« قائمة الدروس
بحث الأصول الأستاذ محسن الفقیهی

48/04/23

بسم الله الرحمن الرحیم

مباحث الفاظ/اوأمر/مقدّمه واجب/تعریف واجب نفسی و غیری

 

موضوع: مباحث الفاظ/اوأمر/مقدّمه واجب/تعریف واجب نفسی و غیری

 

ملخّص الدرس السابق:

ذكرنا في الدرس السابق، في بحث الواجب النفسي و الغيري، أنّ الواجب النفسي هو ما وجب لنفسه و يُعاقَب على تركه، و الواجب الغيري هو ما وجب لغيره و لا يُعاقَب على تركه، كالوضوء و الغسل و التيمّم للصلاة.

و لو كان الملاك هو «ما وجب لنفسه» فقط، للزم الإشكال الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، و هو أن تكون جميع الواجبات غيريةً؛ لأنّها جميعاً قد وجبت لمصالح مترتّبة عليها. و الجواب أنّ هذا الإشكال يندفع بإضافة قيد «و يُعاقَب على تركه».

و يرى الشهيد الصدر أنّ الملاك هو عالم الإلزام، و يعرّف الواجب النفسي بأنّه «ما يُعاقَب على تركه بما هو هو». و لكنّنا نرى أنّ هذا المعيار وحده لا يكفي، بل لا بدّ من ضمّ «ما وجب لنفسه» إليه؛ لأنّ الاعتماد على العقاب وحده قد يستلزم الدور أو الإجمال.

و أمّا الثواب على المقدّمات، فهو ثابت أيضاً، لكنّه ليس معياراً حاسماً، و إنّما هو أحد العلامات فقط.

و النقض على التعريف المشهور هو أنّ المقدّمات المفوّتة تندرج ضمن الواجب الغيري، مع أنّها من أقسام الواجب النفسي. و قد فرّق المحقّق النائيني بين المقدّمات المفوّتة و غير المفوّتة، و لكنّنا نرى أنّه لا فرق بينهما، بل حتى في المقدّمات المفوّتة، فإنّ العقاب يكون على ترك نفس الواجب، لا على ترك المقدّمة.

إشكال الشيخ الأنصاري و صاحب الكفاية

في تتمّة بحث الواجب النفسي و الواجب الغيري، طُرح إشكال، حيث يقول الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه): «يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ أَكْثَرُهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْغَيْرِيَّةِ، إِذِ الْمَطْلُوبُ النَّفْسِيُّ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَامِرِ، فَإِنَّ جُلَّهَا مَطْلُوبَاتٌ لِأَجْلِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهَا، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُنْعَكِسٍ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ غَيْرَ مُطَّرِدٍ لِانْتِفَاءِ الْوَاسِطَةِ.»[1] قال المحقّق الخراساني (رحمةالله‌علیه): «لَا يَخْفَىٰ أَنَّ الدَّاعِيَ لَوْ كَانَ هُوَ مَحْبُوبِيَّتَهُ كَذَلِكَ أَيْ بِمَا لَهُ مِنَ الْفَائِدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاجِبًا غَيْرِيًّا، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ هَذِهِ الْفَائِدَةِ لَازِمًا، لَمَا دَعَا إِلَىٰ إِيجَابِ ذِي الْفَائِدَةِ... أَنَّ جُلَّ الْوَاجِبَاتِ لَوْلَا الْكُلُّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْغَيْرِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ النَّفْسِيَّ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَامِرِ، فَإِنَّ جُلَّهَا مَطْلُوبَاتٌ لِأَجْلِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهَا».[2]

ذهب الشيخ الأنصاري و المحقّق الآخوند صاحب الكفاية (قدّس سرّهما) إلى أنّه إذا عرّفنا الواجب النفسي بأنّه «ما وجب لنفسه»، و الواجب الغيري بأنّه «ما وجب لغيره»، لزم أن تكون جميع الواجبات واجباتٍ غيريةً، حتى الصلاة و الصوم.

و وجه هذا الإشكال أنّ في جميع الواجبات مصالحَ لازمةَ الاستيفاء، و هذه المصلحة اللازمة الاستيفاء هي التي دعت الشارع إلى إيجاب ذلك العمل. فمثلاً، الزكاة و الخمس و الصلاة و الصوم، لكلٍّ منها مصلحةٌ أوجب الشارع العمل من أجلها. و عليه، إذا كان ملاك الواجب الغيري هو أن يكون الشيء واجباً لأجل أمر آخر، لزم أن تُعَدَّ جميع الواجبات غيرية؛ لأنّ كلّ واجب قد وجب لأجل المصلحة الموجودة فيه.

و قد طرح الشيخ الأنصاري و المحقّق الآخوند هذا الإشكال. و لكن في مقابل هذا الإشكال، نُقل جوابٌ عن آية الله الفاضل (رضوان الله تعالى عليه)، كما قدّم آية الله السبحاني (سلّمه الله تعالى) جواباً آخر.

۱) جواب آیةالله الفاضل(رحمه‌الله)

«أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ يَكُونُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، بِمَعْنَىٰ أَنَّهَا مَبْعُوثٌ إِلَيْهَا بِالْبَعْثِ وَالتَّحْرِيكِ الِاعْتِبَارِيِّ، فَهِيَ تَكْلِيفٌ مُسْتَقِلٌّ، بِخِلَافِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنَ الْآثَارِ وَالْخَوَاصِّ كَالنَّهْيِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَقُرْبَانِ كُلِّ تَقِيٍّ، مَعَ أَنَّ تَحَقُّقَ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْوُجُوبُ مُسْتَقِلًّا، وَلَا يَكُونُ فِي الْفِقْهِ بَابًا بِهَذِهِ الْعَنَاوِينِ، وَلَا تَقَعُ مُتَعَلَّقًا لِلْأَمْرِ، وَلِذَا لَا نَقُولُ: إِنَّ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ لِلتَّوَصُّلِ إِلَىٰ وَاجِبٍ آخَرَ، فَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ (قُدِّسَ سِرُّهُ) مِمَّا نَقْطَعُ بِخِلَافِهِ.»[3]

قال آية الله الفاضل (رحمه‌الله): إنّ وجوب الوضوء إنّما هو «لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الصَّلَاةِ». فنحن نبحث عن التكليف، لا عن الأغراض. و وظيفتنا هي أداء تكاليفنا، أمّا الأغراض المترتّبة على هذه الواجبات، فليست جزءاً من وظيفتنا. فمثلاً، ورد في شأن الصلاة: «الصَّلَاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ»، و «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»، و «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ». فقد يصلّي شخصٌ، ثم يرتكب ألف معصية، ولا يتحقّق فيه أثر «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ». فنحن مكلّفون بأداء التكاليف، لا بتحقيق الآثار المترتّبة عليها.

نعم، للصلاة مصالح كثيرة، و لكن تكليفنا ليس بتلك الأغراض، و إنّما تكليفنا بالصلاة. فالواجب النفسي و الواجب الغيري اللذان نتحدّث عنهما، إنّما يرتبطان بالتكاليف، لا بالأغراض. فلا ينبغي الخلط بين مسألة الأغراض و الآثار و بين هذه المسألة. فالآثار و الأغراض أمور قد تترتّب أحياناً، و قد لا تترتّب أحياناً أخرى، و قد يتحقّق بعضها دون بعض. أمّا ما يجب علينا، فهو أن نؤدّي تكاليفنا على الوجه الصحيح.

و هذا البيان الذي ذكره آية الله الفاضل، بيانٌ جيّد في هذا المقام.

۲) جواب آیةالله السبحاني(سلّمه‌الله‌تعالی)

«أَنَّ الْإِشْكَالَ نَابِعٌ مِنْ عَدَمِ الْإِمْعَانِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ، حَيْثُ إِنَّهُ جَعَلَ الْمِعْيَارَ كَوْنَ الدَّاعِي إِلَى الْأَمْرِ التَّوَصُّلَ إِلَى وَاجِبٍ آخَرَ وَعَدَمَهُ، لَا التَّوَصُّلَ إِلَى الْغَايَاتِ وَالْأَغْرَاضِ وَعَدَمَهَا، وَالْأَغْرَاضُ وَإِنْ كَانَتْ مَحْبُوبَةً بِالذَّاتِ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْأَمْرُ وَالطَّلَبُ.»[4]

ويبيّن آية الله السبحاني المطلب نفسه ببيانٍ آخر، فيقول: إذا دقّقتم النظر، وجدتم أنّ تعبير العلماء في كلماتهم هو: «مَا وَجَبَ لِنَفْسِهِ لَا لِوَاجِبٍ آخَرَ»، وقد عرّفوا الواجب الغيري بأنّه: «مَا وَجَبَ لِوَاجِبٍ آخَرَ». فكلّ ما جُعل وجوبه لأجل واجب آخر، فهو واجب غيري، كالوضوء للصلاة. و أمّا ما جُعل وجوبه لنفسه، كالصلاة، فهو واجب نفسي. و أمّا الأغراض و الخواصّ و المصالح، فليست من الواجبات. فمحلّ بحثنا هو «مَا وَجَبَ لِوَاجِبٍ آخَرَ»، و أمّا الأغراض و المصالح، فلا علاقة لها بالوجوب.

و هذا أيضاً ما أفاده آية الله السبحاني، و يمكننا طرحه إلى جانب بيان آية الله الفاضل، و الجواب به عن هذه المسألة.

قاعده «الْمَقْدُورُ بِالْوَاسِطَةِ مَقْدُورٌ»

«فَإِنْ قُلْتَ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا مَحْبُوبًا لُزُومًا، إِلَّا أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ مِنَ الْخَوَاصِّ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ، لَمَا كَادَ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِيجَابُ. قُلْتُ: بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، لِدُخُولِ أَسْبَابِهَا تَحْتَهَا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى السَّبَبِ قُدْرَةٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ وُقُوعُ مِثْلِ التَّطْهِيرِ وَالتَّمْلِيكِ وَالتَّزْوِيجِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُسَبَّبَاتِ، مَوْرِدًا لِحُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ.

فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَثَرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا، إِلَّا أَنَّ ذَا الْأَثَرِ لَمَّا كَانَ مُعَنَّوَنًا بِعُنْوَانٍ حَسَنٍ يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِمَدْحِ فَاعِلِهِ، بَلْ وَبِذَمِّ تَارِكِهِ، صَارَ مُتَعَلَّقًا لِلْإِيجَابِ بِمَا هُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُهُ مُقَدِّمَةَ أَمْرٍ مَطْلُوبٍ وَاقِعًا، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ الْغَيْرِيِّ، لِتَمَحُّضِ وُجُوبِهِ فِي أَنَّهُ لِكَوْنِهِ مُقَدِّمَةً لِوَاجِبٍ نَفْسِيٍّ. وَهَذَا أَيْضًا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مُعَنَّوَنًا بِعُنْوَانٍ حَسَنٍ فِي نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي إِيجَابِهِ الْغَيْرِيِّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ فَسَّرَهُمَا بِمَا أُمِرَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا أُمِرَ بِهِ لِأَجْلِ غَيْرِهِ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِأَنَّ جُلَّ الْوَاجِبَاتِ ـ لَوْلَا الْكُلُّ ـ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْغَيْرِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ النَّفْسِيَّ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَوَامِرِ، فَإِنَّ جُلَّهَا مَطْلُوبَاتٌ لِأَجْلِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهَا.»[5]

قال المحقّق الخراساني (رحمه‌الله): «الْمَقْدُورُ بِالْوَاسِطَةِ مَقْدُورٌ». فتارةً تكونون قادرين على فعل شيء، و تارةً لا تكونون قادرين على فعله، و لكنّكم تقدرون عليه بواسطة شيء آخر، فالإنسان القادر على قسمين: «الْقَادِرُ بِنَفْسِهِ» و «الْقَادِرُ بِالْوَاسِطَةِ»؛ أي: من يستطيع القيام بذلك الفعل بواسطة واسطة.

هل تستطيعون الصلاة من دون وضوء؟ كلا. و لكنّكم تستطيعون الصلاة مع الوضوء. و هذا هو المقدور بالواسطة؛ فبواسطة الوضوء تكونون قادرين على الصلاة، و بواسطة الغسل تكونون قادرين على الصلاة. و هذا ما نسمّيه «الْمَقْدُورَ بِالْوَاسِطَةِ».

و الآن، السؤال هو: هل «مَعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ» مقدور؟ و هل «قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ» مقدور أم ليس بمقدور؟

قال بعضهم: إنّه ليس بمقدور. و لمـّا لم یکن بمقدور، فلا يقع متعلّقاً للتكليف. فنحن غير مكلّفين بالمعراج، و لسنا مكلّفين بـ«قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ». لماذا؟ لأنّه ليس مقدوراً لنا، و ليس تحت اختيارنا.

و قد أجاب بعضهم بقوله: «الْمَقْدُورُ بِالْوَاسِطَةِ مَقْدُورٌ»؛ فنحن نصل إلى المعراج بواسطة الصلاة. فإذا أدّينا الصلاة على نحو صحيح و كامل، عرجنا إلى المعراج. و إذا كانت صلاتكم جامعةً و كاملةً، فإنّها «تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ». و إذا كانت الصلاة كاملةً و جامعةً، كانت هي «قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ»؛ إذن، فالمقدور بالواسطة مقدور.

حسناً، فهل هذه الإجابة صحيحة أم لا؟

دفع الإشكال عن كلام المحقّق الخراساني (رحمه‌الله)

بعض الأشياء تُعَدّ عللاً، و بعضها الآخر يُعَدّ مُعِدّات. و المقصود بالعلل أنّه متى وُجدت العلّة وُجد المعلول أيضاً؛ فنقول: علّة و معلول. أمّا المُعِدّات، فهي التي تهيّئ الأرضيّة لتحقّق المعلول، و لكنّها ليست علّةً تامّةً له. كما نقول: إنّها مقتضٍ و مُعِدّ، و لكنّها ليست علّةً تامّةً.

و السؤال هو: هل هذه الواجبات عللٌ للمصالح و المفاسد؟ فالمحرّمات تشتمل على مفاسد، و جميع الأحكام تشتمل على مصالح و مفاسد؛ فهل هذه الواجبات علل تامّة، أم علل ناقصة، أم مُعِدّات؟

موضع الخطأ هنا هو أنّ هذه الواجبات ليست عللاً، بل هي مُعِدّات. فالصلاة لا توصلكم إلى المعراج، و لكن قد تصل ببعض الأفراد إلى المعراج أيضاً. و هذا ما نسمّيه: «مُعِدٌّ لَا عِلَّةٌ تَامَّةٌ».

و يقول المحقّق الخراساني (رحمه‌الله): إنّ الخطأ الذي وقع هنا هو أنّنا خلطنا بين العلّة التامّة و العلّة الناقصة، و خلطنا بين العلّة التامّة و المُعِدّات. نعم، في كثير من الأفعال، متى وُجدت العلّة وُجد المعلول أيضاً. و لكن عندما يوجد المقتضي، فقد لا يوجد المعلول أحياناً بسبب وجود الموان

و غالباً ما تكون صلواتنا من هذا القبيل؛ فهي لا توصلنا إلى المعراج، و لكنّ المقتضي موجود. فقد عرج النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكانت هذه الآثار متحقّقةً بالنسبة إلى الأئمّة (عليهم السلام)، و قد تتحقّق هذه الآثار بالنسبة إلى الأولياء أيضاً، و لكن هذه الآثار لا تتوافر للجمي و مع ذلك، فمن الممكن أن نصل إلى تلك الآثار و الخواصّ، و من الممكن أن نبلغها.

التعریف الخامس

«أَنَّ الْوَاجِبَ النَّفْسِيَّ مَا وَجَبَ لِحُسْنِهِ الذَّاتِيِّ، وَالْغَيْرِيَّ مَا وَجَبَ لِمُقَدِّمِيَّتِهِ لِوَاجِبٍ آخَرَ.»[6]

يقول المحقّق الخراساني (رحمة الله عليه): إنّ الواجب النفسي له حُسن ذاتي، ولكن لا يلزم أن يكون الواجب الغيري ذا حُسن ذاتي.

و توضيح ذلك أنّ الصلاة لها حُسن ذاتي؛ إذ تقفون بين يدي الله تعالى، و تقولون: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، و «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، و «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ»؛ فهذا حُسن ذاتي. فأنتم تتحدّثون مع الله و تؤدّون عبادة الربّ، و هذا له حُسن ذاتي.

و كذلك الصوم؛ فقد ورد: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ»، و «تَصِحُّ الْبَدَنَ»؛ إذ تترتّب عليه مصالح، و له حُسن ذاتي. و الزكاة لها حُسن ذاتي؛ لأنّكم تعطون الفقراء من أموالكم. و الخمس أيضاً له حُسن ذاتي. فالواجبات النفسية لها حُسن ذاتي.

أمّا الواجبات الغيرية، فقد يكون لها حُسن ذاتي، وقد لا يكون لها ذلك. فمثلاً، التيمّم مقدّمة للصلاة؛ فما الحُسن الذاتي الذي له؟ هل يسبّب التبريد؟ وهل ينظّف رأسه ووجهه؟ فما الحُسن الذاتي الذي يتّصف به التيمّم؟

و الآن، لو قلتم إنّ الغسل أو الوضوء لهما حُسن ذاتي؛ لأنّهما يسبّبان النظافة، فإنّ التيمّم ليس كذلك. فهناك كثير من المقدّمات التي لا تتّصف بالحُسن الذاتي.

إذن، الواجب النفسي هو ما له حُسن ذاتي، أمّا الواجب الغيري، فقد يكون له حُسن ذاتي وقد لا يكون له ذلك. وحتى إذا كان له حُسن ذاتي، فإنّ ذلك يكون لأجل الصلاة؛ أي إنّ الإنسان ينظّف نفسه لكي يصلّي، فيصلّي بثياب نظيفة ووجه نظيف وبدن نظيف.

الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية

هناك نقطة أخرى ينبغي الالتفات إليها هنا، و قد وردت في كلمات كبار العلماء، و هي: كيف تتحقّق الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية في مسألة الصلاة و الوضوء و أمثالهما، و في المصالح و المفاسد المترتّبة على الصلاة؟

لقد ذكروا أنّه حيثما تتحقّق الإرادة التكوينية، يمكن أن تتحقّق الإرادة التشريعية. أمّا إذا كانت الإرادة التكوينية غير قابلة للتحقّق، أو لم تتحقّق لأيّ سبب من الأسباب، فإنّ الإرادة التشريعية لا تتحقّق هناك أيضاً.

قال المحقّق الخوئي(رحمه‌الله):«أَنَّ الْأَفْعَالَ بِالْإِضَافَةِ إِلَىٰ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُعِدَّاتِ الَّتِي يَتَوَسَّطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعْلُولِ أُمُورٌ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ التَّكْوِينِيَّةِ بِهَا، فَكَذَلِكَ التَّشْرِيعِيَّةُ لِمَا بَيَّنَا مِنَ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا إِمْكَانًا وَامْتِنَاعًا، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الدَّوَاعِي لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالْأَفْعَالِ، لَا أَنَّهَا بِأَنْفُسِهَا تَحْتَ التَّكْلِيفِ حَتَّىٰ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَفْعَالِ مُتَرَشِّحًا مِنَ الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا مَقْدُورَةٌ بِالْوَاسِطَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقُدْرَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَأَنْ تَكُونَ بِالْوَاسِطَةِ، قَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ فِي الْأَفْعَالِ التَّوْلِيدِيَّةِ، لَا فِي الْعِلَلِ الْمُعِدَّةِ.»[7]

«إِنَّ الْأَفْعَالَ بِالْإِضَافَةِ إِلَىٰ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُعِدّات»

تقدّم أنّ الصلاة مُعِدّةٌ لمعراج المؤمن، و ليست علّةً تامّةً له. «الَّتِي يَتَوَسَّطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعْلُولِ أُمُورٌ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ»؛ فبين الصلاة ومعلولها، أي المعراج، توجد أمور اختيارية و غير اختيارية. أنتم تريدون الوصول إلى المعراج؛ فتؤذّنون، و تقيمون الصلاة، و تقصدون القربة، و تقولون: «اللَّهُ أَكْبَرُ». و إلى جانب هذه الأمور، توجد أمور غير اختيارية أيضاً؛ فإنّ وصولكم إلى المعراج بواسطة قول «اللَّهُ أَكْبَرُ» و«بِسْمِ اللَّهِ» و «أَعُوذُ بِاللَّهِ» يتوقّف على بلوغ القلب تلك المرتبة، و هذا ليس باختياركم.

تتوسّط في هذا المقام أمور غير اختيارية، و هي خارجة عن اختيارنا. فذهني أثناء الصلاة ينصرف إلى أمور أخرى، و يتشتّت انتباهي، و لا أستطيع السيطرة على نفسي لأكون في خدمة الله تعالى بكامل وجودي. فيذهب ذهني إلى التلفاز و الأخبار و الحرب؛ فتارةً إلى المعصية، و تارةً إلى الدَّين، و تارةً إلى المشكلات؛ و هكذا يتقلّب الذهن. و هذا ليس باختياري؛ إذ توجد هنا أمور غير اختيارية.

يقول: «يَتَوَسَّطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعْلُولِ أُمُورٌ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ التَّكْوِينِيَّةِ بِهَا، فَكَذَلِكَ التَّشْرِيعِيَّةُ». لا تتعلّق الإرادة التكوينية بالأمور غير الاختيارية. فإذا كانت الأمور غير اختيارية، لم يمكن تعلّق الإرادة التكوينية بها. وكذلك الإرادة التشريعية، أي الأوامر والنواهي، لا تتعلّق بالأمور غير الاختيارية. و عليه، فإنّ آثار الصلاة التي تتمثّل في كونها «مَعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ» قد تتوقّف أحياناً على أمور غير اختيارية، فلا تتعلّق بها الإرادة التكوينية، كما لا يتعلّق بها التشريع و التكليف.

النقطة الختامية

إنّ ما هو واجب نفسيٌّ و لا خلاف فيه هو «معرفة الله تعالى». فمعرفة الله تعالى ليست لأجل شيء آخر، بل هي مطلوبة لذاتها. أمّا سائر الواجبات، فإنّما تجب للوصول إلى أهداف ومصالح؛ وأمّا معرفة الله تعالى، فهي واجبة لذاتها.

 


هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo