48/04/29
بسم الله الرحمن الرحیم
مباحث الألفاظ/اوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب النفسي و الغیري/ترشحيّة الوجوب الغیري و مسألة المصلحة
الموضوع: مباحث الألفاظ/اوأمر/مقدّمة الواجب/ الواجب النفسي و الغیري/ترشحيّة الوجوب الغیري و مسألة المصلحة
خلاصة الجلسة السابقة:
ذكرنا في الجلسة السابقة، في بحث الواجب النفسي و الغيري، أنّ تعريف الواجب النفسي هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»، و تعريف الواجب الغيري هو: «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَىٰ تَرْكِهِ»؛ فالعقاب يترتّب على ترك الصلاة، لا على ترك الوضوء. و يرى الميرزا النائيني أنّ الوجوب الغيري يترشّح من وجوب واجب آخر. و الإشكال هو أنّ المقدّمات البعيدة، كالتسجيل للحجّ قبل سنوات من وجوبه الفعلي، ليست ترشّحيةً؛ و لذلك، فإنّ هذا القيد ليس جامعاً. فمثلاً، يكون الوضوء قبل دخول وقت الصلاة مستحبّاً، و لكن بعد صيرورة وجوب الصلاة فعلياً، يُطرح وجوب الوضوء الغيري.
و تُؤدّى الواجبات ابتغاء مرضاة الله تعالى، و لكن لا يلزم أن نعرف المصلحة الجزئية لكلّ حكم. و قد تكون المصلحة في متعلّق الحكم، كالخمس و الزكاة لتأمين معيشة الفقراء، و قد تكون في جعل الحكم، كتربية الطفل من خلال الأمر.
الواجب النفسي و الواجب الغيري: التعبّدي والتوصّلي، والحسن الذاتي، والفرق بين العلّة والحكمة في مصالح الأحكام؛
تقسيم الواجب إلى نفسي و غيري، و إلى تعبّدي و توصّلي
كان النقاش في تعريف الواجب النفسي و الواجب الغيري؛ فالواجب النفسي هو «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ»، و الواجب الغيري هو «مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ».
و كلٌّ من هذين القسمين قد يكون تعبّدياً و قد يكون توصّلياً. فالواجب التعبّدي هو ما يُعتبر فيه قصد القربة، كالصلاة؛ أمّا الواجب التوصّلي فهو ما لا يُشترط فيه قصد القربة مع كونه واجباً، كـ«دَفْنِ الْمَيِّتِ». و «أَدَاءُ الدَّيْنِ» أيضاً من هذا القبيل؛ فأداء الدين واجب، لكنّ قصد القربة ليس واجباً فيه، بل يجب على المكلّف أداء دينه، غير أنّ هذا الواجب توصّلي، لا تعبّدي.
و بناءً على ذلك، ينقسم الواجب النفسي إلى قسمين: نفسي تعبّدي، كـ«الصَّلَاةِ»، و نفسي توصّلي، كـ«أَدَاءِ الدَّيْنِ» و«دَفْنِ الْمَيِّتِ».
دراسة الحسن الذاتي في الواجبات التوصّلية
«إِنَّ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ عِبَارَةٌ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ بِمَا لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ الْغَيْرِيُّ عِبَارَةٌ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ لَا لِنَفْسِهِ.»[1]
و قد ذكر بعض الأعلام في تعريف الواجب النفسي أنّه ما له حسن ذاتي، في حين أنّ الواجب الغيري يفتقر إلى الحسن الذاتي، و إنّما وجب بسبب واجب آخر.
تعريف آخر: «أَنَّ الْبَعْثَ إِذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ لِأَجْلِ التَّوَصُّلِ إِلَىٰ مَبْعُوثٍ إِلَيْهِ فَوْقَهُ فَهُوَ غَيْرِيٌّ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِ فَهُوَ نَفْسِيٌّ.»[2]
و هنا يُطرح هذا السؤال: هل يجري هذا الكلام في الواجبات التوصّلية أيضاً، بحيث يكون وجود الحسن الذاتي فيها لازماً كذلك، أم أنّه مختصّ بالعباديات؟ فيُقال إنّ للصلاة حسناً ذاتياً؛ و لكن هل يُشترط الحسن الذاتي في الواجبات التوصّلية أيضاً أم لا؟
قاعدة «الْأَحْكَامُ تَابِعَةٌ لِلْمَصَالِحِ وَ الْمَفَاسِدِ»
لتوضيح هذا البحث، ينبغي القول إنّ قاعدة «الْأَحْكَامُ تَابِعَةٌ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ» مقبولة في الأحكام الشرعية. أمّا علمنا بتلك المصالح، فهو بحث آخر. فكلّ واجب أوجبه الله تعالى يشتمل يقيناً على مصلحة، و كلّ محرّم حرّمه يشتمل يقيناً على مفسدة. و لكنّ معرفة تلك المصلحة أو المفسدة و تشخيصها ليسا في مقدورنا، و لسنا ندّعي ذلك. و ما نعلمه هو العلم الإجمالي، لا التفصيلي؛ إذ نوقن إجمالاً بأنّ لكلّ واجب مصلحةً، و لكلّ محرّم مفسدة.
أمّا ما هي مصلحة كلّ واحد منها، فقد يتأمّل الإنسان بعقله و يضع التفسيرات الفلسفية، فيقول إنّ في هذا الأمر مصلحةً معيّنة أو مفسدةً معيّنة؛ فالخمر له هذه الخصوصية، و القمار كذلك، و الزنا يشتمل على مفسدة، أمّا الواجبات، فالصلاة تشتمل على مصالح عديدة، و الزكاة وسيلة لمساعدة الفقراء. ثمّ يبدأ بذكر علل لهذه الأمور.
و ينبغي الالتفات إلى أنّ هذه المصالح و المفاسد التي يحلّلها الإنسان في ذهنه ليست من قبيل العلّة و المعلول، بل هي من قبيل الحكمة. فما يتوصّل إليه شخص في ذهنه قد يدرك الفيلسوف أو العالم أكثر منه، و يذكر وجوهاً إضافية لبيان مصلحة واجب معيّن. فقد يعجز شخص عن إدراك مصلحته، أو يدرك جانباً يسيراً منها، أو يدرك أكثر من ذلك؛ فالناس متفاوتون في هذا المجال. و مع ذلك، لا يمكن تسمية هذه الأمور علّةً و معلولاً.
يقول الله تعالى: :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[3] ؛ نحن لا نعرف علّة الصوم؛ أمّا حكمته فهي التقوى، فقوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» يعني أنّكم قد تبلغون التقوى بالصوم. ومن هنا، نلاحظ كثيراً من حالات التخلّف بين العلّة و المعلول؛ فهناك أشخاص يصومون، و مع ذلك يأكلون أموال الناس و لا يتّقون الله. إذن، فقوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» يبيّن حكمة الصوم، لا علّته.
نقد الفهم الخاطئ لمقاصد الشريعة
يُطرح أحياناً في الحوزات العلمية بحثٌ حول «مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ»، و كيفية فهمها. و هنا تكمن الإشكالية. فمقاصد الشريعة التي نرسمها نحن البشر للواجبات، أو المفاسد التي نتصوّرها للمحرّمات، كلّها تندرج تحت عنوان الحكمة، و ليست عللاً يدور الحكم مدارها، حتى يُقال: «إِذَا انْتَفَتِ الْعِلَّةُ انْتَفَى الْمَعْلُولُ»، و إنّ المعلول يوجد مئة بالمئة عند تحقّق العلّة؛ فالأمر ليس كذلك. و «لَعَلَّكُمْ» تعني «لعلّ» و «ربّما»، و كذلك «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» و «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»، فجميعها من باب الحكمة.
و بناءً على ذلك، ينبغي للذين يبحثون في مقاصد الشريعة أن يلتفتوا إلى هذه النقطة. فمقاصد الشريعة صحيحة يقيناً؛ أي إنّ للشريعة قطعاً مقاصد و مصالح و مفاسد، فالواجبات شُرّعت لتحصيل المصالح، و المحرّمات شُرّعت للابتعاد عن المفاسد. و لكن لا ينبغي تسمية المصلحة التي يضع الإنسان لها تفسيراً فلسفياً علّةً؛ بل ينبغي القول: لعلّ حكمتها كذا، و لعلّ حكمة الزنا كذا، و لعلّ حكمة الخمر كذا، و لعلّ حكمة القمار كذا؛ فينبغي استعمال كلمة «الحكمة»، لا «العلّة». فنحن لا نستطيع بيان علّتها الدقيقة، و حتى لو ورد بيانها في الروايات، فإنّها تُحمل أيضاً على الحكمة، أي إنّها ليست أمراً يقينياً بنسبة مئة بالمئة؛ لأنّ تخلّف المعلول عن العلّة يكشف عن أنّ ذلك الأمر لم يكن علّةً له؛ إذ لو كان علّةً، لوجب وجود المعلول حتماً. فمثلاً، قد يصلّي الإنسان و لا يبلغ المعراج، أو يصلّي و يرتكب آلاف المعاصي، فلا يتحقّق فيه قوله تعالى: «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ». و من ثمّ، يتّضح أنّ هذه الأمور ليست عللاً، بل حِكَم.
لذلك، ينبغي للمدافعين عن مقاصد الشريعة، الذين يولون هذا البحث اهتماماً كبيراً، أن يلتفتوا إلى هذه النقطة؛ فما يعرّفونه بوصفه مقصداً ليس من المعلوم أنّه هو نفسه ما أراده الله تعالى. إنّما هو تفسير فلسفي نشأ في أذهانهم، فيقولون: أرى أنّ مصلحة هذا الواجب كذا، ومفسدة هذا المحرّم كذا. نعم، قد يجدون في الزنا أربع مفاسد، و لكن من المحتمل أن يكون الله تعالى قد جعل فيه آلاف المفاسد التي لا يعلمونها. و كذلك قد يبيّن العلماء مفاسد أخرى للخمر و القمار، ثم تُكتشف في مراحل لاحقة مفاسد جديدة.
و بناءً على ذلك، فإنّ ما نذكره من مقاصد الشريعة صحيح إلى حدّ ما، و لكن لا يصحّ وصفه بأنّه علّة و معلول على نحو قطعيّ لا يتخلّف، فإنّ ذلك يثير الإشكال. أمّا إذا قيل إنّ حكمته كذا، أو إنّ أحد الوجوه المحتملة التي شُرّع هذا الواجب لأجلها هو كذا، فهذا كلام حسن. و إنّ بيان الواجبات و المحرّمات و «عِلَلِ الشَّرَائِعِ» و فلسفة الأحكام في المنبر و الخطابة أمر مستحسن و محمود جداً؛ و لكن ينبغي الحذر من حصر المصلحة في أمر واحد، لأنّ ذلك غير صحيح.
التفريق بين صحة الصلاة و قبولها
يقول مراجع التقليد إنّ قراءة الصلاة صحيحة و إنّ الصلاة صحيحة. و لكن ما نتحدث عنه هو الصلاة الصحيحة، أما الصلاة التي تكون «مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ» فهي مسألة أخرى. فنحن نؤدي صلواتٍ صحيحةً، و صلواتنا الآن صحيحة، بل نتولى إمامة الجماعة أيضاً، و صلواتنا صحيحة؛ و لكن هل هي «مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللهِ» أيضاً؟ و هل تُقبل وتبلغ درجات عالية أم لا؟ فهذا مما يعلمه الله تعالى.
و مع ذلك، فإنّ الصلاة لا تكون باطلةً في الجملة؛ فالقراءة صحيحة، و الركوع و السجود صحيحان، و قد أُدّيت واجبات الصلاة، و ربما أُتي ببعض مستحباتها أيضاً؛ و من ثمّ تكون الصلاة صحيحةً. أما كونها «مَقْبُولَةً عِنْدَ اللهِ»، و الدرجة التي بلغت إليها من القبول، فمسألة أخرى مستقلة.
النتيجة في مقاصد الشريعة
وبناءً على ذلك، فإنّ الإشكالات التي تُطرح أحياناً في الحوزة العلمية، و يواصل بعضهم الحديث عن مقاصد الشريعة، تنشأ من أننا لا نستطيع تشخيص علل الأحكام على نحو يدور الحكم مدارها. يمكننا بيان حِكَمٍ للواجبات، و كذلك بيان حِكَمٍ للمحرّمات، و لكن لا شيء من ذلك يُعدّ علّةً تامّةً. فإذا فهمنا مقاصد الشريعة بهذا المعنى، أي على أساس بيان العلّة و المعلول، فقد يكون هذا الفهم موضع إشكال؛ أما إذا قيل إن حكمته هي كذا، فهذا أمر حسن جداً و لا إشكال فيه.
و إذا ادّعى أحدٌ أنه على يقين من أن هذا هو العلّة، فذلك أمرٌ بينه و بين ربّه؛ فقد يكون لدى شخصٍ مثل هذا اليقين، و لكن فهمنا المعتاد هو أنّ هذه الأمور من قبيل الحِكَم. حتى ما ورد في القرآن الكريم: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فمعناه: لعلّكم تبلغون مرتبة التقوى؛ و هذا ليس علّةً، بل التقوى هي الحكمة، و ما شابه ذلك.