الواجب الغيري فهو ما أُمِرَ به لأجل أمر آخر، مثل: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ»، أو: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾[2] ؛ و هذا ما نسمّيه واجباً غيرياً، أي إنّ قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» إنّما هو لأجل الصلاة.

و يقول الإمام الراحل إنّ هذا الكلام حسن، لكنّ التعبير الذي أختاره أنا هو: «أَنَّ الْبَعْثَ إِذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ لِأَجْلِ التوصّل إِلَىٰ مَبْعُوثٍ إِلَيْهِ فَوْقَهُ فَهُوَ غَيْرِيٌّ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِ فَهُوَ نَفْسِيٌّ»؛ أي إذا وُجِّه الأمر إلى المكلّف بواجب، و قيل له: افعل هذا العمل، و لم تكن هناك أيّ علاقة بينه و بين واجب آخر، كان ذلك الواجب نفسياً.

[توضيح: المراد من «مَبْعُوثٌ إِلَيْهِ فَوْقَهُ» هو الواجب الأصلي الذي جُعِل الواجب الآخر مقدّمةً للتوصّل إليه.]

أمّا إذا كان هناك واجب في مقابل واجب آخر، أي كان لدينا واجب أعلى و واجبات تندرج تحته، مثل الصلاة و الوضوء و الغسل و التيمّم و الطهارة و استقبال القبلة و ستر العورة، فإنّ هذه الأمور كلّها تندرج ضمن الصلاة، و يكون لذلك الواجب الأعلى فروعٌ، و تكون تلك الفروع واجباتٍ غيريةً.

٢. الأمر الأوّل: الشكّ في كون الواجب نفسياً أو غيرياً

محلّ الاجتهاد: موارد الشكّ في نفسيّة الواجب أو غيريّته

النقطة الأخرى هي أنّ المجتهد في مقام الاجتهاد و الاستنباط، إذا علم أنّ واجباً ما نفسيّ، أفتى بذلك فوراً و قال: «هٰذَا وَاجِبٌ نَفْسِيٌّ»؛ و إذا علم أنّ واجباً ما غيريّ، قال فوراً: «هٰذَا وَاجِبٌ غَيْرِيٌّ». و هذه الصورة خارجة عن محلّ البحث؛ إذ لا بحث في الموارد التي تكون فيها نفسيّة الواجب أو غيريّته معلومةً باليقين.

و إنّما يكون الاجتهاد في الموضع الذي «إِذَا شَكَّ فِي وَاجِبٍ أَنَّهُ نَفْسِيٌّ أَوْ غَيْرِيٌّ»، أي إنّنا لا نعلم هل الواجب نفسيّ أم غيريّ.

فإذا شككنا، فهل لدينا أصل أو قاعدة تفيد أنّ جميع الواجبات واجباتٌ نفسيّة؟ نحن نعلم أنّ ترك الواجب النفسي يوجب العقاب، في حين أنّ ترك الواجب الغيري لا يوجب العقاب. و الآن نشكّ في أنّ هذا الواجب نفسيّ أم غيريّ؛ فما الذي يقتضيه الاجتهاد؟ و هل لدينا قاعدة أو قانون أو دليل يفيد أنّ هذا الواجب نفسيّ و ليس غيريّاً؟

و فیه مقامان:

الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَصْلِ اللَّفْظِيِّ (فِي أَنَّ قَضِيَّةَ الْأُصُولِ اللَّفْظِيَّةِ هَلْ هِيَ النَّفْسِيَّةُ أَوِ الْغَيْرِيَّةُ؟)

«الظَّاهِرُ: تَسَالُمُ الْأَصْحَابِ عَلَى النَّفْسِيِّ فِي دَوَرَانِ الْأَمْرِ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاجِبِ نَفْسِيًّا أَوْ غَيْرِيًّا، وَ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إِثْبَاتِه».[3]

إذا كان لدى المجتهد في مقام الاجتهاد آيةٌ أو روايةٌ، فإنّه يتأمّل في أنّ ذلك الواجب قد ذُكر إلى جانب واجب آخر أم ذُكر بصورة مستقلّة. فمثلاً، يُقال تارةً: «تَوَضَّأْ»، و تارةً أخرى: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ». فإذا قيل: «تَوَضَّأْ»، كان الواجب نفسيّاً، و إذا قيل: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ»، كان الواجب غيريّاً. و عند دراسة الآيات و الروايات، متى ما ذُكر واجب إلى جانب واجب آخر بوصفه مقدّمةً له و لأجل الإتيان به، كان واجباً غيريّاً؛ أمّا إذا ذُكر بصورة مستقلّة، كان واجباً نفسيّاً.

و بناءً على ذلك، تبيّن ممّا تقدّم أنّ الواجب النفسي هو الواجب المستقلّ، و الواجب الغيري هو الواجب التاب و يعبّر بعضهم عن هذه التبعيّة بـ«الترشّح»، و يعبّر عنها آخرون بـ«مقدّمة الواجب» و نحو ذلك.

إذا ورد أمرٌ مطلق، كأن يُقال مثلاً: «صَلِّ»، فما معنى إطلاقه؟ أي إنّه يجب عليك أن تصلّي سواء صمت أم لم تصم، و أدّيت الزكاة أم لم تؤدّها، وأدّيت الخمس أم لم تؤدّه. فالأمر «صَلِّ» مطلق؛ أي إنّه لا يرتبط بالواجبات الأخرى، بل هو واجب مستقلّ على عاتق المكلّف، بحيث يجب عليه أن يصلّي، كما في قوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ».

فهذا الأمر مستقلّ، ولا يتوقّف على واجب آخر. فقد يترك الإنسان الصلاة والصيام، أو يترك الصيام ولا يؤدّي الخمس والزكاة، ولا يأتي بأيّ واجب من الواجبات، و مع ذلك يصلّي؛ نعم، يجب عليه أن يصلّي، كما يجب عليه أيضاً أن يأتي بالواجبات الأخرى في مواضعها، ولكنّ الصلاة لا تتوقّف على واجب آخر. و هذا ما يُسمّى بالإطلاق.

ألإطلاق أي: «صَلِّ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبٌ آخَرُ أَمْ لَمْ يَجِبْ وَاجِبٌ آخَرُ، فَعَلَ وَاجِبًا آخَرَ أَمْ لَمْ يَفْعَلْ»؛ أي سواء أتيت بواجب آخر أم لم تأتِ به، وسواء أكان هناك واجب آخر أم لم يكن، فلا علاقة لنا بالواجبات الأخرى أصلاً؛ فالصلاة واجب يجب الإتيان به.

و لكن لهذا الإطلاق معنيان:

1): «إِطْلَاقُ الْمَادَّةِ»، و٢): «إِطْلَاقُ الْهَيْئَةِ».

إطلاق المادّة هو أن تكون «الصلاة» مطلقةً؛ أي إنّ هذه الصلاة لا ترتبط بالواجبات الأخرى، بل هي مستقلّة بنفسها، فمادّة الصلاة مطلقة. و في تعبيرات العلماء، يُقال أحياناً: «إِطْلَاقُ الْمَادَّةِ»، أي إنّ مادّة الصلاة مطلقة و ليس لها قيد، فهي أحد الواجبات على نحو الإطلاق.

و يعبّر بعضهم أيضاً بـ«إِطْلَاقِ الْهَيْئَةِ». و إطلاق الهيئة يعني الأمر؛ مثل: «أَقِيمُوا»، و «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»، و «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ»، و«أَقِمِ الصَّلَاةَ»، فهذه كلّها أوامر و لها إطلاق؛ أي إنّ قوله: «أَقِمِ الصَّلَاةَ» يعني: سواء أكنت قد صمت أم لا، و أدّيت الزكاة و الخمس أم لا، فعليك أن تصلّي. فصيغة الأمر في «أَقِيمُوا» و «أَقِمِ الصَّلَاةَ» مطلقة، أي إنّ الوجوب ثابت على المكلّف بصورة مطلقة، و لا يرتبط بالواجبات الأخرى. و عليه، فقد عبّروا عن ذلك تارةً بـ«إِطْلَاقِ الْمَادَّةِ»، و تارةً أخرى بـ«إِطْلَاقِ الْهَيْئَةِ»

٢.٢. محلّ البحث: الشكّ في كون الواجب نفسياً أو غيرياً و الأدلّة اللفظية

من خلال هذا البيان، اتّضح أصل البحث: ففي الموارد التي يكون فيها كون الواجب نفسياً يقينياً، لا يوجد لدينا بحث، و كذلك في الموارد التي يكون فيها كون الواجب غيرياً يقينياً؛ وإنّما يقع البحث في الموارد المشكوكة، وهي التي يُشكّ فيها في أنّ هذا الواجب هل هو غيري أم نفسي.

إذا كان لدينا دليل وخطاب، اتّضح التكليف؛ لأنّ الخطاب في الآيات القرآنية والروايات تارةً يقول: «تَوَضَّأْ»، وتارةً أخرى يقول: «تَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ»، أو يقول: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، حيث ربط الوضوء بالصلاة، فيكون هذا الواجب غيرياً.

فإذا أمكن استنباط ذلك من الخطابات، أصبح الأمر سهلاً جداً، وصار الاجتهاد يسيراً؛ إذ يُستفاد من الأدلّة أنّ هذا الواجب غيري، كما أنّ قوله تعالى: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا» يدلّ على ارتباط الوضوء بالصلاة.

٢.٣.الأدلّة اللُّبِّيّة و التساؤل عن أصالة النفسية و أصالة الغيرية

و لكن هناك بعض الواجبات التي يُستفاد وجوبها من خلال «الأدلّة اللُّبِّيّة»، أي الدليل العقلي أو الإجما و الدليل اللُّبّي هو الدليل الذي لا يتضمّن لفظاً، و ليس دليلاً لفظياً، فالعقل أيضاً يحكم بلزوم الذهاب إلى الحجّ، و شراء التذكرة، و توفير الزاد و الراحلة، و شراء الحقيبة، و الدخول في قائمة الانتظار، و التسجيل في القافلة، و القيام بمئات الأعمال الأخرى، فهذه كلّها واجبات عقلية و عقلائية. و الواجبات العقلائية و العقلية، و كذلك الواجبات التي يثبت وجوبها بالإجماع، ليس لها لفظ حتّى يُتمسّك به و يُقال: إنّ الغيرية قد فُهمت من هذا اللفظ، أو إنّ النفسية قد فُهمت منه؛ فهذه الأدلّة ليس لها لسان.

و هنا يطرح تساؤل مهم: إذا كان للدليل لسان، كان الاجتهاد سهلاً، و يمكن من خلال لسان الدليل استنباط ما إذا كان هذا الواجب نفسياً أم غيرياً. أمّا إذا لم يكن للدليل لسان، أو كان لسانه مشتملاً على إبهامات لا يمكن معها الوصول إلى نتيجة في نهاية المطاف، فهل تكون «أَصَالَةُ النَّفْسِيَّة» هي الحاكمة أم «أَصَالَةُ الْغَيْرِيَّةِ»؟ و هل الأصل أن نقول إنّ هذا الواجب نفسي، أم إنّ الأصل أن نقول إنّه غيري؟

و بذلك تتّضح نقطة الإبهام، ففي الموارد التي يكون فيها الأمر واضحاً، يجتهد المجتهد و يُبدي رأيه؛ أمّا في الموارد التي يكتنفها الإبهام، فلا بدّ من البحث فيها: فإذا كان الدليل لُبِّيّاً، أي لم يكن له لسان يمكن من خلاله استنباط نفسية الواجب أو غيريته، فما الذي ينبغي فعله في هذه الحالة؟ هل نجري «أَصَالَةَ النَّفْسِيَّةِ» و نقول إنّ الواجب نفسي، أم نجري «أَصَالَةَ الْغَيْرِيَّةِ» و نقول إنّ الواجب غيري؟

 


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo